تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

محاسن كتمان السر

قال: كان المنصور يقول: الملوك تحتمل كل شيء من أصحابهم إلا ثلاثاً: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك. وكان يقول: سرك من دمك فانظر من تملكه. وكان يقول: سرك لا يطلع عليه غيرك. إن من أنفذ البصائر كتمان السر حتى يبرم المبروم.

وقيل لأبي مسلم صاحب الدولة: بأي شيء أدركت هذا الأمر؟ فقال: ارتديت بالكتمان واتزرت بالحزم وحالفت الصبر وساعدت المقادير فأدركت ظني وحزت حدّ بغيتي، وأنشد:

أدركت بالحزم والكتمان ما عجزتعنه الملوك بني مروان إذ حشدوا
مازلت أسعى عليهم في ديارهموالقوم في غفلة بالشأم قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوامن نومةٍ لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعةٍونام عنها تولى رعيها الأسد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «حتى علوتهم بالسيف فانتبهوا»

قال: وقال عبد الملك بن مروان للشعبي، لما دخل عليه: جنبني خصالاً أربعاً: لا تطرينّي في وجهي، ولا تجرينّ علي كذبة، ولا تغتابن عندي أحداً، ولا تفشين لي سراً.

وقال النبي، ﷺ: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود. وأنشد المنقري في ذلك:

النجم أقرب من سرٍ إذا اشتملتمني على السر أضلاعٌ وأحشاء
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «يأبَى لِيَ الذمَّ أخلاقٌ ومكرمةٌ»

وقال غيره:

ونفسك فاحفظها ولا تفش للورىمن السر ما يطوي عليه ضميرها
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
فما يحفظ المكتوم من سر أهلهإذا عقد الأسرار ضاع كبيرها
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
من القوم إلا ذو عفافٍ يعينهعلى ذاك منه صدق نفسٍ وخيرها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «وما حمل البختي عام غياره»

قال وقال معاوية بن أبي سفيان: أعنت على عليّ، ﵁، في أربع خصال: كان رجلاً ظهرةً علنةً أي لم يكتم سراً، وكنت كتوماً لأمري، وكان لا يسعى حتى يفاجئه الأمر مفاجأة، وكنت أبادر إلى ذلك، وكان في أخبث جند وأشدهم خلافاً، وكنت في أطوع جند وأقلهم خلافاً، وكنت أحب إلى قريش منه فقلت ما شئت من جامع إلي ومفرق عنه.

وكان يقال لكاتم سره: من كتمانه إحدى خصلتين وفضيلتين الظفر بحاجته والسلامة من شره. من أحسن فليحمد الله وله المنة عليه، ومن أساء فليستغفر الله جل وعز وله الحجة عليه.

وقال بعضهم: كتمانك سرك يعقبك السلامة وإفشاؤك سرك يعقبك التبعة، والصبر على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه.

وقال بعضهم: ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده اللصوص فيخفيه ثم يمكن عدوّه من نفسه بإفشاء سره إليه وإظهار ما في قلبه له أو أن يظهره على سر أخيه، ومن عجز عن تقويم أمره فلا يلومن من لا يستقيم له.

وكان معاوية يقول: ما أفشيت سري إلى أحد إلا أعقبني طول الندم وشدة الأسف، ولا أودعته جوانح صدري فخطمته بين أضلاعي إلا كسّبني ذلك مجداً وذكراً وسناء ورفعة. فقيل له: ولا ابن العاص؟ فقال: ولا ابن العاص. وكان يقول: ما كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك.

وقال النبي، ﷺ: من كتم سره كانت الخيرة في يده، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، وضع أمر أخيك على أحسنه ولا تظنن بكلمة خرجت منه سوءاً إذا كنت واجداً لها في الخير مذهباً، وما كافأت من عصى الله فيك بأكثر من أن تطيع الله جل ذكره فيه، وعليك بإخوان الصدق فإنهم زينة عند الرخاء وعصمة عند البلاء. وحدث إبراهيم بن عيسى قال: ذاكرت المنصور ذات يوم أمر أبي مسلم وصونه لذلك السر حتى فعل ما فعله. فقال:

تقسمني أمران لم أقتحمهمابحرصٍ ولم تعركهما لي الكراكر
وما ساور الأحشاء مثل دفينةٍمن الهم ردتها إليك المقادر
وقد علمت أفناء عدنان أننيلدى ما عرا مقدامةٌ متجاسر

وقال غيره:

صن السر بالكتمان يرضك غبهفقد يظهر السر المضيع فيندم
ولا تفشين سراً إلى غير أهلهفيظهر خرق السر من حيث يكتم
وما زلت في الكتمان حتى كأننيبرجع جواب السائلي عنك أعجم
لأسلم من قول الوشاة وتسلميسلمت وهل حيٌّ على الناس يسلم؟
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»

ولآخر:

أمني تخاف انتشار الحديثوحظي في ستره أوفر
ولو لم أصنه لبقيا عليكنظرت لنفسي كما تنظر

ولآخر:

لساني كتوم لأسراركمودمعي نموم لسري مذيع
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة
فلولا الدموع كتمت الهوىولولا الهوى لم تكن لي دموع

ولآخر:

إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرهافسرك عند الناس أفشى وأضيع
للشاعر عمرو بن العاص، اقرأ القصيدة

أبو نواس:

لا تفش أسرارك للناسوداو أحزانك بالكاس
فإن إبليس على ما بهأرأف بالناس من الناس

وقال المبرد: أحسن ما سمعت في حفظ السر ما روي لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁:

فلا تفش سرك إلا إليكفإن لكل نصيح نصيحا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «فلا تفش سرك إلا إليك»
فإني رأيت بغاة الرجال لا يتركون أديماً صحيحا

قال العتبي:

ولي صاحبٌ سري المكتم عندهمخاريق نيران بليلٍ تُحرَّق
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
عطفت على أسراره فكسوتهاثياباً من الكتمان ما تتخرق
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
فمن تكن الأسرار تطفو بصدرهفأسرار نفسي بالأحاديث تغرق
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
فلا تودعن الدهر سرك جاهلاًفإنك إن أودعته منه أحمق
وحسبك في سر الأحاديث واعظاًمن القول ما قال الأديب الموفق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسهفصدر الذي يستودع السر أضيق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «إذا المرء أفشى سره بلسانه»

ولآخر:

ولربما اكتتم الوقور فصرّحتحركاته عن كتمانه
ولربما رزق الفتى بسكوتهولربما حرم الفتى ببيانه

ولآخر:

لا يكتم السر إلا كل ذي خطرٍوالسر عند كرام الناس مكتوم
والسر عندي في بيت له علقٌقد ضاع مفتاحه والباب مردوم

قال: ودخل أبو العتاهية على المهدي وقد ذاع شعره في عتبة فقال: ما أحسنت في حبك ولا أجملت في إذاعة سرك. فقال أبو العتاهية:

من كان يزعم أن سيكتم حبهأو يستطيع الستر فهو كذوب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «من كان يزعم أن سيكتم حبه»
إذا بدا سر اللبيب فإنهيبد إلا والفتى مغلوب
الحب أغلب للرجال بقهرهمن أن يرى للسر فيه نصيب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «من كان يزعم أن سيكتم حبه»
إني لأحسد ذا هوىً مستحفظاًلم تتهمه أعينٌ وقلوب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «من كان يزعم أن سيكتم حبه»

فاستحسن المهدي شعره وقال: قد عذرناك في إذاعة سرك ووصلناك على حسن عذرك على أن كتمان ذلك أحسن من إذاعته.

وقال المهلب بن أبي صفرة: ما ضاقت صدور الرجال عن شيء كما ضاقت عن السر.

وقال زياد: لكل مستشير ثقة ولكل سر مستودع، وإن الناس قد أبدعت بهم خصلتان: إذاعة السر وترك النصيحة، وليس موضع السر إلا أحد رجلين: رجل آخريّ يرجو ثواب الله، ورجل دنيوي له شرف في نفسه وعقل يصون به حسه، وهما معدومان في هذا الدهر.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.