من «يتيمة الدهر» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الْبَاب الْعشْر، فِي ذكر الْأَمِير السَّيِّد شمس الْمَعَالِي قَابُوس بن وشمكير
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وإيراد نبذ مِمَّا أَسْفر عَنهُ طبع مجده وألقاه بَحر علمه على لِسَان فَضله
أختم بهَا هَذَا الْجُزْء الثَّالِث من كتابي هَذَا بِذكر خَاتم الْمُلُوك وغرة الزَّمَان وينبوع الْعدْل وَالْإِحْسَان وَمن جمع الله لَهُ إِلَى عزة الْملك بسطة الْعلم وَإِلَى فصل الْحِكْمَة نَفاذ الحكم
فأوصافه لَا تدْرك بالعبارات وَلَا تدخل تَحت الْعرف والعادات
وَإِلَى أَن أعمل كتابا فِي أخباره وسيره وَذكر خَصَائِصه ومآثره الَّتِي تفرد بهَا عَن مُلُوك عصره
فَإِنِّي أتوج هَذَا الْكتاب بلمع من ثمار بلاغته الَّتِي هِيَ أقل محاسنه ومآثره
وأكتب فصولا من عالي نثره مختومة بِبَعْض مَا ينْسب إِلَيْهِ من شرِيف نظمه
مَا يجْرِي مجْرى الْأَمْثَال من كَلَامه
الْكَرِيم إِذا وعد لم يخلف وَإِذا نَهَضَ لفضيلة لم يقف الرَّجَاء كنور فِي كمام وَالْوَفَاء كنور فِي ظلام وَلَا بُد للنور أَن يتفتح وللنور أَن يتوضح الْعَفو عَن المجرم من مواجب الْكَرم وَقبُول المعذرة من محَاسِن الشيم بزند الشَّفِيع تورى القداح وَمن كف المفيض ينْتَظر فوز القداح الْوَسَائِل أَقْدَام ذَوي الْحَاجَات والشفاعات مَفَاتِيح الطلبات من أقعدته نكاية الْأَيَّام أقامته إغاثة الْكِرَام من ألبسهُ اللَّيْل ثوب ظلمائه نَزعه عَنهُ النَّهَار بضيائه قُوَّة الْجنَاح بالقوادم والخوافي وَعمل الرماح بالأسنة والعوالي اقتناء المناقب بِاحْتِمَال المتاعب وإحراز الذّكر الْجَمِيل بالسعي فِي الْخطب الْجَلِيل الدُّنْيَا دَار تغرير وخداع وملتقى سَاعَة لوداع وَأَهْلهَا متصرفون بَين ورد وَصدر وصائرون خَبرا بعد أثر غَايَة كل متحرك سُكُون
وَنِهَايَة كل متكون أَن لَا يكون وَآخر الْأَحْيَاء فنَاء والجزع على الْأَمْوَات عناء وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَلَمَّا التهالك على هَالك حَشْو هَذَا الدَّهْر أحزان وهموم وصفوه من غير كدر مَعْدُوم إِذا سمح الدَّهْر بالحباء فأبشر بوشك الِانْقِضَاء وَإِذا أعَار فاحسبه قد أغار للدهر طعمان حُلْو وَمر وللأيام صرفان عسر وَيسر والخلق معروض على طوريه مقسوم الْأَحْوَال بَين دوريه لكل شَيْء غَايَة ومنتهى وَانْقِطَاع وَإِن بعد المدى ترك الْجَواب دَاعِيَة الارتياب وَالْحَاجة فِي الِاقْتِضَاء كسوف فِي وَجه الرَّجَاء هم المنتظر للجواب ثقيل والمدى فِيهِ وَإِن كَانَ قَصِيرا طَوِيل النجيب إِذا جرى لم يشق غباره والشهاب إِذا سرى لم تلْحق آثاره من أَيْن للضباب صَوت السَّحَاب وللغراب هوى الْعقَاب هَيْهَات أَن تكتسب الأَرْض لطافة الْهَوَاء وَيصير الْبَدْر كَالشَّمْسِ فِي الضياء كل غم إِلَى انحسار وكل عَال إِلَى انحدار
فصل يستحسن الشَّيْخ أَن يخرس عَنهُ أَلْسِنَة الْحَمد وتلتوي عَلَيْهِ حواجب الْمجد فقد احتجب صبح ذَلِك الْأَمر
وَصَارَ مَطْلُوبا فِي لَيْلَة الْقدر فَإِن كَانَ أنزلهُ من قلبه نَاحيَة النسْيَان
وَبَاعَ جليل الرِّبْح بِهِ فِي سوق الخسران فيستحي لَهُ فَضله من فعله وَكفى بِهِ نَائِبا عني فِي عذله وَإِن كَانَ لعذر دَعَاهُ إِلَى التواني فقد أربى ذَلِك على سير السواني وكلا فَإِن كرمه يراوده عَن أشرف الْخِصَال ويأبى لَهُ إِلَّا محَاسِن الْأَفْعَال
فصل عَاد فلَان وَقد علته بشاشة النجاح ودبت فِي نشوة الارتياح تلوح مَسَرَّة الْيُسْر على جَبينه وتصيح بِانْقِضَاء الْعسر أسرة يَمِينه
فصل وَأما إعجاب ذَلِك الْفَاضِل بالفصول الَّتِي عرضتها عَلَيْهِ لم يكن على مَا أَحْسبهُ إِلَّا لخلة وَاحِدَة وَهِي أَنه وجد فَنًّا فِي غير أَهله فاستغربه وفرعا فِي غير أَصله فاستبدعه
وَقد يستعذب الشريب من منبع الزعاق ويستطاب الصهيل من مخرج النهاق
وَلَكِنَّك فِيمَا أقدمت عَلَيْهِ من بسط اللِّسَان بِحَضْرَتِهِ وإرخاء الْعَنَان فِيهِ بمشهده كنت كمن صالت بوقاحته الْحجر وحاسن بقباحته الْقَمَر
وَلَا كَلَام فِيمَا مضى وَلَا عتب فِيمَا اتّفق
فصل وَجرى توقيع لَهُ قَبِيح بِمن تسمو همته إِلَى قصد من تغلو عِنْده قِيمَته أَن تكون على غَيره عرجته أَو إِلَى سوى بَيته زيارته وحجته
وَمن مَشْهُور مَا ينْسب إِلَيْهِ من الشّعْر قَالَ
قَالَ للَّذي بصروف الدَّهْر عيرنَاهَل حَارب الدَّهْر إِلَّا من لَهُ خطر
أما ترى الْبَحْر تعلو فَوْقه جيفويستقر بأقصى قَعْره الدُّرَر
فَإِن تكن نشبت أَيدي الزَّمَان بِنَاونالنا من تمادي بؤسه الضَّرَر
فَفِي السَّمَاء نُجُوم مَا لَهَا عددوَلَيْسَ يكسف إِلَّا الشَّمْس وَالْقَمَر
كَأَنَّهُ ألم فِيهَا بقول ابْن الرُّومِي
دهر علا قدر الوضيع بِهِوَترى الشريف يحطه شرفه
كالبحر يرسب فِيهِ لؤلؤهسفلا وَتَعْلُو فَوْقه جيفه
وَمثله
بِاللَّه لَا تنهضي يَا دولة السّفلوقصري فضل مَا أرخيت من طول
أسرفت فاقتدي جَاوَزت فانصرفيعَن التهور ثمَّ أَمْشِي على مهل
مخدمون وَلم تخْدم أوائلهممخولون وَكَانُوا أرذل الخول
وينسب لَهُ هَذَانِ البيتان وَقد يغنى بهَا
خطرات ذكرك تستثير مودتيفأحس مِنْهَا فِي الْفُؤَاد دبيبا
لَا عُضْو لي إِلَّا وَفِيه صبَابَةفَكَأَن أعضائي خُلِقْنَ قلوبا
هَذَا آخر الْقسم الثَّالِث من كتاب يتيمة الدَّهْر فِي محَاسِن أهل الْعَصْر حسب تَقْسِيم الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى ويليه الْقسم الرَّابِع فِي محَاسِن أهل خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر نسْأَل الله تَعَالَى أَن يعين على إكماله بمنه وفضله فِي محَاسِن أشعار أهل خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر من إنْشَاء الدولة السامانية والغزنية والطارئين على الحضرة ببخارى من الْآفَاق والمتصرفين على أَعمالهَا وَمَا يستظرف من أخبارهم
وخاصة أهل نيسابور
والغرباء الطارئين عَلَيْهَا
والمقيمين بهَا
قَالَ مؤلف الْكتاب
لما كَانَ أول الْكتاب مرتهنا بِآخِرهِ وصدره مَوْقُوفا على عَجزه وَلم تكد تحصل تَمام الْفَائِدَة فِي فاتحته وواسطته إِلَّا عِنْد الْفَرَاغ من خاتمته واستعنت الله تَعَالَى على عمل هَذَا الرّبع الرَّابِع مِنْهُ وأخرجته فِي عشرَة أَبْوَاب وَالله سُبْحَانَهُ الْمُوفق للصَّوَاب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع