من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
مساوئ صفة الدنيا
قال الحسن البصري: بينا أنا أطوف بالبيت إذا أنا بعجوز متعبدة، فقلت: من أنت؟ فقالت: من بنات ملوك غسان. قلت: فمن أين طعامك؟ قالت: إذا كان آخر النهار في كل يوم تجيئني امرأة متزينة فتضع بين يدي كوزاً من ماء ورغيفين. قلت لها: أتعرفين المرأة؟ قالت: اللهم لا. قلت: هذه الدنيا خدمت ربك جل وعز فبعث إليك بالدنيا فخدمتك على رغم أنفها.
وزعموا أن زياد ابن أبيه مرّ بالحيرة فنظر إلى دير هناك فقال لحاجبه: ما هذا؟ قال: دير حرقة بنت النعمان بن المنذر. فقال: ميلوا بنا إليها نسمع كلامها. فجاءت إلى وراء الباب فكلمها الخادم فقال لها: كلمي الأمير.
فقالت: أوجز أم أطيل؟ قال: بل أوجزي. قالت: كنا أهل بيتٍ طلعت الشمس وما على الأرض أعزّ منا فما عابت تلك الشمس حتى رحمنا عدونا.
قال: فأمر لها بأوساق من شعير. فقالت: أطعمتك يدٌ شبعى جاعت ولا أطعمتك يدٌ جوعى شبعت. فسّر زياد بكلامها وقال لشاعر: قيد هذا الكلام لا يدرس. فقال:
سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسلفتىً ذاق طعم الخير منذ قريب
وفي مثل هذا قول أعرابي وقد دعا لرجل برّه: مسّتك يدٌ أصابت فقراً بعد غنىً ولا مسّتك يدٌ أصابت غنىً بعد فقر.
ويقال: إن فروة بن إياس بن قبيصة انتهى إلى دير حرقة بنت النعمان فألفاها وهي تبكي. فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما من دار امتلأت سروراً إلا امتلأت ثبوراً، ثم قالت:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرناإذا نحن فيهم سوقةٌ نتقسم
وقالت:
فأفٍّ لدنيا لا يدوم نعيمهاوأفٍّ لعيشٍ لا يزال يُهضّم
قال: وقالت حرقة بنت النعمان لسعد بن أبي وقاص: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة وعقد لك المنن في أعناق الكرام، ولا أزال بك عن كريم نعمةً، ولا أزالها بغيرك إلا جعلها السبب لردها عليه.
قال وقال عبد الملك بن مروان لسلمة بن زيد الفهمي: أي الزمان أدركت أفضل وأي الملوك؟ فقال: أما الملوك فلم أر إلا ذاماً أو حامداً، وأما الزمان فيضع قوماً ويرفع آخرين وكلهم يذمّ زمانه لأنه يبلي جديدهم ويطوي أعمارهم ويهرم صغيرهم وكل ما فيه منقطع إلا الأمل. قال: فأخبرني عن فهم. قال: هم كما قال الشاعر:
درج الليل والنهار على فهم بن عمرو فأصبحوا كالرميم
وخلت دارهم فأضحت يباباًبعد عزٍّ وثروةٍ ونعيم
وكذاك الزمان يذهب بالناس وتبقى ديارهم كالرسوم
قال: فمن يقول منكم:
رأيت الناس مذ خلقوا وكانوايحبّون الغنيّ من الرجال
وإن كان الغنيّ أقل خيراًبخيلاً بالقليل من النوال
فما أدري علام وفيم هذاوماذا يرتجون من البخال
أللدنيا فليس هناك دنياولا يُرجى لحادثة الليالي
قال: أنا وقد كتمتها.
قال: ولما دخل عليّ بن أبي طالب، ﵁، المدائن نظر إلى إيوان كسرى فأنشده بعض من حضره قول الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمل بعد آل محرِّقٍتركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارقٍوالقصر ذي الشرفات من سنداد
نزلوا بأنقرةٍ يسيل عليهمماء الفرات يسيل من أطواد
أرضٌ تخيّرها لطيب مقيلهاكعب بن مامة وابن أمّ دؤاد
جرت الرياح على محل ديارهمفكأنما كانوا على ميعاد
فأرى النعيم وكلُّ ما يلهى بهيوماً يصير إلى بلىً ونفاد
فقال علي، ﵁: أبلغ من ذلك قول الله جل وعز: " كم تركوا من جناتٍ وعيون وزروعٍ ومقامٍ كريمٍ ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوماً آخرين ".
وقال عبد الملك ببن المعتز: أهل الدنيا كصورة في صحيفة كلما نُشر بعضها طوي بعضها. وقال: أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام.
وقال بعضهم: طلاق الدنيا مهر الجنة.
وذكر أعرابي الدنيا فقال: هي جمّة المصائب رنقة المشارب لا تمتعك الدهر بصاحب.
وقال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله جل وعز أنه لا يُعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
وقيل: إذا أقبلت الدنيا على امريء أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع