تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل خبر [«لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسه النار إلا تحلّة القسم

.]

إن سأل سائل عن معنى الخبر الّذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسه النار إلا تحلّة القسم.

الجواب، قيل له: أما أبو عبيد القاسم بن سلّام فإنه قال: يعنى بتحلّة القسم قوله تعالى:

وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا؛، فكأنه قال ﵇: لا يرد النار إلا بقدر ما يبرّر الله قسمه.

وأما ابن قتيبة فإنه قال فى تأويل أبى عبيد: هذا مذهب حسن من الاستخراج؛ إن كان هذا قسما.

قال: وفيه مذهب آخر أشبه بكلام العرب ومعانيهم؛ وهو أن العرب إذا أرادوا تقليل مكث الشيء وتقصير مدّته شبهوه بتحلّة القسم؛ وذلك أن يقول الرجل بعد حلفه: إن شاء الله، فيقولون: ما يقيم فلان عندنا إلا تحلّة القسم، وما ينام العليل إلا كتحليل الأليّة، وهو كثير مشهور.

قال ابن أحمر وذكر الريح:

إذا عصبت رسما فليس بدائمبه وتد إلا تحلّة مقسم

يقول: لا يثبت الوتد إلّا قليلا كتحلّة القسم، لأن هبوب الريح يقلعه.

وقال آخر يذكر ثورا:

يخفى التّراب بأظلاف ثمانيةفى أربع، مسّهنّ الأرض تحليل
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

يقول: هو سريع خفيف؛ فقوائمه لا تثبت فى الأرض إلا كتحليل اليمين.

وقال ذو الرّمة:

طوى طيّه فوق الكرى جفن عينهعلى رهبات من جنان المحاذر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أشاقتك أخلاق الرسوم الدواثر»
قليلا كتحليل الألى ثمّ قلّصتبه شيمة روعاء تقليص طائر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أشاقتك أخلاق الرسوم الدواثر»

والألى: جمع ألوة، وهى اليمين.

قال: ومعنى الخبر على هذا التأويل أن النار لا تسمه إلا قليلا كتحليل اليمين ثم ينجّيه الله منها.

وقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ: الصواب قول أبى عبيد، لحجج ثلاث:

منها أن جماعة من كبار أهل العلم فسّروه على تفسير أبى عبيد.

ومنها أنه ادّعى أن النار تمسّ الّذي وقعت منزلته عند الله جليلة، لكن مسّا قليلا، والقليل لا يقع به الألم العظيم؛ وليس صفة الأبرار فى الآخرة صفة من تمسّه النار لا قليلا ولا كثيرا.

ومنها أنّ أبا عبيد لم يحكم على هذا المصاب بولده بمسّ النار، وإنما حكم عليه بالورود، والورود لا يوجب ألّا يكون من الأبرار؛ لأن «إلّا» معناه الاستثناء المنقطع، فكأنه قال: فتمسّه النار لكن تحلّة اليمين، أى لكن ورود النار لا بدّ منه، فجرى مجرى قول العرب: سار الناس إلا الأثقال، وارتحل العسكر إلّا أهل الخيام، وأنشد الفرّاء:

وسمحة المشى شملال قطعت بهاأرضا يحار بها الهادون ديموما
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «قد أصبح الحبل من أسماء مصروما»
مهامها وحزونا لا أنيس بهاإلّا الصّوائح والأصداء والبوما

وأنشد الفراء أيضا:

ليس عليك عطش ولا جوعإلّا الرقاد، والرّقاد ممنوع

فمعنى الحديث: لا يموت للمسلم ثلاثة من الولد فتمسه النار البتة، لكن تحلّة اليمين لا بدّ منها، وتحلّة اليمين الورود، والورود لا يقع فيه مسّ.

وقال أبو بكر: وقد سنح لى فيه قول آخر: وهو أن تكون «إلا» زائدة دخلت للتوكيد، و «تحلّة» اليمين منصوب على الوقت والزمان، ومعنى الخبر: فتمسه النار، وقت تحلّة القسم، و «إلا» زائدة.

قال الفرزدق شاهدا لهذا:

هم القوم إلّا حيث سلّوا سيوفهموضحّوا بلحم من محلّ ومحرم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لا يبعد الله اليمين التي سقت»

معناه: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم، و «إلا» مؤكدة.

وقال الأخطل:

يقطّعن إلّا من فروع يردنهابمدحة محمود نثاه ونائله

معناه يقطعون من فروع يردنها، والفروع: الواسعة من الأرض.

قال سيدنا أدام الله تمكينه: والوجوه المذكورة فى تأويل الخبر كالمتقاربة، إلا أن الوجه الّذي اختص به ابن الأنبارىّ فيه أدنى تعسّف وبعد؛ من حيث جعل «إلّا» زائدة، وذلك كالمستضعف عند جماعة من أهل العربيّة.

وقد تبقّى فى الخبر مسألة، التشاغل بالجواب عنها أولى مما تكلّفه القوم، وهى متوجّهة على كل الوجوه التى ذكروها فى تأويله.

وهو أن يقال: كيف يجوز أن يخبر ﵇ بأنّ من مات له ثلاثة من الولد لا تمسّه النار إما جملة، أو مقدار تحلة القسم؛ وهو النهاية فى القلة! أوليس ذلك يوجب أن يكون إغراء بالذنوب لمن هذه حاله! وإذا كان من يموت وله هذا العدد من الأولاد غير خارج عن التكليف، فكيف يصحّ أن يؤمّن من العقاب!

والجواب عن ذلك، أنّا قد علمنا أو لا خروج هذا الخبر مخرج المدحة لمن هذه صفته والتخصيص له والتمييز، ولا مدحة فى مجرد موت الأولاد؛ لأن ذلك لا يرجع إلى فعله، فلا بدّ من أن يكون تقدير الكلام: إنّ النار لا تمسّ المسلم الّذي يموت له ثلاثة أولاد؛ إذا حسن صبره واحتسابه وعزاؤه، ورضاه بما جرى به القضاء عليه؛ لأنه بذلك يستحقّ الثواب والمدح؛ وإذا كان إضمار الصبر والاحتساب لا بدّ منه لم يكن فى القول إغراء؛ لأن كيفية وقوع الصبر والوجه الّذي إذا وقع عليه تفضّل الله سبحانه بغفران ما لعلّه أن يستحقّه من العقاب فى المستقبل وإذا لم يكن معلوما، فلا وجه للاغراء.

وأكثر ما فى هذا الكلام أن يكون القول مرغّبا فى حسن الصبر، وحاثّا عليه رغبة فى الثواب، ورجاء لغفران ما لعلّه أن يستحق فى المستقبل من العقاب؛ وهذا واضح لمن تأمله.

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ٥٣

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.