من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن حفظ اللسان
قال أكثم بن صيفي: مقتل الرجل بين فكيه، يعني لسانه. وقال الشاعر:
رأيت اللسان على أهلهإذا ساسه الجهل ليثاً مغارا
ومنه قول أكثم: رب قولٍ أشد من صول. وقوله: لكل ساقطة لاقطة. الساقطة من الكلام لها لاقطة من الناس.
وقال المهلب لبنيه: اتقوا زلة اللسان فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من عثرته ويزل لسانه فيكون فيه هلاكه.
وقال يونس بن عبيد: ليست خلة من خلال الخير تكون في الرجل هي أحرى أن تكون جامعة لأنواع الخير كلها من حفظ اللسان.
وقال قسامة بن زهير: يا معشر الناس إن كلامكم أعثر من صمتكم فاستعينوا على الكلام بالصمت وعلى الصواب بالفكر.
وقال الجاحظ: جرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم كلام، فما زال أبو مسلم يقاوله إلى أن قال شهرام: يا لقيط! فصمت أبو مسلم، وندم شهرام، فما زال مقبلاً عليه معتذراً وخاضعاً متنصلاً. فلما رأى ذلك أبو مسلم قال: لسان سبق ووهم أخطأ وإنما الغضب شيطان وما جرأك غيري بطول احتمالي فإن كنت متعمداً للذنب فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوباً فالعذر سبقك، وقد غفرنا لك على كل حال. فقال شهرام: أيها الأمير عفو مثلك لا يكون غروراً. قال: أجل. قال: فإن عظم ذنبي لا يدع قلبي أن يسكن. ولجّ في الاعتذار. فقال لأبو مسلم: يا عجبا! كنت تسيء وأنا أحسن فإذا أحسنتَ أُسيء.
وشتم رجل المهلب فلم يجبه. فقيل له: حلمت عنه؟ فقال: لم أعرف مساويه فكرهت أن أبهته بما ليس فيه.
سلمة بن القاسم عن الزبير قال: حُملت إلى المتوكل فأُدخلت عليه فقال: يا عبد الله الزم أبا عبد الله، يعني المعتز، حتى تعلّمه من فقه المدنيين. فأُدخلت إلى حجرة فإذا أنا بالمعتز قد أتى في رجله نعل من ذهب، فعثر حتى دميت رجله، فأتي بإبريق من ذهب وطست من ذهب وجعل يغسل ذلك الدم وهو يقول:
يُصاب الفتى من عثرةٍ بلسانهوليس يصاب المرء من عثرة الرِّجل
وعثرته من فيه ترمي برأسهوعثرته في الرجل تبرا على مهل
فقلت في نفسي: ضُممت إلى من أريد أن أتعلم منه.
وكان يقال: ينبغي للعاقل أن يحفظ لسانه كما يحفظ موضع قدمه، وقيل: من لم يحفظ لسانه فقد سلطه على هلاكه. وقال الشاعر:
عليك حفظ اللسان مجتهداًفإن جل الهلاك في زلله
ولآخر:
وجرح السيف تدمله فيبراوجرح الدهر ما جَرح اللسان
جراحات الطعان لها التئامٌولا يلتام ما جرح اللسان
ولآخر:
وجرح اللسان كجرح اليد
ولآخر:
وجرح السيف يأسوه المداويوجرح القول طول الدهر دامي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع