من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
طائفة من شعر مسكين الدارمىّ وذكر بعض أخباره:
قال سيدنا أدام الله تمكينه: وإنى لأستحسن لمسكين الدارمىّ قوله:
ربّ أمور قد بريت لحاءهاوقوّمت من أصلابها ثمّ زعتها
أقيم بدار الحرب ما لم أهن بهافإن خفت من دار هوانا تركتها
وأصلح جلّ المال حتى تخالنىشحيحا وإن حقّ عرانى أهنتها
ولست بولّاج البيوت لفاقةولكن إذا استغنيت عنها ولجتها
أبيت عن الإدلاج فى الحىّ نائماوأرض بإدلاج وهمّ قطعتها
ألا أيّها الجارى سنيحا وبارحاتعرّض نفسا لو أشاء قتلتها
تعارض فخر الفاخرين بعصبةولو وضعت لى فى إناء أكلتها
وإنّ لنا ربعيّة المجد كلّهاموارث آباء كرام ورثتها
إذا قصرت أيدى الرّجال عن العلىمددت يدى باعا عليهم فنلتها
وداع دعانى للعلى فأجبتهودعوة داع فى الصّديق خذلتها
ومكرمة كانت رعاية والدىفعلّمنيها والدى ففعلتها
وعوراء من قيل امرئ ذى قرابةتصاممت عنها بعد ما قد سمعتها
/ رجاة غد أن يعطف الرّحم بينناومظلمة منه بجنبى عركتها
إذا ما أمور الناس رثّت وضيّعتوجدت أمورى كلّها قد رممتها
وإنى سألقى الله لم أرم حرّةولم تتمنّى يوم سرّ فخنتها
ولا قاذف نفسى ونفسى بريئةوكيف اعتذارى بعد ما قد قذفتها
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا أبو ذرّ القراطيسىّ قال حدثنا عبيد الله بن محمد ابن أبى الدنيا قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدىّ أنّ رجلا من الأنصار حدثه قال قال مسكين الدّارمىّ:
ولست إذا ما سرّنى الدّهر ضاحكاولا خاشعا ما عشت من حادث الدّهر
ولا جاعلا عرضى لمالى وقايةولكن أقي عرضى فيحرزه وفرى
أعفّ لدى عسرى وأبدى تجمّلاولا خير فيمن لا يعفّ لدى العسر
وإنى لأستحيى إذا كنت معسراصديقى وإخوانى بأن يعلموا فقرى
وأقطع إخوانى وما حال عهدهمحياء وإعراضا، وما بي من كبر
فإن يك عارا ما أتيت فربماأتى المرء يوم السّوء من حيث لا يدرى
ومن يفتقر يعلم مكان صديقهومن يحيى لا يعدم بلاء من الدّهر
ومن مستحسن قوله:
إن أدع مسكينا فما قصرتقدرى بيوت الحىّ والجدر
وقيل: إن مسكينا ليس باسمه، وإنما اسمه ربيعة، وإنما سمّى بذلك لقوله:
وسمّيت مسكينا وكانت لجاجةوإنى لمسكين إلى الله راغب
- ومعنى: قصرت قدرى، أى: سترت، يريد أنها بارزة لا تحجبها السواتر والحيطان-
ما مسّ رحلى العنكبوت ولاجدياته من وضعه غبر
وهذه كناية مليحة عن مواصلة السير وهجر الوطن، لأن العنكبوت إنما تنسج على ما لا تناله/ الأيدى ولا يكثر استعماله، والجديات: جمع جدية، وهى باطن دفّة الرحل.
لا آخذ الصّبيان ألثمهموالأمر قد يغرى به الأمر
- يقول: لا أقبّل الصبىّ؛ وأنا أريد التعريض بأمه.
ومثله لغيره:
ولا ألقى لذى الودعات سوطىألاعبه وريبته أريد
وأنشد ابن الأعرابى مثله:
إذا رأيت صبىّ القوم يلثمهضخم المناكب لا عمّ ولا خال
فاحفظ صبيّك منه أن يدنّسهولا يغرّنك يوما قلّة المال
- رجع إلى تمام القصيدة-
ولربّ يوم قد تركت ومابينى وبين لقائه ستر
ومخاصم قاومت فى كبدمثل الدّهان فكان لى العذر
- ويروى: «القمر»، والكبد: المنزلة التى لا تثبت فيها الأرجل، والدهان:
الأديم الأحمر-
ما علّتى! قومى بنو عدسوهم الملوك وخالى البشر
عمّى زرارة غير منتحلوأبى الّذي حدّثته عمرو
فى المجد غرّتنا مبيّنةللنّاظرين كأنّها البدر
لا يرهب الجيران غدرتناحتّى يوارى ذكرنا القبر
لسنا كأقوام إذا كلحتإحدى السّنين فجارهم تمر
- أى يستحلى الغدر به كما يستحلى التمر-
مولاهم لحم على وضمتنتابه العقبان والنّسر
نارى ونار الجار واحدةوإليه قبلى تنزل القدر
يقال: إنه كان له امرأة تماظّه، فلما قال ذلك قالت له: أجل؛ إنما ناره ونارك واحدة، لأنه/ أوقد ولم توقد، والقدر تنزل إليه قبلك؛ لأنه طبخ ولم تطبخ، وأنت تستطعمه.
ما ضرّ جارى إذ أجاورهأن لا يكون لبيته ستر
- قال: ويقال إنها قالت له فى هذا البيت أيضا: أجل إن كان له ستر هتكته-
أعمى إذا ما جارتى خرجتحتّى يوارى جارتى الخدر
ويصمّ عمّا كان بينهماسمعى وما بى غيره وقر
وأنشد عمر بن شبّة لمسكين أيضا:
لا تجعلني كأقوام علمتهملم يظلموا لبّة يوما ولا ودجا
إنى لأغلاهم باللّحم قد علموانيئا، وأرخصهم باللّحم إذ نضجا
أنا ابن قاتل جوع القوم قد علمواإذا السّماء كست آفاقها رهجا
يا ربّ أمرين قد فرّجت بينهماإذا هما نشبا فى الصّدر واعتلجا
أديم خلقى لمن دامت خليقتهوأمزج الحلو أحيانا لمن مزجا
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهيةإذا الكواكب كانت فى الدّجى سرجا
ما أنزل الله من أمر فأكرههإلّا سيجعل لى من بعده فرجا
ما مدّ قوم بأيديهم إلى شرفإلّا رأونا قياما فوقهم درجا
وأنشد أبو العباس ثعلب له:
أضاحك ضيفى قبل إنزال رحلهولم يلهنى عنه غزال مقنّع
أحدّثه إن الحديث من القرىوتعلم نفسى أنه سوف يهجع
ومثله لغيره:
أضاحك ضيفى قبل إنزال رحلهويخصب عندى والمكان جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرىولكنّما وجه الكريم خصيب
ومعنى:
أحدّثه إنّ الحديث من القرى
أى أصبر على حديثه، وأعلم أنه سوف ينام، ولا أعرّض بمحادثته/ فأكون قد محقت قراى؛ والحديث الحسن من تمام القرى.
وقال الأصمعىّ: أحسن ما قيل فى الغيرة قول مسكين الدارمىّ:
ألا أيّها الغائر المستشيطعلام تغار إذا لم تغر
فما خير عرس إذا خفتهاوما خير بيت إذا لم يزر
تغار على النّاس أن ينظرواوهل يفتن الصّالحات النّظر
فإنى سأخلى لها بيتهافتحفظ لى نفسها أو تذر
إذا الله لم يعطه ودّهافلن يعطى الودّ سوط ممرّ
ومن ذا يراعى له عرسهإذا ضمّه والمطىّ السّفر!
قال المرتضى رضى الله عنه: وكان مسكين كثير اللهج بالقول فى هذا المعنى، فمن ذلك قوله:
وإنى امرؤ لا آلف البيت قاعداإلى جنب عرسى لا أفرّطها شبرا
ولا مقسم لا أبرح الدّهر بيتهالأجعله قبل الممات لها قبرا
إذا هى لم تحصن أمام فنائهافليس بمنجيها بنائى لها قصرا
ولا حاملى ظنّى ولا قيل قائلعلى غيرة حتّى أحيط بها خبرا
فهبنى امرأ راعيت ما دمت شاهدافكيف إذا ما سرت من بيتها شهرا
وأنشد أبو العبّاس عن أبى العالية لمسكين:
ما أحسن الغيرة فى حينهاوأقبح الغيرة فى كلّ حين
من لم يزل متّهما عرسهمناصبا فيها لوهم الظّنون
يوشك أن يغريها بالذىيخاف، أو ينصبها للعيون
حسبك من تحصينها ضمّهامنك إلى خلق كريم ودين
لا تظهرن منك على عورةفيتبع المقرون حبل القرين
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع