تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

محاسن الشعر في هذا الفن

لبعضهم:

وقالوا عقابٌ قلت عقبى لهم من النوىدنت بعد شحطٍ منهم ونزوح
وقالوا حمامٌ قلت حُمَّ لقاؤهاوعادت لنا ريح الوصال تفوح
وقالوا دمٌ دامت مودة بينناوطلحٌ فنيلت والمطيُّ طلوح
وقالوا تغنّى هدهدٌ فوق أيكةٍفقلت هدىً تغدو بنا وتروح

وحكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج يتصيد ومعه عديّ بن زيد فمرّ بآرامٍ، وهي القبور، فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: إنها تقول:

أيها الركب المخبون على الأرض تمرون
فكما كنتم فكناوكما نحن تكونون

قال: أعد. فأعاد، فرجع كئيباً وترك صيده. قال: ثم خرج معه خرجة أخرى فوقف على آرام بظهر الكوفة، فقال: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: فإنها تقول:

رُبّ ركبٍ قد أناخوا عندنايشربون الخمر بالماء الزلال
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ثم أضحوا عصف الدهر بهموكذاك الدهر حالاً بعد حال
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «ثم أَضحوا عصف الدهر بهم»

فانصرف وترك صيده.

عبد الله بن مسلم قال: حدثت عن معاوية أنه سأل عبيد بن شرية الجرهمي عن أعجب شيء رآه فقال: نزلت بحيّ من قضاعة في الجاهلية فأخرجوا جنازة لرجل من بني عذرة فخرجت معهم حتى إذا واروه تنحيت جانباً وعيناي تذرفان ثم تمثلت بأبيات من شعر كنت رُوّيتها قبل ذلك الزمان:

استقدر الله خيراً وارضينّ بهفبينما العسر إذ دارت مياسير
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌإذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
يبكي الغريب عليه ليس يعرفهوذو قرابته في الحي مسرور
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
حتى كأن لم يكن إلا تذكُّرهوالدهر أيتما حالٍ دهارير
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة

قال: وإلى جانبي رجل يسمع ما أقول، فقال: أتدري من قائل هذه الأبيات؟ قلت: لا والله. قال: والذي يُحلف به أنه لصاحب هذا القبر وهذا ذو قرابته أسرّ الناس بموته وأنت الغريب تبكي عليه! فعجبت مما ذكره في شعره والذي صار إليه من قوله كأنه نظر إلى نفسه بعد موته.

قال: ولما بعث أبو بكر الصديق، ﵁، خالد بن الوليد إلى أهل الردة انتهى إلى حيّ من تغلب فأغار عليهم وقتلهم، وكان رجل منهم جالساً على شراب له وهو يغني بهذه الأبيات:

ألا عللاني قبل جيش أبي بكرلعل منايانا قريبٌ وما ندري

فوقف عليه رجل من أصحاب خالد فضرب عنقه وإذا رأسه في الجفنة التي كان يشرب منها، ولذلك قيل:

إن البلاء موكل بالمنطق

وحدثنا الحسين بن الضحاك قال: شهدت الواثق وكان قاعداً في مجلس كان أول مجلس قعده فكان أول ما تغنى من الغناء في ذلك المجلس صوت إبراهيم بن المهدي فغنت به شارية جارية إبراهيم:

ما درى الحاملون يوم استقلوانعشةً للثواء أم للقاء
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
فلتقل فيك باكياتٌ كما شئن صباحاً وعند كل مساء
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

قال: فبكى والله وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه، ثم اندفع بعض المغنين فغنى:

ودع هريرة إن الركب مرتحلوهل تطيق وداعاً أيها الرجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

قال: فازداد والله في البكاء، ثم قال: أسمعت كاليوم قط تعزية بأب ونعي نفس؟ ثم ارفضّ ذلك المجلس.

وحدثنا ابن المكي عن أبيه قال: قال محمد الأمين في آخر أيامه: يا مكي والله أحب أن أقعد يوماً قبل أن يحال بيننا وبين ما نريد. فقلت: يا أمير المؤمنين افعل ذلك، فقال: اغد عليّ في غد. قال: فانصرفت وغدا عليّ رسوله في السحر فجئت إليه وهو في صحن داره وعليه جبة وشي مذهبة تأتلق وعمامة مثلها ما رأيت لأحد قط مثل ذلك وتحته كرسي من ذهب مرصّع بالجوهر.

فدعا بكرسي فجلست عليه عن يساره. ثم قال لخادم على رأسه: ادع لي فلانة وفلانة، حتى عدّ أربع جوار ما منهن جارية إلا وأنا أعرف حذقها وجودة غنائها. فخرجن وجلسن عن يمينه. ثم قال: يا غلام عليّ برطلٍ، فأتي برطل وقدح بلّور مكلل بالجوهر. فالتفت إلى التي تليه فقال لها: غني، فضربت ضرباً حسناً وتغنت بشعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط:

هم قتلوه كي يكونوا مكانهكما قتلت كسرى بليل مرازبه
بني هاشمٍ ردوا سلاح أخيكمولا تنهبوه لا تحلّ مناهبه

قال: فرمى بالقدح في وسط الدار ثم قال: لعنك الله! ما هذا؟ قالت: لا والله يا سيدي ما جاء على لساني غير هذا. ثم التفت إلى الغلام فقال: اسقني. فأتاه بقدح مثل الأول. وقال للأخرى: غني. فغنت ما قيل في كليب وائل:

كليب لعمري كان أكثر ناصراًوأيسر ذنباً منك ضُرّج بالدم

فرمى بالقدح في صحن الدار وكسره ثم قال: يا غلام عليّ برطل. وقال للثالثة: غني، فغنت:

أتقتل عمراً لا أبا لك شارداًوتزعم بعد القتل أنك هارب
فلو كنت بالأقطار ما فتّ ضربتيوكيف تفوت الحين والدم طالب

قال: فرماها بالقدح وقال: يا غلام عليّ برطل. وقال للرابعة: غني. فغنت:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفاأنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة
بلى نحن كنا أهلها فأبادناصروف الليالي والجدود العوائر
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة

قال: فالتفت إلي وقال: قد سمعت هذا أمر يريده الله جل وعز. قال: فما مضت أيام حتى رأيت رأسه بين شرفتين من شرف قصره.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.