من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)
ما ضمنوه كتبهم من الأشعار وتكاتب به ذوو الظرف والأخطار
أنشدني بعض الأدباء:
هذا كتابُ متيَّمٍخطّت إليك أناملهْ
مزَج المِداد بدمعهفبكتْ عليه عَواذلُهْ
أنت الطبيب فداوِهِيا مُبتليهِ، وقاتلُهْ
وقال آخر:
هذا كتاب فتىً له هِممًعطفَت إليكَ رجاءه هِمَمُهْ
غَلَّ الزمان يَدي عَزيمتهورمى به من حالقٍ قَدَمُهْ
أفضى إليكَ بسرّه قلمٌلو كان يَعقُلُهُ بكى قَلَمُهْ
وقال آخر:
هذا كتابي بدمعِ عينيأملاه قلبي على بَناني
إلى غزالٍ كَنَيتُ عنهيَجِلّ عن اسمه لساني
وقال آخر:
هذا كتاب أخي هوىً وصبابةٍلا يستطيع لِما به كِتمانا
لاقَ الدّواة بعَبرةٍ مسفوحةٍكانت لمُضمَر لاعجٍ عُنوانا
قَرِحَ الفؤادُ تَعوده أشجانهلمّا به بَخِلَ الطبيب وخانا
وقال آخر:
هذا كتاب مُتَيَّمٍيشكو الصَّبابة في كِتابهْ
فاردد عليه جوابهكي يستريح إلى جَوابِهْ
لو كان ينطق ذا الكتابُ شكا إليك عظيم ما بِهْ
وقال آخر:
هذا كتابُ فتىً شكا سَقَماًالِف السُّهاد فشفّه سَقَمُهْ
يبكي عليه جلإون مُقلتهعدد الحروف وقد بكى قَلَمُهْ
لولا مُراقبةُ العدوّ ومنأضحى من الرُّقباء يتّهمُهْ
لبكى علانيةً وقال لهمبَرِح الخَفاء وباح مُكتَتَمُهْ
وقال آخر:
هذا كتابي إليكَ أشكوإن لم تجُدْ لي فما احتيالي
كتبتُ أشكو إليكَ ما بيممّا أقاسي فما تُبالي
يا حَسَن الوجه كُن شَفيعيإليكَ إنْ لم أبُح بحالي
ما ذكر القلبُ منك شيئاًإلا تمثّلتَ لي حِيالي
وقال آخر:
هذا كتابي فتىً لغَيبِكَ حافظٍصَبٍّ بذكرك مُستهامٍ مُدنَفِ
إنْ غبتَ آنسَ طرفه بدموعهوإذا أصابك طرْفُهُ لم يَطرِفِ
وقال آخر:
هذا كتاب أهي هوىً مشتاقٍقَرِحِ الجُفون بدمعه المُهراقِ
أملى هواه على بَنان يمينهفأبان كيف مَصارع العُشّاق
وكأنه يُنبي بما في نفسهمن طول شَوقٍ واكتئابٍ باقِ
وقال آخر:
هذا كتاب مُتيَّمٍ مشتاقٍيشكو إلى مستظرَفٍ ذَوّاقِ
أهدى له الهجران بعد تواصُلٍوكذاك فعل الخائن المَذّاقِ
ما هكذا فعلُ الكِرام فأجمليوتحرّجي أن تَنقضي ميثاقي
وارْثي لصبٍّ هائم قد شفّهطول النحيب وشدّة الإقلاقِ
وأنشدني إبراهيم بن محمد لنفسه:
هذا كتاب متيَّمٍ في قلبهنارٌ تَضَرَّمُ بُكرةً وأصيلا
فإذا قرأتَ كتابه فاجعل لهبعد الصُّدود إلى الوِصال سبيلا
فلقد تركتَ فؤاده في غَمرةٍوتركتَ في الأحشاء منه غَليلا
ولقد تبرّم بالحياة وطُولهاوعسى مَداه أن يكون قليلا
لا تُغرين به رَداهُ وحَينَهُحاشاك أن تُردي يَداك قَتيلا
حاشاك من قَلَقٍ أطارَ رُقادهفأبى الرُّقادَ فما يَلَذُّ مَقيلا
وأنشدني أيضاً لنفسه:
هذا كتابي إليكَ فاقرأكتاب ذي صَبوةٍ عَميدِ
أقلقه شوقه المُعنيّوهدَّه لوعةُ الصُّدودِ
لكنّه في الظلام يبكيبُكاءَ ذي الفَقدِ للفقيدِ
إن كنتَ غضبان فارضَ عنيرِضى الموالي عن العبيدِ
ولأبي الطيّب في هذا المعنى:
هذا كتابي إليكَ فاقرأكتابَ من شفّه السَّقامُ
وارثِ لسُقمي وطول صبريفقد وَهَت منّي العِظامُ
ولا تُرِد قتلتي وهجريفقتلُ حِلفِ الهوى حَرامُ
وقال آخر:
أثَرُ المَحو في سُطور كتابيشاهدٌ لي بعبرةٍ وانتحابِ
وبكائي يدُلّ أني سقيمٌخاضعٌ للهوى طويلُ العذابِ
أنا بين الرجاء واليأس وقفٌلستُ أدري بما يكون جوابي
فإذا اشتقتُ أن أراك أناديفرجَ الله لي من الحُجّابِ
وقال آخر:
غضِبَتْ لمَحوٍ في الكتاب كثيرقالت أراد خِيانتي وغُروري
كتب الكتاب على خلاف ضميرهوالمحوُ فيه لعلّة التغييرِ
ما كان دمعي للغُرور وظنّكمكلاًّ ولا للسهو والتقصير
كَتَبَتْ يميني والدموع هواطلٌحَذَرَ الفِراق لما يُجَنّ ضميري
فالمحوُ من قِبلِ الدموع وإنماتَجري دموع العاشقِ المهجورِ
وقال آخر:
ما زِلتُ أبكي وفي يدي قلمٌحتى استهلّت مدامع القَلَمِ
أكتُمُ وَجدي والدمع يُظهرهبواكفٍ كالجُمان منسَجِمِ
ما زلتُ خِلواً من الهوى فلقدعذّبني من هويتُ بالسَّقمِ
يا سيّداً تاهَ ما يُكلّمنينِمتَ وعينُ الشجيّ لم تَنَمِ
أنا قتيلُ الهوى وميّتُهُلا عَذّب الله قاتلي بدمي
وقال آخر:
إني رفعتُ إليكِ قصة عاشقٍورجوتُ عدلك فانظُري في قصتي
ولقد كتبتُ ودمع عيني ساكبٌفإذا قرأتِ فأحسني وتثبّتي
إن الدموع تفجّرت فتحدّرتْمنها فنونٌ في صفات مودّاتي
لا فَرَج الله الصبابة والهوىعني، ولا زالت عليكِ مضجَنّتي
وقال آخر:
أما الرسول فقد مضى بكتابييا ليتَ شِعري ما يكون جَوابي؟
وتعجّلَت روحي الظنونَ وأُشربَتْطمعَ الحريص ةخشيةَ المُرتابِ
وقال آخر:
أسأل الله خير هذا الكتابقد أتاني برحمةٍ وعذابِ
أشتهي فَكّهُ فأفرَقُ منهُففؤادي مفرَّقُ الأسبابِ
وقال آخر:
كتابُ صبٍّ بدمع عينٍيُمِلُّهُ قلبه الكئيبُ
يكتبه كفه بضعفٍوما لها في الهوى نصيبُ
وقال آخر:
أما الكِتاب فقد مضى وأمامهخوفَ الرقيب وسَطوةُ الحُجّابِ
طلبَ الجواب فأحسِنوا في وُدّكملا تبخلوا عني بردّ جَوابِ
هل تُنقذون متيَّماً ذا صبوةٍأضحى أسير تذكُّرِ وتصابي؟
جودوا عليه برحمةٍ وتعطُّفٍفلقد أطلتُم بالصُّدود عَذابي
أما الكِتاب فمن كئيبٍ عاشقٍكَلِفِ الفؤاد مواصَلُ الأوصابِ
لكنه غادٍ إلى ذي سَلوةٍمتعتِّبٍ في غير كُنهِ عِتابِ
وقال آخر:
لولا الكتابُ الذي جاء الرسول بهمن الحبيب لذاب القلب واحترقا
جاء الرسول على يأسٍ بموعدهوقد قضيتَ فأحيا لي به رَمَقا
وقال آخر:
صِليني بالكتاب وبالسلاموزوري زَورةً في كل عامِ
وجودي بالكتاب وعنونيه:إلى الصبّ الكئيب المُستهامِ
من الشمس المُنيرة يوم دجنٍوبدرٍ لاح من بين الغَمامِ
وناحلةٍ فديتُكِ يا مُنايَأماناً للفؤاد من الغرامِ
وقال آخر:
كتبت إليّ يا روحي كتاباًفوافق مُنيتي وبُلوغَ سُولي
ولولا العيب هِمتُ إليك لمّاتناولتُ الكتاب من الرسولِ
مخافةَ نظرةٍ من عين واشٍوتشنيعِ المَقالةِ بالخليلِ
وقال آخر:
لم يزِدني الكتابُ إلا اشتياقاًواشتعالاً من الهوى في ضميري
بأبي أنتٍِ يا حبيبة قلبيومُناي وغايتي وسُروري
وأنشدني أبو عبد الله الواسطي لنفسه:
كتبتَ إليّ تذكُرُ ما تُلافيمن الشوق المبرِّح والفُراقِ
لعمرُك ما اتّهمتُك في ودادٍولكن لم تُلاقِ كما أُلاقي
فؤادي هائمٌ والعينُ تذريدموعاً تستهلُّ في المآقي
وقد ذقتُ الفِراق وكان مُرّاًكريهاً طعمه عند المَذاقِ
على أني وإن أبديتُ صبراًعلى حدّ الصبابة غيرُ باقِ
وقال آخر:
قولا لمن كتب الكتاب بكفّهارحَم فديتُك ذلّتي وخُضوعي
ما زِلتُ أبكي مذ قرأتُ كِتابهاحتى محوتُ سُطوره بدموعي
وقال آخر:
الدمع يمحو ويدي تكتُبُعنِ الهوى وامتنعَ المَطلَبُ
أمارَ خَدَّي قمرٍ زاهرٍإليه من زهرته المذهَبُ
لقد براني سَقَمٌ قاتلٌوهدّ جِسمي دَنَفٌ مُنصِبُ
وقال الحسن بن وهب:
يا مُنايَ وسروريجُهدنا غيرُ يَسيرِ
والذي نشكوه في الكتب قليلٌ من كثيرِ
لم تُطقْ ألسنُنا منوصفه عُشر عَشيرِ
فثقي يا بأبي أنتِ بمكنون الضمير
ثمّ قولي مطلعَ الجوزاء والشِّعرَى العَبور:
حفظَ الله فتىً بات لها خيرَ سَميرِ
ولبعض المحدثين:
من الوَهم من آثار قبرٍ مُسَنَّمِوهامِ ثرى قبر القتيل المتيَّمِ
ومن طللٍ للشوق لم يعفه البِلىونُؤْيِ وفاءٍ ليس بالمتهدِّمِ
إلى زينة الدنيا ومُنية أهلهاوأحسن من يزهو بطرفٍ وميسَمِ
وأملحِ خلقِ الله قدّاً وصورةًودَلاًّ وإدلالاً على حُبّ مُغرَمِ
سلامٌ على من شَفّني وأذابنيوأسكن قلبي كُلّ وجدٍ ومألمِ
ووكّلني بالنجم أرعى أُفولهوأندبُهُ بالدمع طَوراً وبالدمِ
وأحمدُ من أبلى شبابي بحبّكمعلى البؤس والسرّاء حين التننعُّمِ
وبعد فقد والله يا سولَ عبدِهاومَولاتَه أنضجتِ أحشاي فاعلمي
النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع