من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن الورع
محمد بن الحسين عن أبي همّام وكان يخدم ضيغماً قال: كنت معه في طريق مكة، فلما صرنا في الرمل نظر إلى ما تلقى الإبل من شدة الحر فبكى.
فقلت له: لو دعوت الله أن يمطر علينا كان أخف على هذه الإبل. قال: فنظر إلى السماء وقال: إن شاء ربي فعل. فوالله ما كان إلا أن تكلم حتى نشأت سحابة وهطلت.
وعن عطاء أن أبا مسلم الخولاني خرج إلى السوق بدرهم يشتري لأهله دقيقاً فعرض له سائل فأعطاه بعضه ثم عرض له آخر فأعطاه الباقي وأتى إلى النجارين فملأ مزوده من نشارة الخشب وأتى به منزله وخرج هارباً من أهله، فأخذت المرأة المزود فإذا دقيق حوّارى فعجنته وخبزت. فلما جاء قال: من أين هذا؟ قالت: الدقيق الذي جئت به.
وعن أبي عبد الله القرشي عن رجل قال: دخلت بئر زمزم فإذا أنا بشخص ينزع الدلو مما يلي الركن، فلما شرب أرسل الدلو فأخذته فشربت فضلته فإذا هو سويق لوزٍ لم أر سويق اللوز أطيب منه، فلما كانت القابلة في ذلك الوقت دخل الرجل وقد أسبل ثوبه على وجهه ونزع الدلو وشرب وأرسل الدلو، فأخذته وشربت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالعسل لم أشرب شيئاً قط أطيب منه، فأردت أن آخذ طرف ثوبه فأنظر من هو ففاتني، فلما كان في السنة الثالثة قعدت قبالة زمزم فلما كان في ذلك الوقت جاء الرجل وقد أسبل ثوبه على وجهه فدخل فأخذت طرف ثوبه، فلما شرب من الدلو وأرسلها قلت: يا هذا أسألك برب هذه البنيّة من أنت؟ قال: تكتم عليّ حتى أموت؟ قلت: نعم. قال: أنا سفيان، وهو الثوري، فتناولت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالسكر الطبرزد لم أر قط أطيب منه، فكانت تلك الشربة تكفيني إذا شربتها إلى مثلها من الوقت لا أجد جوعاً ولا عطشاً.
وقال الأصمعي: رأيت أعرابياً يكدح جبينه بالأرض يريد أن يجعل سجادة فقلت: ما تصنع؟ قال: إني وجدتها نعم الأثر في وجه الرجل الصالح.
ومما قيل من الشعر من هذا الفن منهم بشار حيث يقول:
كيف يبكي لمحبسٍ في طلولمن سيقضي ليوم حبسٍ طويل
إن في البعث والحساب لشغلاًعن وقوفٍ برسم دارٍ محيلٍ
ولمحمد بن بشير:
ويلٌ لمن لم يرحم اللهومن تكون النار مثواه
يا حسرتا في كل يومٍ أتىيذكرني الموت وأنساه
كأنه قد قيل في مجلسٍقد كنت أتيه وأغشاه
صار البشيري إلى ربهيرحمنا الله وإياه
ولجرير:
إن الشقي الذي في النار منزلهوالفوز فوز الذي ينجو من النار
يا رب قد أسرفت نفسي وقد علمتعلماً يقيناً لقد أحصيت أثاري
فاغفر ذنوباً إلهي قد أحطت بهارب العباد وزحزحني عن النار
ولذي الرمة بيت:
إن تنج منها تنج من ذي عظيمةٍوإلا فإني لا إخالك ناجيا
ولآخر:
أستغفر الله مما يعلم اللهإن الشقي لمن لم يرحم الله
هبه تجاوز لي عن كل سيئةٍوا سوءتاه من حيائي يوم ألقاه
ولإسماعيل بن القاسم:
تعصي الإله وأنت تظهر حبههذا محالٌ في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعتهإن المحب لمن يحب مطيع
ولآخر:
أيا عجباً كيف يعصي الإلهـ أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيءٍ له قدرةٌتدلّ على أنه واحد
ولله في كل تحريكةٍوتسكينةٍ أبداً شاهد
ولأبي نواس الحسن بن هانيء:
سبحان من خلق الخلق من ضعيفٍ مهين
يسوقهم من قرارٍإلى قرارٍ مكين
يحور خلقاً فخلقاًفي الحجب دون العيون
حتى بدت حركاتٌمخلوقة من سكون
ولآخر:
أخي ما بال قلبك ليس ينقىكأنك لا تظنّ الموت حقا
ألا يا ابن الذين مضوا وبادواأما والله ما ذهبوا لتبقى
وما لك غير تقوى الله زادٌإذا جعلت إلى اللهوات ترقى
ولآخر:
يا قلب مهلاً وكن على حذرفقد لعمري أمرت بالحذر
ما لك بالترهات مشتغلاًأفي يديك الأمان من سقر
ولآخر:
إن كنت توقن بالقيامة واجترأت إلى الخطيه
فلقد هلكت وإن جحدت فذاك أعظم للبليه
ولآخر:
وأفنية الملوك محجباتٌوباب الله مبذول الفناء
فمن أرجو سواه لكشف ضرٍّوبلوى حين أجهد في الدعاء
وشكوائي إلى ملك عظيمٍجليلٍ لا يصمّ عن الدعاء
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع