تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية أخرى [: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها،

فقال: أىّ معنى لذكر البيوت وظهورها وأبوابها؟ وهل المراد بذلك البيوت المسكونة

على الحقيقة، أو كنّى بهذه اللفظة عن غيرها؟ فإن كان الأول فما الفائدة فى إتيانها من أبوابها دون ظهورها؟ وإن كانت كناية فبيّنوا وجهها ومعناها.

الجواب قيل له فى الآية وجوه.

أولها ما ذكر من أنّ الرجل من العرب كان إذا قصد حاجة فلم تقض له، ولم ينجح فيها رجع فدخل من مؤخّر البيت، ولم يدخل من بابه تطيّرا، فدلّهم الله تعالى على أنّ هذا من فعلهم لا برّ فيه، وأمرهم من التّقى بما ينفعهم ويقرّبهم إليه، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن التطيّر وقال: «/ لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»؛ أى لا يعدى شيء شيئا. وقال ﵇: «لا يورد ذو عاهة على مصحّ»؛ ومعنى هذا الكلام أنّ من لحقت إبله آفة أو مرض فلا ينبغى أن يوردها على إبل لغيره صحاح، لأنّه متى لحق الصّحاح مثل هذه العاهة اتفاقا، لا لأجل العدوى لم يؤمن من صاحب الصّحاح أن يقول إنما لحق إبلى هذه الآفة من تلك الإبل، وهى أعدت إبلى، فنهى النبي صلى الله عليه وآله عن هذا، ليزول المأثم بين الفريقين والظّنّ القبيح.

وثانيها أن العرب إلّا قريشا ومن ولدته قريش كانوا إذا أحرموا فى غير الأشهر الحرم لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، ودخلوها من ظهورها إذا كانوا من أهل الوبر، وإذا كانوا من أهل المدر نقبوا فى بيوتهم ما يدخلون ويخرجون منه، ولم يدخلوا ولم يخرجوا من أبواب البيوت؛ فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأعلمهم أنه لا معنى له، وأنه ليس من البرّ وأن البرّ غيره.

وثالثها- وهو جواب أبى عبيدة معمر بن المثنى- أن المعنى ليس البرّ بأن تطلبوا الخير من غير أهله، وتلتمسوه من غير بابه، وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها، معناه: واطلبوا الخير من وجهه، ومن عند أهله.

ورابعها- وهو جواب أبى عليّ الجبّائىّ- أن تكون الفائدة فى هذا الكلام ضرب المثل،

وأراد: ليس البرّ أن يأتى الرجل الشيء من خلاف جهته؛ لأن إتيانه من خلاف جهته يخرج الفعل عن حد الصواب والبرّ إلى الإثم والخطأ، وبيّن البرّ والتقوى، وأمر بإتيان الأمور من وجوهها، وأن تفعل على الوجوه التى لها وجبت وحسنت، وجعل تعالى ذكر البيوت وظهورها وأبوابها مثلا؛ لأن العادل فى الأمر عن وجهه كالعادل فى البيت عن بابه.

وخامسها أن تكون البيوت كناية عن النساء، ويكون المعنى: وأتوا النساء من حيث أمركم الله، والعرب تسمّى المرأة بيتا؛ قال الشاعر:

ما لي إذا أنزعها صأيتأكبر غيّرنى أم بيت

أراد بالبيت: المرأة.

ومما يمكن أن يكون شاهدا للجواب الّذي حكيناه عن أبى عليّ الجبّائىّ، والجواب عن أبى عبيدة أيضا ما أخبرنا به أبو القاسم عبيد الله عثمان بن يحيى قال: أخبرنا/ أبو عبد الله محمد بن أحمد الحكيمىّ قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوىّ قال: أنشدنا ابن الأعرابىّ:

إنى عجبت لأمّ العمر إذ هزئتمن شيب رأسى وما بالشّيب من عار
ما شقوة المرء بالإقتار يقترهولا سعادته يوما بإكثار
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة
إنّ الشّقىّ الّذي فى النّار منزلهوالفوز فوز الّذي ينجو من النّار
للشاعر يَزيد بن حبناء، اقرأ القصيدة
أعوذ بالله من أمر يزبّن لىشتم العشيرة أو يدنى من العار
وخير دنيا ينسّى أمر آخرةوسوف يبدى لى الجبّار أسرارى
لا أدخل البيت أحبو من مؤخّرهولا أكسّر فى ابن العمّ أظفارى
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة

فقوله:

لا أدخل البيت أحبو من مؤخّره

يحتمل أن يريد به: إننى لا آتى الأمور من غير وجهها، على أحد الأجوبة فى الآية، ويحتمل أيضا أنى لا أطلب الخير إلا من أهله على جواب أبى عبيدة، ويحتمل وجها آخر؛ وهو أن يريد أننى لا أقصد البيت للرّيبة والفساد، لأنّ من شأن من يسعى إلى إفساد الحرم، ويقصد البيوت للريبة أن يعدل عن أبوابها طلبا لإخفاء أمره، فكأنه نفى عن نفسه بهذا القول القبيح، وتنزّه عنه؛ كما تنزه بقوله:

ولا أكسّر فى ابن العمّ أظفارى

عن مثله، وأراد أنه لا يندى ابن العمّ منى السوء، ولا يتألم بشيء من جهتى، فأكون كأننى قد جرحته بأظفارى، وكسرتها فى لحمه؛ وهذه كنايات بليغة مشهورة للعرب.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٢٦)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.