من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
خبر الأصدقاء الثَّلَاثَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابنَا أنَّ عَبْد
الْملك بْن مَرْوَان كتب إِلَى الحَجَّاج: أنفذ مَعَ عَبْد اللَّه بْن كَعْب أَرْبَعَة آلَاف إِلَى خُرَاسَان فَفعل، فشخص فِي المعسكر ثَلَاثَة كَانُوا متؤاخين متصاحبين عَلَى اللَّذَّات ومعاقرة الشَّرَاب، يُقَالُ لَهُمْ: أَوْس بْن حَارِثَة وأنيس بْن خَالِد وَبشر بْن غَالب، وَكَانُوا إِذَا نزلُوا منزلا انفردوا دون النّاس فَخَلَوْا بشرابهم ولذاتهم، فَلم يزَالُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى دخلُوا سجستان ونزلوا رزداق راوند وخزازي..قَالَ أَحْمَد بْن يحيى: الصَّوَاب مَا ذكره وَهُوَ رزداق، ورستاق خطأ - فَمَاتَ أَوْس - قَالَ القَاضِي: أصل هَذَا الْكَلَام بِالْفَارِسِيَّةِ وعُرِّب فَقيل: رزداق ورستاق، وَهُوَ أَكثر فِي كَلَام من تَقَدَّمَ وَمن تَأَخّر فِيمَا وَردت الْأَخْبَار عَنْهُمْ بِهِ فَعظم حزنهما عَلَيْهِ وجزعهما لَهُ، وَقَالَ أنيس يرثيه:
تَخَطّى إِلَى الموتَ من بَيْنَ من أرىفأتلفَ نُدْماني لَقَدْ جَار واعْتَدَى
أثْلَبَني فَتى كَانَ النديمَ حياتَهُلَنَا دُونَ خَلْق اللَّه كَانَ أَبَا الرِّضَا
حَلِيمًا أديبًا ماجدًا ذَا سَمَاحَةٍبَعيدا عَن الْفَحْشَاء وَالشَّر والخنا
أَمينا جوادًا غَيْرَ كَزٍّ مخالفٍوَلَا جاعلا ربًّا من المَال مَا حَوَى
يخَوَّنَه الدَّهْر الخَئُونُ برِيبةٍفَأصْبح رهنا للصفائح والصّفَا
أناديه يَا أوسُ بْنُ حَارِثَة الَّذِيبِهِ كنتُ أنْفِي الهَمَّ عني والأذى
أجبني لقد أنفذت بالوجد عَبرتيعَلَيْكَ أما ترثي لباكٍ إِذَا بَكَى
وَقد كنت ذَا رأيٍ وسَمْع وفِطْنَةسَرِيعا إِلَى الدَّاعِي مجيباً الندا
فَلَيْسَ لَنَا إِذَا مَاتَ أَوْس منادِمٌسِوى قَبره حَتَّى يحل بِنَا الرَّدَى
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا:
وردنا خُزازى إِذْ وردنا ثَلَاثَةكأنا جَمِيعًا أَيهَا النّاس واحدُ
أنيسٌ وأوسُ الْحَارِثِيّ بْنُ خَالِدوَنصر أخوهم والمنايا رواصدُ
فَكُنَّا وَلَا نبغي من النّاس رَابِعاكأنا أثاف لَا نَريمُ رواكدُ
فَلَمّا رمانا النّاس بالأعين الَّتِيمَتَى يَرْمُقوا شَيئًا بهَا فَهو بائدُ
رمتني بَنَات الدَّهْر منا بأسْهُمٍونبل المنايا للرِّجَال قواصدُ
فأردَيْنَ أَوْسًا لهفَ نَفْسِي لفقدهسَقي قبرَه صَوْبُ الغَمامِ الرَّواعدُ
فَمَاتَ أنيس فَعظم حزن نصر عَلَيْهِ، واتصل بكاؤه وجزعه لَهُ، وَقَالَ يرثيه:
أنيس فدته النَّفس مَيْتًا فقدتُهُفنفسي لَهُ حَرَّى عَلَيْهِ تَقَطّعُ
أنيس فدتك النفسُ أصبحتُ مُفردًاوحيدًا فَمَا أَدْرِي أخي كَيْفَ أصنعُ
أنيس فَدْتكَ النَّفس خُلّفْتَ حَسْرةًعليّ فعيني الدَّهْر مَا عشتُ تُدْمُع
أنيس فدتك النَّفس مَاذا رزئتهلَقَدْ خفت أَن أَقْْضِي وشيكًا فأسْرعُ
فَكيف بقائي بَعْدَ أوسٍ أخي الفدىوَبعد أنيس لستُ فِي الْعَيْش أطمعُ
ثُمَّ جعل يجلس بَيْنَ قبريهما فيشرب قدحًا وَيصب فِي كلّ قبر قدحاً، وَيَقُول:
خليلي هبا مَا قَدْ رَقَدْتُماأجَدَّكُما لَا تقضيان كَرَاكُما
ألم تعلما مَا إِن راوند كُلّهاوَلَا بخزازي لي صديق سواكما
أصبُّ عَلَى قبريكما من مدامةفإلا تَذُوقا أرْوِ مِنْهَا ثَرَاكُما
مُقيم عَلَى قَبْريكما لستُ بارحًاطوال اللَّيَالِي أَوْ يُجيب صَدَاكما
أجدكما مَا ترثيان لموجعحَزِين عَلَى قبريكما إِذْ بكاكما
جرى النّوم بَيْنَ اللّحم والعظم مِنْكُمَاكأنّكُما كَأسَيْ عُقَارٍ سَقَاكُمَا
ألم ترحمَاني أنني صِرْت مُفْردًاوأنِّيَ مُشْتَاقٌ إِلَى أَن أرَاكُما
أناديكما بالجهر مني صَبَابَةكأنكما لَمْ تسمعا من دَعَاكُما
فَإِن كنتما لَا تسمعاني فَمَا الَّذِيخليلي عَن سمع الدُّعَاء عداكما
سأبكيكما حَتَّى الْمَمَات فَمَا الَّذِييَرُدَّ عَلَى ذِي عَوْلَةٍ إِن بَكَاكُمَا
فَلم يزل يشرب ويردد هَذَا الشّعْر حَتَّى مَاتَ، فَدفن إِلَى جانبهما، فقبورهم هُنَاكَ تسمى قُبُور الْإِخْوَة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع