من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ/ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ/ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ؛.
فقال: كيف يخبر عنهم بأنهم لا يكذّبون نبيّه ﵇، ومعلوم منهم إظهار التكذيب، والعدول عن الاستجابة والتصديق، وكيف ينفى عنهم التكذيب ثم يقول:
إنهم بآيات الله يجحدون؟ وهل الجحد بآيات الله إلا تكذيب نبيه ﵇!
الجواب، قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجوه:
أولها أن يكون إنما نفى تكذيبهم بقلوبهم تدينا واعتقادا، وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب؛ لأنّا نعلم أنه قد كان فى المخالفين له ﵇ من يعلم صدقه، ولا ينكر بقلبه حقّه؛ وهو مع ذلك معاند؛ فيظهر خلاف ما يبطن، وقد قال تعالى: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؛.
ومما يشهد لهذه الوجه من طريق الرواية ما رواه سلّام بن مسكين عن أبى يزيد المدنىّ أن رسول الله صلى الله عليه وآله لقى أبا جهل فصافحه أبو جهل، فقيل له: يا أبا الحكم، أتصافح هذا الصّبيّ؟ فقال: والله إنى لأعلم أنه نبىّ؛ ولكن متى كنا تبعا لبنى عبد مناف! فأنزل الله تعالى الآية.
وفى خبر آخر أن الأخنس بن شريق خلا بأبي جهل، فقال له: يا أبا الحكم، أخبرنى عن محمد صلى الله عليه وآله، أصادق هو أم كاذب! فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيرى وغيرك يسمع كلامنا، فقال له أبو جهل: ويحك! والله إنّ محمدا لصادق، وما كذب
محمد قط؛ ولكن إذا ذهب بنو قصىّ باللواء والحجابة والسّقاية والنّدوة والنبوّة، ماذا يكون لسائر قريش!
والوجه الثانى أن يكون معنى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أى لا يفعلون ذلك بحجة، ولا يتمكون من إبطال ما جئت به ببرهان؛ وإنما يقتصرون على الدعوى الباطلة؛ وهذا فى الاستعمال معروف؛ لأنّ القائل يقول: فلان لا يستطيع أن يكذّبنى ولا يدفع قولى؛ وإنما يريد أنه لا يتمكّن من إقامة دليل على كذبه، وحجة فى دفع قوله؛ وإن كان يتمكن من التكذيب بلسانه وقلبه، فيصير ما يقع من التكذيب من غير حجّة ولا برهان غير معتد به.
وروى عن أمير المؤمنين عليّ ﵇ أنه قرأ هذه الآية بالتخفيف: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، ويقول: أنّ المراد بها أنهم/ لا يأتون بحق هو أحقّ من حقك.
وقال محمد بن كعب القرظىّ: معناها لا يبطلون ما فى يديك؛ وكل ذلك يقوّى هذا الوجه؛ وسنبيّن أنّ معنى هذه اللفظة مشدّدة يرجع إلى معناها مخففة.
والوجه الثالث أن يكون معنى الآية أنهم لا يصادفونك ولا يلفونك متقوّلا؛ كما يقولون:
قاتلته فما أجبنته، أى ما وجدته جبانا، وحادثته فما أكذبته؛ أى لم ألفه كاذبا؛ وقال الأعشى:
أثوى وقصّر ليلة ليزوّدافمضى وأخلف من قتيلة موعدا
أراد أنه صادف منها خلفا المواعيد، ومثله قولهم: أصممت القوم؛ إذا صادفتهم صما، وأخليت الموضع، إذا صادفته خاليا؛ قال الشاعر:
أبيت مع الحدّاث ليلى فلم أبنفأخليت فاستجمعت عند خلائيا
أى أصبت مكانا خاليا.
ومثله لهيمان بن أبى قحافة:
يسنّ أنيابا له لوامجاأوسعن من أشداقه المضارجا
يعنى ب «أوسعن» أصبن منابت واسعة فنبتن فيها.
وقال عمرو بن براق:
تحالف أقوام عليّ ليسمنواوجرّوا عليّ الحرب إذ أنا سائم
يقال: أسمن بنو فلان، إذا رعت إبلهم فصادفوا فيها سمنا.
وقال أبو النجم:
مستأسدا ذبابه فى غيطليقلن للرائد أعشبت انزل
أى أصبت مكانا معشبا.
وقال ذو الرّمة:
تريك بياض لبّتها ووجهاكقرن الشّمس أفتق ثمّ زالا
أى وجد فتقا من السحاب.
وليس لأحد أن يجعل هذا الوجه مختصا بالقراءة بالتخفيف دون التشديد؛ لأن فى الوجهين معا يمكن هذا الجواب، لأن «أفعلت» و «فعلت» يجوزان فى هذا الموضع، و «أفعلت» بالتخفيف هو الأصل ثم شدد تأكيدا وإفادة لمعنى التكرار؛ وهذا مثل أكرمت وكرّمت، وأعظمت وعظّمت، وأوصيت ووصّيت، وأبلغت وبلّغت؛ وهو كثير/؛ قال الله تعالى:
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً؛ إلا أن التخفيف أشبه بهذا الوجه؛ لأن استعمال هذه اللفظة مخففة فى هذا المعنى أكثر.
والوجه الرابع ما حكى الكسائىّ من قوله: إن المراد أنهم لا ينسبونك إلى الكذب فيما أثبت به؛ لأنه كان أمينا صادقا لم يجرّبوا عليه كذبا؛ وإنما كانوا يدفعون ما أتى به، ويدّعون أنه فى نفسه كذب؛ وفى الناس من يقوّى هذا الوجه، وأن القوم كانوا يكذّبون ما أتى به، وإن
كانوا يصدقونه فى نفسه بقوله تعالى: وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ؛ وبقوله تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ؛؛ ولم يقل: وكذّبك قومك. وكان الكسائىّ يقرأ: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف ونافع من بين
سائر السبعة، والباقون على التشديد؛ ويزعم أنّ بين أكذبه وكذّبه فرقا، وأن معنى أكذب الرجل، أنه جاء بكذب، ومعنى كذّبته أنه كذاب فى كل حديثه. وهذا غلط وليس بين «فعّلت» و «أفعلت» فى هذه الكلمة فرق من طريق المعنى أكثر مما ذكرناه من أنّ التشديد يقتضي التكرار والتأكيد، ومع هذا لا يجوز أن يصدّقوه فى نفسه، ويكذّبوا بما أتى به؛ لأن من المعلوم أنه ﵇ كان يشهد بصحة ما أتى به وصدقه، وأنه الدين القيم، والحق الّذي لا يجوز العدول عنه؛ فكيف يجوز أن يكون صادقا فى خبره وكان الّذي أتى به فاسدا! بل إن كان صادقا فالذى أتى به حقّ صحيح، وإن كان الّذي أتى به فاسدا؛ فلا بد من أن يكون فى شيء من ذلك كاذبا؛ وهو تأويل من لا يتحقق المعانى.
والوجه الخامس أن يكون المعنى فى قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أن تكذيبك راجع إلى، وعائد عليّ؛ ولست المختص به؛ لأنه رسول فمن كذبه فهو فى الحقيقة مكذّب لله تعالى ورادّ عليه. وهذا كما يقول أحدنا لرسوله: امض فى كذا فمن كذّبك فقد كذبنى، ومن دفعك فقد دفعنى؛ وذلك من الله على سبيل التسلية لنبيه ﵇؛ والتعظيم والتغليظ لتكذيبه.
والوجه السادس أن يريد: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ فى الأمر الّذي يوافق فيه تكذيبهم، وإن كذبوك فى غيره.
ويمكن فى الآية وجه سابع، وهو أن يريد تعالى أن جميعهم لا يكذبونك وإن كذّبك بعضهم؛ فهم الظالمون الذين ذكروا فى آخر الآية بأنهم يجحدون بآيات الله؛ وإنما سلّى نبيه ﵇ بهذا القول وعزّاه؛ فلا ينكر أن يكون موسى ﵇ لما استوحش من تكذيبهم له وتلقيهم إياه بالرد؛ وظن أنه لا متّبع له منهم، ولا ناصر لدينه فيهم أخبره
الله تعالى بأنّ البعض وإن كذبك فإن فيهم من يصدقك ويتبعك وينتفع بإرشادك وهدايتك؛ وكل هذا واضح والمنة لله.
قال سيدنا أدام الله علوّه: ومن جيد الشعر قول مطرود بن كعب الخزاعىّ:
يا أيّها الرّجل المحوّل رحلهألّا نزلت بآل عبد مناف!
هبلتك أمّك لو نزلت عليهمضمنوك من جوع ومن إقراف
الآخذون العهد من آفاقهاوالرّاحلون لرحلة الإيلاف
والمطعمون إذا الرّياح تناوحتورجال مكّة مسنتون عجاف
والمفضلون إذا المحول ترادفتوالقائلون هلمّ للأضياف
والخالطون غنيّهم بفقيرهمحتى يكون فقيرهم كالكافي
كانت قريش بيضة فتفلّقتفالمحّ خالصة لعبد مناف
أما قوله:
والراحلون لرحلة الإيلاف
فكان هاشم صاحب إيلاف قريش للرحلتين وأول من سنهما، فألفوا الرحلتين: فى الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق، وفى الصيف إلى الشام. وفى ذلك يقول ابن الزّبعرى:
عمرو العلا هشم الثريد لقومهورجال مكّة مسنتون عجاف
وهو الّذي سنّ الرّحيل لقومهرحل الشّتاء ورحلة الأضياف
فأما «المسنتون» فهم الذين أصابتهم السنة المجدبة الشديدة.
وقوله:
والخالطون غنيّهم بفقيرهم
من أحسن الكلام وأخصره؛ وإنما أراد أنهم يفضلون على الفقير حتى يعود غنيا/ ذا ثروة.
ولأحمد بن يوسف أبيات على هذا الوزن يمزح بها مع ولد سعيد بن سلم الباهلىّ، وكان لهم صديقا:
أبني سعيد إنّكم من معشرلا يعرفون كرامة الأضياف
قوم لباهلة بن يعصر إن همنسبوا حسبتهم لعبد مناف
قرنوا الغداء إلى العشاء وقرّبوازادا لعمر أبيك ليس بكاب
وكأنّنى لمّا حططت إليهمرحلى نزلت بأبرق العزّاف
بينا كذلك إذ أتى كبراؤهميلحون فى التّبذير والإسراف
أراد بقوله: «قرنوا الغداء إلى العشاء» من بخلهم واختصارهم فى المطعم؛ ويقال: إنّ هذا الشعر حفظ وصار من أكثر ما يسبّون به ويسبّ قومهم؛ ولرب مزح جرّ جدّا، وعثرة الشعر لا تستقال؛ والشعر يسير بحسب جودته.
ولقد أحسن دعبل بن على فى قوله:
نعونى ولمّا ينعنى غير شامتوغير عدوّ قد أصيبت مقاتله
يقولون إن ذاق الرّدى مات شعرهوهيهات عمر الشّعر طالت طوائله!
سأقضى ببيت يحمد النّاس أمرهويكثر من أهل الرّواية حامله
يموت رديّ الشّعر من قبل ربّهوجيّده يبقى؛ وإن مات قائله
ولآخر فى هذا المعنى:
لا تعرضنّ بمزح لامرئ فطنما راضه قلبه أجراه فى الثّبت
فربّ قافية بالمزح جاريةمشئومة لم يرد إنماؤها نمت
إنّى إذا قلت بيتا مات قائلهومن يقال له والبيت لم يمت
مجلس آخر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع