من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ: ]
إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ؛.
الجواب، قيل له: قد ذكر فى هذه الآية وجوه من التأويل نحن نذكرها، ونرجّح الأرجح منها:
أوّلها أن يكون معنى القول المبالغة فى وصف الإنسان بكثرة العجلة، وأنه شديد الاستعجال لما يؤثره من الأمور، لهج باستدناء ما يحلب إليه نفعا، أو يدفع عنه ضررا؛ ولهم عادة فى استعمال مثل هذه اللفظة عند المبالغة؛ كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم: ما خلقت إلّا من نوم، وما خلق فلان إلّا من شر؛ إذا أرادوا كثرة وقوع الشرّ منه؛ وربما قالوا: ما أنت إلّا أكل وشرب، وما أشبه ذلك، قالت الخنساء تصف بقرة:
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرتفإنما هى إقبال وإدبار
وإنما أرادت ما ذكرناه من كثرة وقوع الإقبال والإدبار منها.
ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى فى موضع آخر: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا،، ويطابقه أيضا قوله تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ؛ لأنه وصفهم بكثرة العجلة وأنّ من شأنهم فعلها، توبيخا لهم وتقريعا، ثم نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات من
حيث كانوا متمكّنين من مفارقة طريقتهم فى الاستعجال، وقادرين على التثبّت والتأيّد.
وثانيها ما أجاب به أبو عبيدة وقطرب بن المستنير وغيرهما من أنّ فى الكلام قلبا، والمعنى: خلق العجل من الإنسان، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ؛، أى قد بلغت الكبر، وبقوله تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ؛، والمعنى: إن العصبة تنوء بها، وتقول العرب: عرضت الناقة على الحوض، وإنما هو عرضت الحوض على الناقة، وقولهم: إذا طلعت الشّعرى استوى العود على الحرباء؛ يريدون استوى الحرباء على العود؛ وبقول الأعشى:
/ لمحقوقة أن تستجيبى لصوتهوأن تعلمى أنّ المعان موفّق
يريد أن الموفّق معان.
وبقول الآخر:
على العيارات هدّاجون قد بلغتنجران، أو بلغت سوءاتهم هجر
والمعنى: أنّ السوءات هى التى بلغت هجر.
وبقول خداش بن زهير:
ونركب خيلا لا هوادة بينهاوتشقى الرّماح بالضياطرة الحمر
يريد تشقى الضّياطرة بالرماح.
وبقول الآخر:
تمشى به عوذ النّعاج كأنّهاعذارى ملوك فى بياض ثياب
يريد فى ثياب بيض.
وبقول الآخر:
حسرت كفّى عن السّربال آخذهفردا يحزّ على أيدى المفيضينا
يريد حسرت السّربال عن كفّى.
وبقول ابن أحمر:
وجرد طار باطلها نسيلاوأحدث قمؤها شعرا قصارا
أراد طار نسيلها باطلا.
وبقول الآخر:
وقسورة أكتافهم فى قسّيهمإذا ما مشوا لا يغمزون من النّسا
أى قسيّهم فى أكتافهم.
وبقول الآخر:
وهنّ من الإخلاف والولعان
أى الإخلاف والولعان منهن.
ويبقى على صاحب هذا الجواب مع التغاضى له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن يقال له:
وما المعنى والفائدة فى قوله تعالى: «خلق العجل من الإنسان» أتريدون بذلك أنّ الله تعالى خلق فى إنسان العجلة؟ وهذا لا يجوز؛ لأن العجلة فعل من أفعال الإنسان، فكيف تكون مخلوقة فيه لغيره! ولو كان كذلك لما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال فى الآية فيقول:
سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ، لأنه لا ينهاهم عمّا خلقه فيهم.
فإن قالوا: لم يرد أنه تعالى خلقها؛ لكنه أراد كثرة فعل الإنسان لها؛ وأنه لا يزال/ يستعملها.
قيل لهم: هذا هو الجواب الّذي قدّمناه من غير حاجة إلى القلب والتقديم والتأخير؛ وإذا كان هذا المعنى يتمّ وينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا إليه.
وقد ذكر أبو القاسم البلخىّ هذا الجواب فى تفسيره، واختاره وقوّاه، وسأل نفسه عليه فقال: كيف جاز أن يقول: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ، وهو خلق العجلة فيهم! وأجاب بأنه قد أعطاهم قدرة على مغالبة طباعهم وكفّها، وقد يكون الإنسان مطبوعا عليها وهو مع ذلك مأمور بالتثبت، قادر على أن يجانب العجلة، وذلك كخلقه فى البشر شهوة النكاح، وأمره فى كثير من الأوقات بالامتناع منه.
وهذا الّذي ذكره البلخىّ تصريح بأن المراد بالعجل غيره، وهو الطبع الداعى إليه، والشهوة المتناولة له، ويجب أيضا أن يكون المراد ب «من» هاهنا «فى»؛ لأن شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الإنسان، وإنما تكون فيه. وهذا تجوّز على تجوّز، وتوسّع على توسّع، لأن القلب أوّلا مجاز، ثم هو من بعيد المجاز؛ وذكر العجل والمراد به غيره
مجاز آخر، وإقامة «من» مقام «فى» كذلك؛ على أنه تعالى إذا نهاهم عن العجلة بقوله: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ أىّ معنى لتقديم قوله: إنى خلقت شهوة العجلة فيهم، أو الطبع الداعى إليها؛ على ما عبّر به البلخىّ. وهذا إلى أن يكون عذرا لهم أقرب منه إلى أن يكون حجة عليهم؛ وأيسر
الأحوال ألّا يكون عذرا ولا احتجاجا، فلا يكون لتقديمه معنى.
وفى الجواب الأول حسن تقديم ذلك على طريق الذّم والتوبيخ والتقريع من غير إضافة له إليه ﷿؛ فالجواب الأول أوضح وأصحّ.
وثالثها جواب روى عن الحسن، قال: يعنى بقوله: مِنْ عَجَلٍ، أى من ضعف، وهى النّطفة المهينة الضّعيفة، وهذا قريب إن كان فى اللغة شاهد على أن العجل يكون عبارة عن الضّعف أو معناه.
ورابعها ما حكى أنّ أبا الحسن الأخفش أجاب به، وهو: أن يكون المراد أنّ الإنسان خلق من تعجيل من الأمر؛ لأنه تعالى قال: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ،.
فإن قيل: كيف يطابق هذا الجواب قوله من بعد: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ؟
قلنا: يمكن أن يكون وجه/ المطابقة أنهم لما استعجلوا بالآيات واستبطئوها أعلمهم تعالى أنه ممن لا يعجزه شيء إذا أراده، ولا يمتنع عليه؛ وأنّ من خلق الإنسان بلا كلفة ولا مئونة بأن قال له: كن فكان، مع ما فيه من بدائع الصنعة، وعجائب الحكمة التى يعجز عنها كلّ قادر، ويحار فيها كل ناظر، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات.
وخامسها ما أجاب به بعضهم من أن العجل الطين، فكأنه تعالى قال: خلق الإنسان من طين، كما قال تعالى فى موضع آخر: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ؛، واستشهد بقول الشاعر:
والنّبع ينبت بين الصّخر ضاحيةوالنخل ينبت بين الماء والعجل
ووجدنا قوما يطعنون فى هذا الجواب، ويقولون: ليس بمعروف أن العجل هو الطين، وقد حكى صاحب كتاب العين عن بعضهم أن العجل الحمأة، ولم يستشهد عليه، إلّا أن
البيت الّذي حكيناه يمكن أن يكون شاهدا له، وقد رواه ثعلب عن ابن الأعرابىّ، وخالف فى شيء من ألفاظه فرواه:
والنّبع فى الصّخرة الصّماء منبتهوالنّخل ينبت بين الماء والعجل
وإذا صحّ هذا الجواب فوجه المطابقة بين ذلك وبين قوله تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ على نحو ما ذكرناه، وهو أنّ من خلق الإنسان- مع الحكم الظاهرة فيه- من الطين، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات؛ أو يكون المعنى أنه لا يجب لمن خلق من الطين المهين، وكان أصله هذا الأصل الحقير الضعيف أن يهزأ برسل الله وآياته وشرائعه؛ لأنه تعالى قال قبل هذه الآية: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً، أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ؛.
وسادسها أن يكون المراد بالإنسان آدم ﵇، ومعنى مِنْ عَجَلٍ أى فى سرعة من خلقه، لأنه لم يخلقه من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة كما خلق غيره، وإنما ابتدأه الله تعالى ابتداء، وأنشأه إنشاء، فكأنّه تعالى نبّه بذلك على الآية العجيبة فى خلقه له، وأنه ﷿ يرى عباده من آياته وبيناته أوّلا أولا ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه أحوالهم.
/ وسابعها ما روى عن مجاهد وغيره أنّ الله تعالى خلق آدم بعد خلق كل شيء آخر، نهار يوم الجمعة على سرعة، معاجلا به غروب الشمس.
وروى أن آدم ﵇ لما نفخت فيه الروح وبلغت إلى أعالى جسده، ولم تبلغ أسافله قال: يا رب استعجل بخلقى قبل غروب الشمس.
وثامنها ما روى عن ابن عباس والسّدّيّ أن آدم ﵇ لما خلق وجعلت الروح فى أكثر جسده وثب عجلان مبادرا إلى أثمار الجنة- وقال قوم بل همّ بالوثوب- فهذا معنى قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ.
وهذه الأجوبة المتأخّرة مبنية على أنّ المراد بالإنسان فيها آدم ﵇ دون غيره.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع