تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ؛

فقال: كيف ضمن الإجابة وتكفّل بها، وقد نرى من يدعو فلا يجاب؟.

الجواب، قلنا فى ذلك وجوه.

أوّلها أن يكون المراد بقوله تعالى: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ أى أسمع دعوته؛ ولهذا يقال للرجل: دعوت من لا يجيب أى دعوت من لا يسمع. وقد يكون أيضا يسمع بمعنى يجيب؛ كما كان يجيب بمعنى يسمع؛ يقال: سمع الله لمن حمده؛ يراد به: أجاب الله من حمده وأنشد ابن الأعرابىّ:

دعوت الله حتى خفت ألّايكون الله يسمع ما أقول

أراد يجيب ما أقول.

وثانيها أنّه تعالى لم يرد بقوله: قَرِيبٌ من قرب المسافة؛ بل أراد أننى قريب بإجابتى ومعونتى ونعمتى، أو بعلمى بما يأتى العبد ويذر، وما يسرّ ويجهر، تشبيها بقرب المسافة؛ لأن من قرب من غيره عرف أحواله ولم تخف عليه؛ ويكون قوله: أُجِيبُ على هذا تأكيدا للقرب؛ فكأنه أراد: إننى قريب قربا شديدا، وإننى بحيث لا يخفى عليّ أحوال العباد؛ كما يقول القائل إذا وصف نفسه بالقرب من صاحبه والعلم بحاله: أنا بحيث أسمع كلامك، وأجيب نداءك، وما جرى هذا المجرى. وقد روى أن قوما سألوا الرسول صلى الله عليه وآله فقالوا/ له: أربّنا قريب فنناجيه، أم

بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وثالثها أن يكون معنى هذه الآية أننى أجيب دعوة الداعى إذا دعانى على الوجه الصحيح، وبالشرط الّذي يجب أن يقارن الدعاء؛ وهو أن يدعو باشتراط المصلحة؛ ولا يطلب وقوع ما يدعو به على كل حال؛ ومن دعا بهذا الشرط فهو مجاب على كل حال؛ لأنه إن كان صلاحا فعل ما دعا به؛ وإن لم يكن صلاحا لم يفعل لفقد شرط دعائه، فهو أيضا مجاب إلى دعائه.

ورابعها أن يكون معنى دَعانِ أى عبدنى، وتكون الإجابة هى الثواب والجزاء على ذلك؛ فكأنه قال: إننى أثيب العباد على دعائهم لى؛ وهذا مما لا اختصاص فيه.

وخامسها ما قاله قوم من أنّ معنى الآية أنّ العبد إذا سأل الله تعالى شيئا فى إعطائه صلاح فعله به وأجابه إليه، وإن لم يكن فى إعطائه إياه فى الدنيا صلاح وخيرة لم يعطه ذلك فى الدنيا، وأعطاه إياه فى الآخرة، فهو مجيب لدعائه على كل حال.

وسادسها أنّه إذا دعاه العبد لم يخل من أحد أمرين: إمّا أن يجاب دعاؤه، وإمّا أن يخار له بصرفه عما سأل ودعا، فحسن اختيار الله له يقوم مقام الإجابة، فكأنه يجاب على كل حال.

وهذا الجواب يضعّف لأنّ العبد ربما سأل ما فيه صلاح ومنفعة له فى الدنيا، وإن كان فيه فساد فى الدين لغيره فلا يعطى ذلك، لأمر يرجع إليه، لكن لما فيه [من فساد غيره، فكيف يكون مجابا مع المنع الّذي] لا يرجع إليه منه شيء من الصلاح! اللهم إلّا أن يقال: إنه دعا؛ مشروط بأن يكون صلاحا، ولا يكون فسادا، وهذا مما تقدم.

ومعنى قوله تعالى فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، أى فليجيبونى وليصدّقوا رسلى، قال الشاعر:

وداع دعا يا من يجيب إلى النّدىفلم يستجبه عند ذاك مجيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، من قصيدة «تقول سُلَيْمى ما لِجِسْمك شاحباً»

أى لم يجبه.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٤٤)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.