من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن ما قيل في الشيب
قال: دخل منصور النميري على الرشيد فأنشده:
ما كنت أوفي شبابي كنه عزتهحتى مضى فإذا الدنيا له تبع
فبكى الرشيد وقال: يا نميري لا خير في دنيا لا يخطر فيها بحلاوة الشباب ويستمتع بأيامه، وأنشد:
ولو ان الشيب رزءٌ حل بيوقت ما استحققت شيباً لم أبل
بل أتاني والصبا يرمقنيمثل ما يأتي الكبير المكتهل
وأنشد:
حسرت عني القناع ظلوموتولت ودمعها مسجوم
أنكرت ما رأت برأسي فقالتأمشيبٌ أم لؤلؤٌ منظوم
قلت شيبٌ وليس عيباً، فأنّتأنّةً يستثيرها المهموم
واكتست لون مرطها ثم قالتهكذا من توسدته الهموم
إن أمراً جنى عليك مشيب الرأس في جمعه لأمر عظيم
شدّ ما أنكرت تصرف دهرٍلم يداوم وأي شيءٍ يدوم
لابن المعتز:
لما رأت شيباً يلوح بعارضيصدت صدود مغاضبٍ متحمّل
نظرت إلي بعين من لم يعدللما تمكن طرفها من مقتلي
ما زلت أطلب وصلها بتذللوالشيب يغمزها بأن لا تفعلي
ولابن المعتز أيضاً في الشيب:
قالت وقد راعها مشيبيكنت ابن عمٍ فصرت عما
واستهزأت بي فقلت أيضاًقد كنت بنتاً فصرت أما
كفّي ولا تكثري ملاميولا تزيدي العليل سقما
من شاب أبصر الغوانيبعين من قد عمي وصمّا
لو قيل لي اختر عمىً وشيباًأيهما شئت قلت أعمى
ولآخر:
رأت طالعاً للشيب أغفلت أمرهولم تتعهده أكفُّ الخواضب
فقالت: أشيباً ماأرى؟ قلت: شامةٌفقالت: لقد شامتك بين الحبائب
ولآخر:
شكوت من الشيب حتى ضجرتفدبّ إلى عارضي واشتعل
وسوّد وجهي فسودتهفعلت به مثل ما قد فعل
ولآخر:
إذا راقهنّ خدين الشبابعطفن كما تعطف الوالده
وإن هنّ عاينّ ذا شيبةٍفيا لك من مقلٍ زاهده
فويح الشباب وويح المشيبعدوّان دارهما واحده
لابن المعتز:
صرحت بالجفاء أمُّ حبابحين باشرتها ببعض الخطاب
قلت: لم ذا وقد رأيتك حيناًلا تملّين عشرتي وعتابي؟
قالت الشيب قد أتاك فأقصرعن عتابي فلست من أصحابي
فتعلّلت بالخضاب لأحظىعندها ساعةً بلون الخضاب
فرأته فأعرضت ثم قالت:ستر سوءٍ على خرابٍ يباب
ولابن المعتز أيضاً:
رفعت طرفها إليّ عبوساًواستثارت من المآقي الرسيما
ورأتني أسرّج العاج بالعاج فظلّت تستحسن الأبنوسا
ليس شيبي إذا تأملت شيباًإنما الشيب ما أشاب النفوسا
وله:
ضحكت إذ رأت مشيبي قد لاح وقالت قد فُضّض الأبنوس
قلت: إن الشباب فيّ لباقٍبعد، قالت: هذا شبابٌ لبيس
قال: استقبل يونس النحوي عدواً له وهو يتهادى في مشيه ويقارب خطوه. فقال: يا يونس بلغت ما أرى! فقال: هذا الذي كنت آمله فقد بلغته فلا بلغته! فاستحسن ابن الزيات قوله فجعله شعراً وقال:
وعائبٍ عابني بشيبٍلم يعد لمّا ألمّ وقته
فقلت إذ عابني بشيبٍ:يا عائب الشيب لا بلغته
ولغيره:
إن المسيب رداء الحلم والأدبكما الشباب رداء الجهل واللعب
تعجبت إذ رأت شيبي فقلت لهالا تعجبي من يطل عمرٌ به يشب
فينا لكُنّ وإن شيبٌ بدا أربٌوليس فيكنّ بعد الشيب من أرب
شيب الرجال لهم عزّ ومكرمةٌوشيبكن لكن الذل فاكتئبي
ولآخر:
الشيب في رأس الفتى حلمٌ بهوالشيب في رأس الفتاة قبيح
والخال في خدّ الفتى عيبٌ بهوالخال في خدّ الفتاة مليح
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع