تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

محاسن الكذب

روي عن المغيرة بن إبراهيم قال: لم يرخص لأحد في الكذب إلا للحجاج بن علاط، فإنه لما فتحت خيبر قال لرسول الله: إن لي عند امرأة من قريش وديعة فإن أذن لي رسول الله، ﷺ، أن أكذب كذبة فلعلي أن أستلّ وديعتي. قال: فرخص له. فقدم مكة فأخبرهم أنه ترك رسول الله، ﷺ، أسيراً في أيديهم يأتمرون فيه، قائل يقول يقتل وقائل يقول لا بل يبعث إلى قومه فيكون ذلك منّة.

فجعل المشركون يتباشرون بذلك ويوئسون العباس عم النبي، ﷺ، منه والعباس يريهم التجلد. وأخذ الرجل وديعته، فاستقبله العباس فقال: ويحك ما الذي أخبرت به؟! فأعمله السبب ثم أخبره أن رسول الله، ﷺ، قد فتح خيبر واستنكح صفية بنت حيي بن أخطب وقتل أباها وزوجها، وقال له: اكتم عليّ اليوم وغداً حتى أمضي، ففعل ذلك. فلما مضى أخبرهم العباس بالذي أخبره فكبتوا.

وروي أن رجلاً أتى رسول الله، ﷺ، فقال: يا رسول الله إتي أستسرّ بخلال أربع: الزناء والسرق وشرب الخمر والكذب، فأيهن أحببت تركته لك سراً. فقال: دع الكذب. فمضى الرجل فهمّ بالزناء فقال: يسألني رسول الله، ﷺ، فإن جحدت نقضت ما جعلته له وإن أقررت حددت، فلم يزن، ثم همّ بالسرقة وبشرب الخمر ففكر في مثل ذلك فرجع إلى رسول الله، ﷺ، فقال له، ﵇: تركتهن أجمع.

ومن مُلح الكذب قيل: إنه كان بين يحيى بن خالد البرمكي وبين عبد الله بن مالك الخزاعي عداوة وتحاسد وكان كل واحد منهما ينتظر لصاحبه الدوائر، فلما ولي عبد الله بن مالك أذربيجان وأرمينية ضاق برجل من الدهاقين بالعراق الأمر وتعذرت عليه المطالب فحمل نفسه على أن افتعل على لسان يحيى بن خالد إلى عبد الله بن مالك بالوصاة به وأكد بمعاونته كل التأكيد، ولم يعلم ما بينهما من التباعد، فشخص من مدينة السلام إلى أذربيجان وصار إلى باب عبد الله بن مالك بالكتاب، فأوصله الحاجب، فقال له عبد الله: أدخل صاحب هذا الكتاب. فأدخله. فقال له عبد الله: إن كتابك هذا مفتعل ولكنك قد تجشمت هذه الشقة البعيدة ولسنا نخيبك. فقال الرجل: أما كتابي فليس بمفتعل وإن كنت إنما تقصده بهذه التهمة لتصرفه فالله جل وعز حسبي وعليه أتوكل. فقال عبد الله: أفترى أن تُحبس في دار وتزاح علتك إلى أن أكتب وأستطلع الرأي وأعرف نبأ هذا الكتاب فإن كان مزوراً عاقبتك وإن كان صحيحاً خيرتك بين الصلات والولايات فأيها اخترت سوغتكه؟ قال: نعم. فأمر عبد الله بحبسه وإزاحة علته وكتب إلى وكيله بالعراق: إن رجلاً يسمى فلان بن فلان أورد عليّ كتاباً من أبي عليّ يحيى بن خالد البرمكي فتعرّف لي أمر هذا الكتاب واكتب إلي بالحال فيه.

فصار الوكيل بكتاب عبد الله إلى يحيى بن خالد فقرأه عليه، فدعا بالدواة وكتب إليه بخطه: فلان من أخص من يليني وأوجبهم حقاً وقد أخبرني صاحبك بشكك في أمره فأزل، جعلت فداك، الشك وليكن صرفه إلي معجلاً بما يشبهك.

فلما خرج الوكيل قال يحيى لأصحابه: ما تقولون في رجل افتعل عليّ كتاباً إلى عبد الله بن مالك وصل به من مدينة السلام إلى أذربيجان؟ فقالوا جميعاً: نرى أن تفضحه وتكشف ستره وتعلن أمره ليرتدع به غيره ويصير نكالاً وأحدوثة للعالمين. قال: لا والله، وهذا رأيكم؟ قالوا: نعم. فقال: قبح الله هذا من رأي فما أقله وأنذله! ويحكم هذا رجل ضاق به الرزق فأمّل فيّ خيراً ووثق بي وشخص إلى أذربيجان مع بعد شقتها وصعوبة طريقها أتشيرون عليّ أن أحرمه ما أمّله في حتى يسيء ظنه بي وقد عرفتم قدر عبد الله وحاله عند أمير المؤمنين وأني لم أكن أحتال لهذه المنزلة إلا بالخطير من المال، أفتريدون أن أردّ الأمر بيني وبينه بعد الألفة الواقعة إلى الحشمة؟ هذا والله النكد طول الأبد وغاية الضعف ونهاية أسباب الانتكاس! ثم أخبرهم بما كتب به إلى عبد الله فتعجبوا من كرمه واحتماله الكذب.

وورد الكتاب بخطه على عبد الله فدعا بالرجل وقد سقط في يده لاعتراض سوء الظن بقلبه، فلما دخل عليه قال. هذا كتاب أخي قد ورد عليّ بصحة أمرك وسألني تعجيل صرفك إليه. فدعا له بمائتي ألف درهم وبما يتبعها من الدواب والبغال والجواري والغلمان والخلع وسائر الآلة ثم أصدره. فلما حضر باب يحيى بن خالد أدخل ذلك أجمع إليه وعرضه عليه، فأمر له يحيى بمثل ذلك وأثبته في خاصته.

قيل: وكان رجال من أهل المدينة من فقيه وراوية وشاعر يأتون بغداد فيرجعون بحظوة وحال حسنة، فاجتمع عدة منهم يوماً فقالوا لصديق لهم لم يكن عنده شيء من الآداب: لو أتيت العراق فلعلك كنت تصيب شيئاً. فقال: أنتم أصحاب آداب تلتمسون بها! قالوا: نحن نحتال لك، فجهزوه وقدم بغداد وطلب الاتصال بعلي بن يقطين بن موسى وشكا إليه الحاجة! فقال: ما عندك من الأدب؟ قال: ليس عندي من الآداب شيء غير أني أكذب الكذبة فأخيّل إلى من سمعها أني صادق. وكان ظريفاً مليحاً، فأُعجب به وعرض عليه مالاً فأبى أن يقبله وقال: لست أريد منك إلا أن تسهّل إذني وتدني مجلسي. قال: ذاك لك. فكان من أقرب الناس إليه مجلساً حتى عرف بذلك.

وكان المهدي غضب على رجل من القواد حتى استصفى ماله فكان يختلف إلى علي بن يقطين رجاء أن يكلم له المهدي، وكان يرى قرب المدني منه ومكانه، فأتى المدني القائد عشاء وقال له: ما البشرى؟ فقال: لك البشرى وحكمك، قال: قد أرسلني إليك علي بن يقطين وهو يقرئك السلام ويقول: قد كلمت أمير المؤمنين في أمرك ورضي عنك وأمر برد مالك وضياعك ويأمرك بالغدو عليه لتغدو معه إلى أمير المؤمنين متشكراً، فدعا له الرجل بألف دينار وثياب وكسوة وحملان ودفعها إليه، وغدا على عليّ مع جماعة من وجوه العسكر متشكراً. فقال له عليّ: وما ذاك؟ فقال: أخبرني أبو فلان، وهو إلى جنبه، بكلامك لأمير المؤمنين في أمري ورضاه عني! فالتفت إلى المدني فقال: ما هذا؟ فقال: أصلحك الله! هذا بعض ذلك المتاع نشرناه. فضحك عليّ وقال: عليّ بدابتي، فركب إلى المهدي وحدثه بالحديث فضحك المهدي وقال لعلي: فإنا قد رضينا عن الرجل ورددنا عليه ماله فأجر على المدني رزقاً واسعاً واستوص به خيراً. فأجرى عليه ووصله، وكان يٌعرف بكذّاب الخليفة.

قال: وكتب عبد الملك بن مروان إلى عمر بن محمد صاحب البلقاء أن اخطب عليّ الشقراء بنت شبيب بن عوانة الطائية وهو يومئذ في بادية له ومعه عدة من أصحابه. فأرسل إليه عمر: إن أمير المؤمنين كتب إليّ أن أخطب عليه الشقراء ابنتك فاحضر فارسل إليه. فقال: ما لنا إليكم حاجة، فإن كانت لأمير المؤمنين إلينا حاجة فليأت أو يرسل رسولاً. فقال عمر: سيروا بنا إليه. فسار في جماعة من وجوه البلقاء. قال: فدفعنا إلى أعرابي بفناء خيمته فسلمنا فرد السلام، وتكلم عمر فقال الأعرابي: أرسول أمير المؤمنين أنت؟ قال: نعم، قال: فإنا قد زوجناه على صداق نسائنا مائة من الإبل وما يتبعها من الثياب والخدم. فقلت: نعم. ثم جاءنا بثلاث جفان من كسور خبز ولبن فأكلنا ثم انصرفنا، فكتبت إلى عبد الملك بن مروان فأرسل إليه بمائة من الإبل وعشرة آلاف درهم وما يتبع ذلك من الطيب والخدم والأثاث. فجهزها ثم حملها إلى عبد الملك وما معها من ذلك شيء إلا البعير الذي ركبته ومعها نسوة من بنات عمها. فلما وافت عبد الملك أمر فأُدخلت إلى دار فأقامت أياماً ثم إن عبد الملك بنى بها فكان كثيراً ما يقول: ما رأيت مثل هذه الأعرابية ظرفاً وخلقاً ومنطقاً.

فاشتد ذلك على عاتكة بنت يزيد بن معاوية فأرسلت إلى روح بن زنباع، وكان من أخص الناس بعبد الملك، فقالت: يا أبا زرعة قد علمت رأي أمير المؤمنين معاوية كان فيك ورأي يزيد من بعده وأن أمير المؤمنين قد أعجبه أمر هذه الأعرابية وغلبت على قلبه فشأنك في إفساد ذلك عنده. قال: نعم ونعمة عينٍ. ثم خلا بعبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين كيف ترى الأعرابية؟ قال: قد جمعت ما جمع النساء الحاضرة والبادية. قال: يا أمير المؤمنين إنك من الأعرابية كما قال الأول:

وإذا تسرك من تميم خلةٌفلما يسوءك من تميم أكثر

فقال له: لا تقل ذلك، قال: كأنك بها قد حالت إلى غير ما هي عليه.

فكثر ذلك منه. ثم إن عبد الملك دخل عليها فقال: يا شقراء أعلمت أن روحاً قال لي كذا وكذا؟ قالت: ولم ذاك وحال عشيرتي وعشيرته كما تعلم؟ قال: هو علي ما قلت لك وإن أحببت أسمعتك ذلك منه! فقالت: قد أحببت.

فأمرها أن تجلس خلف الستر وأرسل إلى روح، فلما دخل عليه قال: هيه يا أبا زرعة والله لقد وقع كلامك مني موقعاً! قال: نعم يا أمير المؤمنين إن الأعرابية تنتكث كانتكاث الحبل ثم لا تدري ما أنت عليه منها. فعجّلت ورفعت الستر وقالت: أنت فلا حياك الله ولا وصل رحمك قد كان يبلغني هذا عنك فما كنت أصدق! فوثب روح وقال: يا هذه إن هذا أرسل إليّ فأعلمني أنك خلف الستر وعزم عليّ أن أتكلم بهذا فلم أجد بداً من أبرّ عزيمته، وأما أنت فلا يسوءك الله! قالت: صدق والله ابن عمي وأنت الذي حملته على ما قال. فقال عبد الملك: ويلك يا شقراء ألا تقبلي منه! قالت: هو عندي أصدق منك. وجعل روح يقول وهو مولٍّ: هو والله الحق كما أقول. فخرج ووقع الكلام بينهما.

وقال خالد بن صفوان: دخلت على أبي العباس وهو خالي المجلس فقلت: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأمر بحفظ الستر لألقي إليك شيئاً أنصحك به أو قال فيه. فأمر بذلك. فقلت: يا أمير المؤمنين فكّرت في هذا الأمر الذي ساقه الله إليك ومنّ به عليك فرأيتك أبعد الناس من لذّاته وأتعب الخلق فيه؟ قال: وكيف ذاك يا خالد؟ قلت: باقتصارك من الدنيا على امرأة واحدة وتركك البيضاء المشتهاة لبياضها والخضرة التي تراد لخضرتها والسمينة المشتهاة لوطائها وذكرت الرشيقة الرخيمة والجعدة السبطة، فقال: يا خالد هذا أمر ما مرّ بسمعي! فاستأذن في الانصراف فأذن له.

وخرجت إليه أم سلمة وهو ينكت بالقلم على دواة بين يديه، فقالت: يا أمير المؤمنين أراك مفكراً، أنتقض عليك عدو؟ قال: كلا ولكن كلام ألقاه إلي خالد بن صفوان فيه نصيحتي. وشرح ذلك لها. قالت: فما قلت لابن الزانية؟ قال: ينصحني وتشتمينه! فقامت عنه وبعثت إلى مائة من مواليها فقالت: لهذا اليوم اتخذتكم وأعددتكم! امضوا إلى خالد بن صفوان فحيث وجدتم خالداً فاهووا إلى أعضائه عضواً عضواً فرضّوها. فطلبت ومررت بقوم أحدّثهم إذ أقبل القوم فدخلت في جملتهم ولجأت إلى دار ووقعت البغلة فرضّوها بالأعمدة وبقيت لا تظلني سماء ولا تقلني أرض.

فإني جالس ذات يوم إذ هجم عليّ قوم فقالوا: أجب أمير المؤمنين. فقمت ولا أملك من نفسي شيئاً حتى دخلت عليه وهو في ذلك المجلس وأنا أسمع حركة من وراء الستر فقلت أم سلمة والله. فقال: يا خالد من أين تُرى؟ قلت: كنت في غلة لي. ثم قال: الكلام الذي كنت ألقيته إليّ في بعض الأيام أعده عليّ. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، إن العرب اشتقت اسم الضر من اسم الضرتين، وإن الضرائر شر الذخائر، والإماء آفة المنازل، ولم يجمع رجل بين امرأتين إلا كان بين جمرتين تحرقه واحدة بنارها وتلحقها أخرى بشرارها. قال: ليس هذا هو! قلت: بلى. قال: ففكر. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الثلاث إذا اجتمعن كن كالأثافي المحرقة، وأن الأربع يتغايرن فلا يصبرن ويتعالين فلا يهوين، وإن أُعطين لم يرضين. قال: لا والله ما هو هذا. قلت: يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الأربع همّ ونصب وضجر وصخب إنما صاحبهن بين حاجة تطلب وبلية تترقب، إن خلا بواحدة منهن خاف شر الباقيات، وإن آثرها كن له أعدى من الحيات، وأخبرتك أن الجواري رجال لا خصى لهن وخرقٌ لا حياة معهن. قال: لا والله ما هو هذا! قلت: بلى إن بني مخزوم ريحانة العرب وكنانة بيت قريش، وعندك ريحانة الرياحين وسيدة نساء العالمين، وحدثتني أنك تهم بالتزوج فقلت لك هيهات تضرب في حديد بارد ليس ذلك بكائن آخر الزمان المعاين! قال: ويلك أتستعمل الكذب؟ قلت: فمع السيوف لعب! قال: فاذهب فإنك أكذب العرب، قلت: فأيهما أصلح، أكذب أم تقتلني أم سلمة؟ فاستلقى ضاحكاً وقال: اخرج قبحك الله! وارتفع الضحك من وراء الستر وانصرفت إلى منزلي فإذا خادم لأم سلمة ومعه خمس بدر وخمسة تخوت وقال: الزم ما سمعناه منك.

قال الأصمعي: قال الخليل بن سهل: يا أبا سعيد أعلمت أن طول رمح رستم كان سبعين ذراعاً من حديد مصمت في غلظ الراقود؟ قال: فقلت ها هنا أعرابي له معرفة فاذهب بنا إليه نحدثه بهذا. فذهبت به إلى الأعرابي فقال له ذلك فقال الأعرابي: قد سمعنا بهذا وقد بلغنا أن رستم هذا واسفنديار أتيا لقمان بن عاد بالبادية فوجداه نائماً ورأسه في حجر أمه فقالت لهما: ما شأنكما؟ فقالا: بلغنا شدة هذا الرجل فأتيناه، فانتبه فزعاً من كلامهما فنفخهما فألقاهما إلى أصفهان فقبورهما اليوم بها. فقال الخليل: قبحك الله ما أكذبك! فقال: يا ابن أخي ما بيننا شيء إلا وهو دون الراقود.

قيل: وقدم بعض العمال من عمل فدعا قوماً إلى طعامه وجعل يحدثهم بالكذب فقال بعضهم: نحن كما قال الله ﷿: سمّاعون للكذب أكالون للسحت.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.