من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ؛.
فقال: ما أنكرتم أن تكون هذه الآية دالة على أنه تعالى جعل الكافر كافرا؛ لأنه أخبر بأنه جعل منهم من عبد الطاغوت؛ كما جعل القردة والخنازير؟ وليس يجعله كافرا إلا بأن خلق كفره!.
الجواب، يقال له: قبل أن نتكلّم فى تأويل الآية بما تحتمله من المعانى: [كيف يجوز أن يخبرنا بأنه] جعلهم؛ كفارا وخلق كفرهم! والكلام خرج مخرج الذّم لهم؛ والتوبيخ على كفرهم، والمبالغة فى الإزراء عليهم! وأىّ مدخل لكونه خالقا لكفرهم فى باب ذمّهم! وأىّ نسبة بينه وبين ذلك! بل لا شيء أبلغ فى عذرهم وبراءتهم من أن يكون/ خالقا لما ذمّهم من أجله. وهذا يقتضي أن يكون الكلام متناقضا مستحيل المعنى؛ ونحن نعلم أن أحدا إذا أراد ذمّ غيره، وتوبيخه وتهجينه بمثل هذا الضرب من الكلام إنما يقول:
ألا أخبركم بشرّ الناس وأحقّهم بالذم واللوم! من فعل كذا، وصنع كذا؛ وكان على كذا وكذا؛ فيعدّد من الأحوال والأفعال قبائحها، ولا يجوز أن يدخل فى جملتها ما ليس بقبيح؛ ولا ما هو من فعل الذم ومن جهته؛ حتى يقول فى جملة ذلك: ومن تشاغل بالصّنعة الفلانية التى أسلمها إليه وحمله عليها؛ وإن عقلا يقبل هذه الشبهة لعقل ضعيف سخيف.
فإن قيل: أليس قد ذمّهم فى الكلام بأن جعل منهم القردة والخنازير؛ ولا صنع لهم فى ذلك! وكذلك يجوز أن يذمّهم ويجعلهم عابدين للطاغوت؛ وإن كان من فعله!
قيل: إنما جعلهم قردة وخنازير عقوبة لهم على أفعالهم وباستحقاقهم، فجرى ذلك مجرى أفعالهم، كما ذمّهم بأن لعنهم وغضب عليهم؛ من حيث استحقّوا ذلك منه بأفعالهم وعبادتهم للطاغوت؛ فإن كان هو خلقها فلا وجه لذمهم بها؛ لأن ذلك مما لا يستحقونه بفعل متقدّم كاللّعن والمسخ.
ثم نعود إلى تأويل الآية فنقول: لا ظاهر للآية يقتضي ما ظنّوه، وأكثر ما تضمنته الإخبار بأنه خلق وجعل من يعبد
الطاغوت كما جعل منهم القردة والخنازير؛ ولا شبهة فى أنه تعالى هو خلق الكافر، وأنه لا خالق له سواه؛ غير أن ذلك لا يوجب أنه خلق كفره وجعله كافرا.
وليس لهم أن يقولوا: كما نستفيد من قوله: جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ أنه جعل ما به كانوا كذلك؛ هكذا نستفيد من قوله: جعل منهم من عبد الطاغوت أنه خلق ما به كان عابدا للطاغوت؛ وذلك إنما استفدنا ما ذكروه من الأول؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أنّ ما به يكون القرد قردا والخنزير خنزيرا؛ لا يكون إلّا من فعله.
وليس ما به يكون الكافر كافرا مقصورا على فعله تعالى؛ بل قد دلّ/ الدليل على أنه يتعالى عن فعل ذلك وخلقه، فافترق الأمران.
وفى الآية وجه آخر؛ وهو ألّا يكون قوله تعالى: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ معطوفا على القردة والخنازير؛ بل معطوفا على مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ؛ وتقدير الكلام: من لعنه الله، ومن غضب عليه، ومن عبد الطاغوت، ومن جعل الله منهم القردة والخنازير؛ وهذا هو الواجب؛ لأن عَبَدَ فعل، والفعل لا يعطف على الاسم، فلو عطفناه على القردة والخنازير لكنا قد عطفنا فعلا على اسم، فالأولى عطفه على ما تقدم من الأفعال.
وقال قوم: يجوز أن يعطف عَبَدَ الطَّاغُوتَ على الهاء والميم فى مِنْهُمْ؛ فكأنه جعل منهم، وممّن عبد الطاغوت القردة والخنازير؛ وقد يحذف «من» فى الكلام؛ قال الشاعر:
أمن يهجو رسول الله منكمويمدحه وينصره سواء
أراد: ومن يمدحه وينصره.
فإن قيل: فهبوا هذا التأويل ساغ فى قراءة من قرأ بالفتح، أين أنتم عن قراءة من قرأ وَعَبَدَ بفتح العين وضمّ الباء، وكسر التاء من الطَّاغُوتَ، ومن قرأ عَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين والباء، ومن قرأ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين والتشديد، ومن قرأ وعبّاد الطّاغوت!
قلنا: المختار من هذه القراءة عند أهل العربية كلّهم القراءة بالفتح، وعليها جميع القراء السبعة؛ إلا حمزة فإنه قرأ؛ عَبَدَ بفتح العين وضم الباء، وباقى القراءات شاذة غير مأخوذ بها.
قال أبو إسحاق الزجاج فى كتابه فى معانى القرآن: " عَبَدَ الطَّاغُوتَ نسق على مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ" قال: " وقد قرئت عَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ وعَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ والّذي أختاره وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ".
" وروى عن ابن مسعود ﵀: وعبدوا الطّاغوت فهذا يقوّى: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ" قال: " ومن قرأ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم الباء وخفض الطاغوت فإنه عند بعض أهل العربية ليس بالوجه من جهتين: إحداهما أن «عبد» على وزن «فعل»، وليس هذا من أمثلة الجمع؛ لأنهم فسّروه خدم الطاغوت. والثانى أن يكون محمولا على «وجعل منهم عبدا للطّاغوت». ثم خرّج لمن قرأ عَبَدَ وجها فقال: إن الاسم بنى على «فعل»؛ كما يقال: رجل حذر أى مبالغ فى الحذر؛ فتأويل عَبَدَ أنّه بلغ الغاية فى طاعة الشيطان". وهذا كلام الزجاج.
وقال أبو على الحسن بن عبد الغفار الفارسىّ محتجا لقراءة حمزة: " ليس عَبَدَ لفظ
جمع؛ ألا ترى أنه ليس فى أبنية الجموع شيء على هذا البناء! ولكنه واحد يراد به الكثرة؛ ألا ترى أن فى الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد ومعناه الجمع، كقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها؛ وكذلك قوله: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ جاء على «فعل» لأنّ هذا البناء يراد به الكثرة والمبالغة؛ وذلك نحو «يقظ وندس»؛ فهذا كأنّ تقديره أنّه قد ذهب فى عبادة الشيطان والتذلّل له كلّ مذهب".
قال: " وجاء على هذا لأن «عبد» فى الأصل صفة، وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء، واستعمالهم إياه استعمالها لا يزيل عنه كونه صفة؛ ألا ترى أنّ «الأبرق والأبطح» وإن كانا قد استعملا استعمال الأسماء حتى كسّرا هذا النحو عندهم من التكسير فى قولهم: «أبارق وأباطح»؛ فلم يزل عنه حكم الصفة، يدلّك على ذلك تركهم صرفه، كتركهم صرف «أحمر»، ولم يجعلوا ذلك كأفكل وأ يدع؛ وكذلك عَبَدَ وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء لم يخرجه ذلك عن أن يكون صفة، وإذا لم يخرج عن أن يكون صفة لم يمتنع أن يبنى بناء الصفات على «فعل» "
وهذا كلام مفيد فى الاحتجاج لحمزة؛ فإذا صحت قراءة حمزة وعادلت قراءة الباقين المختارة، وصح أيضا سائر ما روى من القراءات التى حكاها السائل كان الوجه الأول الّذي ذكرناه فى الآية يزيل الشبهة فيها.
ويمكن فى الآية وجه آخر على جميع القراءات المختلفة فى عَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ وهو أن يكون المراد بجعل منهم عبد الطاغوت؛ أى نسبه إليهم، وشهد عليه بكونه من جملتهم.
ول «جعل» مواضع قد تكون بمعنى الخلق والفعل؛ كقوله: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ،؛ وكقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً؛؛ وهى هاهنا تتعدى إلى مفعول واحد؛ وقد تكون أيضا بمعنى التسمية والشهادة؛ كقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً؛؛ وكقول القائل: جعلت البصرة
بغداد، وجعلتنى كافرا، وجعلت حسنى قبيحا؛ وما أشبه ذلك؛ فهى هاهنا تتعدى إلى مفعولين.
ول «جعل» مواضع أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها؛ فكأنه تعالى قال: ونسب عبد الطاغوت إليهم، وشهد أنهم من جملتهم.
فإن قيل: لو كانت جَعَلَ هاهنا على ما ذكرتم لوجب أن تكون متعدية إلى مفعولين؛ لأنها إذا لم تتعد إلّا إلى مفعول واحد فلا معنى لها إلا الخلق.
قلنا: هذا غلط من متوهّمه؛ لأن جَعَلَ هاهنا متعدية إلى مفعولين، وقوله تعالى:
مِنْهُمْ يقوم مقام المفعول الثانى عند جميع أهل العربية، لأن كلّ جملة تقع فى موضع خبر المبتدأ فهى تحسن أن تقع فى موضع المفعول الثانى؛ كجعلت وظننت وما أشبههما.
وقال الشاعر:
أبا لأراجيز يا ابن اللّؤم توعدنىوفى الأراجيز خلت اللؤم والخور
وقد فسر هذا على وجهين: أحدهما على الغاء «خلت» من حيث توسطت الكلام؛ فيكون «فى الأراجيز» على هذا فى موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، والوجه الثانى على إعمال «خلت» فيكون «فى الأراجيز» فى موضع نصب من حيث وقع موقع المفعول الثانى. وهذا بيّن لمن تدبره.
قال سيدنا أدام الله علوّه: أنشد ثعلب عن ابن الأعرابىّ:
أما وأبى للصّبر فى كلّ خلّةأقرّ لعينى من غنى رهن ذلّة
وإنى لأختار الظّما فى مواطنعلى بارد عذب وأغنى بغلّة
وأستر ذنب الدّهر حتى كأنّهصديق، ولا اغتابه عند زلّة
ولست كمن كان ابن أمّى مقترافلمّا أفاد المال عاد ابن علّة
فدابرته حتى انقضى الودّ بينناولم أتمطّق من نداه ببلّة
/ وكنت له عند الملمّات عدّةأسدّ بمالى دونه كلّ خلّة
قال الشريف المرتضى رضى الله عنه: الأولى فى هذه القطعة إطلاقها. الخلّة: الحاجة، والخلّة أيضا: الخصلة. والخلّة، بالضم: المودّة، والخلّة أيضا، بالضم: ما كان خلوا من المرعى.
والخلّة، بالكسر: ما يخرج من الأسنان بالخلال.
والخليل: الحبيب؛ من المودة والمحبة، والخليل أيضا: الفقير؛ وكلا الوجهين قد ذكر فى قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا؛، ومنه حديث ابن مسعود:
«تعلموا القرآن فإنه لا يدرى أحدكم متى يختلّ إليه».
قال أبو العباس ثعلب يكون من شيئين: أحدهما من الخلّة التى هى الحاجة؛ أى متى يحتاج إليه، ويكون من الخلة وهى النبات الحلو؛ ويكون معناه: متى يشتهى ما عنده، مشبّه بالإبل؛ لأنها ترعى الخلّة فإذا ملّتها عدلوا بها إلى الحمض؛ فإذا ملّت الحمض اشتهت الخلّة؛ ومن أمثالهم: «جاءوا مخلّين فلاقوا حمضا»؛ أى جاءوا مشتهين لقتالنا فلاقوا ما كرهوا.
والخلّة أيضا: بنت المخاض والذكر الخلّ؛ ويقال: جسم خلّ إذا كان مهزولا؛ قال الشاعر:
فاسقنيها يا سواد بن عمروإنّ جسمى بعد خالى لخلّ
ويقال أيضا: فصيل مخلول إذا شدّ لسانه حتى لا يرضع؛ ويقال: خللته فهو خليل ومخلول؛ ومثله أجررته؛ قال الشاعر:
فلو أنّ قومى أنطقتنى رماحهمنطقت؛ ولكنّ الرّماح أجرّت
أى لم يعملوا فى الحرب شيئا فكنت أفتخر بهم.
وقوله:
أقرّ لعينى من غنى رهن ذلّة
يقول: أختار الصيانة مع الفقر أحبّ إلى من الغنى مع الذلّ؛ ومثله:
إذا كان باب الذّلّ من جانب الغنىسموت إلى العلياء من جانب الفقر
صبرت وكان الصّبر منّى سجيّةوحسبك أنّ الله أثنى على الصّبر
وقوله:
وأستر ذنب الدهر حتى كأنهصديق
أراد: أنى لا أشكو ما يمسّنى به الدهر من خصاصة؛ بل أستر ذلك وأظهر التجمّل حتى لا أسوأ الصديق وأسر العدوّ. وهذا المعنى/ أراد بقوله: «ولا اغتابه عند زلّتى».
وقوله:
فلما أفاد المال عاد ابن علّة
فالعرب تقول: هم بنو أعيان؛ إذا كان أبوهم واحدا وأمهم واحدة؛ فإذا كان أبوهم واحدا وأمهاتهم شتى قيل أولاد علّات؛ ومنه الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:
«النبيون أولاد علّات»؛ أى أمهاتهم شتّى وأبوهم واحد؛ وكنى الشاعر بذلك عن التباعد والتقاطع والتقالى؛ لأن الأكثر فى بنى العلّات ما ذكرناه.
وقوله: «ودابرته» أى قاطعته.
وقوله:
ولم أتمطّق من نداه ببلّة
فالتمطّق يكون بالشفتين، والتلمّظ يكون باللسان، وكنى بذلك عن أنه لم يصب من خيره شيئا؛ وصان نفسه عنه.
مجلس آخر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع