تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ. فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. أُ

لْمَشْأَمَةِ. عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ. فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ. عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ؛ [البلد].

فقال [: ما تأويل هذه الآية؟ وما معنى ما تضمنته].

الجواب، أما ابتداء الآية فتذكير بنعم الله تعالى عليهم، وما أزاح به علتهم فى تكاليفهم، وما تفضّل به عليهم من الآلات التى يتوصلون بها إلى منافعهم، ويستدفعون بها المضارّ عنهم؛ لأن الحاجة ماسّة فى أكثر المنافع الدينية والدنيوية إلى العين للرؤية، واللسان للنطق، والشفتين لحبس الطعام والشراب/ ومسكهما فى الفم والنطق أيضا.

فأما النّجد فى لغة العرب فهو الموضع المرتفع من الأرض، والغور الهابط منها؛ وإنما سمّى الموضع المرتفع من أرض العرب نجدا لارتفاعه.

واختلف أهل التأويل فى المراد بالنجدين، فذهب قوم إلى أنّ المراد بهما طريقا الخير والشرّ؛ وهذا الوجه يروى عن على أمير المؤمنين ﵇، وابن مسعود، وعن الحسن وجماعة من المفسرين.

وروى أنه قيل لأمير المؤمنين عليّ ﵇: إن ناسا يقولون فى قوله: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ: إنهما الثديان، فقال ﵇: لا، إنهما الخير والشر.

وروى عن الحسن أنه قال: بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «أيها الناس، إنهما نجدان: نجد الخير ونجد الشر، فما جعل نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير».

وروى عن قوم آخرين أنّ المراد بالنّجدين ثديا الأم.

فإن قيل: كيف يكون طريق الشر مرتفعا كطريق الخير، ومعلوم أنه لا شرف ولا رفعة فى الشر؟

قلنا: يجوز أن يكون إنما سماه نجدا لظهوره وبروزه لمن كلّف اجتنابه؛ ومعلوم أن الطريقتين جميعا باديان ظاهران للمكلفين. ويجوز أيضا أن يكون سمّى طريق الشر نجدا من حيث يحصل فى اجتناب سلوكه والعدول عنه

الشرف والرفعة؛ كما يحصل مثل ذلك فى سلوك طريق الخير؛ لأن الثواب الحاصل فى اجتناب طريق الشر كالثواب فى سلوك طريق الخير.

وقال قوم: إنما أراد بالنجدين أنا بصّرناه وعرفناه ماله وعليه، وهديناه إلى طريق استحقاق الثواب؛ وثنىّ النجدين على عادة العرب فى تثنية الأمرين إذا اتفقا فى بعض الوجوه، وأجرى لفظة أحدهما على الآخر، كما قيل فى الشمس والقمر: القمران، قال الفرزدق:

لنا قمراها والنّجوم الطّوالع

ولذلك نظائر كثيرة.

فأما قوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ؛ ففيه وجهان:

أحدهما أن يكون فَلَا بمعنى الجحد وبمنزلة «لم»، أى فلم يقتحم العقبة؛ وأكثر

ما يستعمل هذا الوجه بتكرير لفظ «لا»؛ كما قال سبحانه: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى؛ أى لم يصدّق ولم يصلّ، وكما قال الحطيئة:

وإن كانت النّعماء فيهم جزوا بهاوإن أنعموا، لا كدّروها ولا كدّوا
للشاعر عبد الله بن شبرمة الضبي، اقرأ القصيدة

وقلّما يستعمل هذا المعنى من غير تكرير لفظ؛ لأنهم لا يقولون: لا جئتنى وزرتنى؛ يريدون: ما جئتنى؛ فإن قالوا: لا جئتنى ولا زرتنى صلح؛ إلا أن فى الآية ما ينوب مناب التكرار ويغنى عنه، وهو قوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ فكأنه قال: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ولا آمن؛ فمعنى التكرار حاصل.

والوجه الآخر: أن تكون «لا» جارية مجرى الدعاء؛ كقولك: لا نجا ولا سلم، ونحو ذلك.

وقال قوم: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أى فهلّا اقتحم العقبة! أو أفلا اقتحم العقبة! قالوا:

ويدل على ذلك قوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ، ولو كان أراد النفى لم يتصل الكلام.

وهذا الوجه ضعيف جدا، لأن قوله تعالى: فَلَا خال من لفظ الاستفهام، وقبيح حذف حرف الاستفهام فى مثل هذا

الموضع، وقد عيب على عمر بن أبى ربيعة قوله:

ثمّ قالوا: تحبّها؟ قلت: بهراعدد القطر والحصى والتراب

فأما الترجيح بأن الكلام لو أريد به النفى لم يتصل فقد بيّنا أنه متصل، مع أنّ المراد به النفى؛ لأن قوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا معطوف على قوله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، أى فلا اقتحم العقبة، ثم كان من الذين آمنوا. والمعنى أنه ما اقتحم العقبة ولا آمن؛ على ما بينا.

فأما المراد بالعقبة فاختلف فيه، فقال قوم: هى عقبة ملساء فى جهنم، واقتحامها فكّ رقبة.

وروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إن أمامكم عقبة كئودا لا يجوزها المثقلون، وأنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة»: وروى عن ابن عباس أنه قال: هى عقبة كئود فى

جهنم، وروى أيضا أنه قال: العقبة هى النّار نفسها؛ فعلى الوجه الأول يكون التفسير للعقبة بقوله: فَكُّ رَقَبَةٍ على معنى ما يؤدّى إلى اقتحام هذه العقبة؛ ويكون سببا لجوازها والنجاة منها، لأن فكّ رقبة وما أتى بعد ذلك ليس هو النار نفسها ولا موضعا منها.

وقال آخرون: بل العقبة ما ورد مفسّرا لها من فكّ الرقبة والإطعام فى يوم المسغبة؛ وإنما سمّى ذلك عقبة لصعوبته على النفوس/ ومشقته عليها.

وليس يليق بهذا الوجه الجواب الّذي ذكرناه فى معنى قوله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وأنه على وجه الدعاء؛ لأن الدعاء لا يحسن إلا بالمستحق له؛ ولا يجوز أن يدعى على أحد بأن لا يقع منه ما كلّف وقوعه، وفكّ الرقبة والإطعام المذكور من الطاعات؛ فكيف يدعى على أحد بأن لا يقع منه! فهذا الوجه يطابق أن تكون الْعَقَبَةَ هى النّار نفسها أو عقبة فيها.

وقد اختلف الناس فى قراءة: فَكُّ رَقَبَةٍ، فقرأ أمير المؤمنين ﵇، ومجاهد، وأهل مكة، والحسن، وأبو رجاء العطاردىّ، وأبو عمرو، والكسائىّ: فَكُّ رَقَبَةٍ بفتح الكاف ونصب الرقبة، وقرءوا أو أطعم على الفعل دون الاسم.

وقرأ أهل المدينة، وأهل الشام، وعاصم، وحمزة، ويحيى بن وثاب، ويعقوب الحضرمىّ: فَكُّ بضم الكاف وبخفض رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ على المصدر وتنوين الميم وضمها.

فمن قرأ على الاسم ذهب إلى أن جواب الاسم بالاسم أكثر فى كلام العرب، وأحسن من جوابه بالفعل؛ ألا ترى أن المعنى: ما أدراك ما اقتحام العقبة! هو فكّ رقبة، أو إطعام؛ وذلك هو أحسن من أن يقال: هو فكّ رقبة، أو أطعم.

ومال الفرّاء إلى القراءة بلفظ الفعل، ورجّحها بقوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، لأنه فعل؛ والأولى أن يتبع فعلا. وليس يمتنع أن يفسّر اقتحام العقبة- وإن كان اسما- بفعل؛ يدل على الاسم؛ وهذا مثل قول القائل: ما أدراك ما زيد؟ يقول- مفسرا-: يصنع الخير، ويفعل المعروف، وما أشبه ذلك، فيأتى بالأفعال.

والسغب: الجوع؛ وإنما أراد أنه يطعم فى يوم مجاعة؛ لأن الإطعام فيه أفضل وأكرم.

فأما «مقربة» فمعناه يتيما ذا قربى؛ من قرابة النسب والرّحم؛ وهذا حضّ على تقديم ذى النسب والقربى المحتاجين على الأجانب فى الإفضال.

والمسكين: الفقير الشديد الفقر. والمتربة: مفعلة، من التراب، أى هو لاصق بالأرض من ضرّه وحاجته؛ ويجرى مجرى قولهم فى الفقير: مدقع؛ وهو مأخوذ من الدّقعاء؛ وهى الأرض التى لا شيء فيها.

وقال قوم: ذا مَتْرَبَةٍ أى ذا عيال. والمرحمة: مفعلة من الرحمة؛ وقيل إنه من الرّحم.

وقد يمكن فى مَقْرَبَةٍ أن يكون غير مأخوذ من القرابة والقربى؛ بل هو من القرب، الّذي هو من الخاصرة، فكأن المعنى أنه يطعم من انطوت خاصرته ولصقت من شدة الجوع والضر؛ وهذا أعم فى المعنى من الأول وأشبه بقوله ذا مَتْرَبَةٍ؛ لأن كل ذلك مبالغة فى وصفه بالضّرّ؛ وليس من المبالغة فى الوصف بالضرّ أن يكون قريب النّسب. والله أعلم بمراده.

قال سيدنا أدام الله علوّه: ومن طريف المدح ومليحه قول الشاعر:

وكأنّه من وفده عند القرىلولا مقام المادح المتكلّم
وكأنّه أحد النّدى ببنائهلولا مقالته أطب للمؤدم

ويقارب ذلك فى المعنى قول محمد بن خارجة:

سهل الفناء إذا حللت ببابهطلق اليدين مؤدّب الخدّام
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، اقرأ القصيدة
وإذا رأيت صديقه وشقيقهلم تدر: أيّهما أخو الأرحام!

ومثله لأبى الهندىّ:

نزلت على آل المهلّب شاتياغريبا عن الأوطان فى زمن المحل
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
فما زال بى إكرامهم وافتقادهموإنعامهم حتى حسبتهم أهلى

ولأثال بن الدقعاء يمدح عقبة بن سنان الحارثىّ:

ألم ترنى شكرت أبا سعيدبنعماه وقد كفر الموالى
ولم أكفر سحائبه اللّواتىمطرن عليّ واهية العزالى
فمن يك كافرا نعماه يومافإنى شاكر أخرى اللّيالى
فتى لم تطلع الشّعرى من افقولم تعرض ليمن أو شمال
على ندّ له إن عدّ مجدومكرمة وإتلاف لمال
وأصبر فى الحوادث إن ألمّتوأسعى للمحامد والمعالى
فتى عمّ البريّة بالعطايافقد صاروا له أدنى العيال

/ قال: ولآخر:

لم أقض من صحبة زيد أربىفتى إذا أغضبته لم يغضب
موكّل النّفس بحفظ الغيّبأقصى الفريقين له كالأقرب

فإنه لم يرد أن الضعيف السبب كالقوىّ السبب، وإنما أراد أنه يرعى من غيب الرفيق البعيد الغائب وحقّه ما يرعاه من حق الشاهد الحاضر، وأنه يستوى عنده لكرمه وحسن حفاظه من بعدت داره وقربت معا؛ وهذا بخلاف ما عليه أكثر الناس؛ من مراعاة أمر الحاضر القريب وإهمال حق البعيد.

هذا آخر مجلس أملاه سيدنا أدام الله علوّه. ثم تشاغل بأمور الحج.

الحمد لله رب العالمين وصلواته وسلامه على سيدنا نبيّه محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلّم كثيرا.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.