من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
الصمصامة سيف عَمْرو بْن معدي كرب
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعقيلِيّ أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق بْن الْحَارِث، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمَد بْن أبي مُحَمَّد اليزيدي، قَالَ: كَانَ أبي ربّى الرشيد ومُوسَى ابْني المهديّ وأدَّبهما قَالَ: فَدخلت عَلَى مُوسَى وَقد اسْتخْلف وَكَانَ يجلني ويكرمني، فَسلمت فَرد عَليّ السّلام واستقعدني فَقَعَدت، وَإِذا بَيْنَ يَدَيْهِ سيف عريض كَأَنَّهُ بقلة، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا سيف عَمْرو بْن معدي كرب الصمصامة، فاستحسنته، فَقَالَ لي أَمِير الْمُؤمنِينَ: قَدْ كنت سَأَلت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي ﵁ أَن يهب لي هَذَا السَّيْف فضنَّ بِهِ عَنْي ومنعنيه، فآليت إِن بَلغنِي اللَّه
تَعَالَى أملي أَن أمتحنه، وَقد عزمت على أَن أَدْعُو غلامي طرخان الحريري وَهُوَ جيد الذِّرَاع، وَأَن يحضر لي صَخْرَة سَوْدَاء طولانية من حِجَارَة القصارين، وأتقدم إِلَيْهِ أَن يجمع يَدَيْهِ فِي السَّيْف ثُمَّ يضْرب بِهِ الرَّأْس الدَّقِيق من الصَّخْرَة، فَإِن سلم سلم وَإِن يقطع يقطع، قَالَ: فَلم نزل نطلب إِلَيْهِ ونسأله إعفاء السَّيْف من المحنة ونقول: شرفٌ من شَرَف الْعَرَب وَسيف لَا يُوجد مثله، فَأبى ودعا غُلَامه طرخان وأحضر الصَّخْرَة، قَالَ أَحْمَد، قَالَ أبي: فَقلت لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! فَإِذا لَمْ تُطِعْنِي فاعمل لَهُ حَدِيثا يبْقى على الدَّهْر، يدْخل من بِالْبَابِ من الشُّعَرَاء حَتَّى يحضروا السَّيْف ومحنته، فَإِن سلم وصفوه وَإِن يقطع رثوه، فَأمر بإحضار الشُّعَرَاء، وَكَانَ بِالْبَابِ مِنْهُم أَبُو الهول وَأَبُو الغول التَّمِيمِي وَسلم الخاسر، فَقيل لَهُم: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أحْضركُم لمحنة هَذَا السَّيْف فَمن أحسن الْوَصْف لَهُ وَالْقَوْل فِيهِ فصلته عشرَة آلَاف دِرْهَم وخلعة وحملان، ثمَّ أحضر طرخان وَالسيف بَين يَدي مُوسَى، فحسر عَنْ ذِرَاعَيْهِ وهزّه وَجمع يَدَيْهِ فِي قَائِمَة ثُمَّ ضَرَب بِهِ الصَّخْرَة فَمضى فها باترًا لَهَا وَلم يصبهُ شَيْءٍ، فَأَما أَبُو الهول فَلم يصف شَيئًا، وأمّا سلم فَلم يرض مَا قَالَ، وأمّا أَبُو الغول فوصف فَأحْسن وَأخذ الصِّلَة عشرَة آلَاف دِرْهَم والْحُملان وَالْخلْع وَانْصَرف، وَأمر لأبي الهول وَسلم الخاسر بِخَمْسَة آلَاف خَمْسَة آلَاف وانصرفا، فَكَانَ الشّعْر لأبي الغول حَيْثُ يَقُولُ:
حَازَ صمصامة الزَّبِيديّ من بِين جَمِيع الْأَنَام مُوسَى الْأمين
سيف عَمْرو وَكَانَ فِيمَا علمنَاخيرُ مَا أغمدتْ عَلَيْهِ الجفون
أَخْضَر اللَّوْن بَيْنَ حَدَّيْه بردٌمن رياحٍ تَمِيسُ فِيهِ المَنُون
أوقدتْ فَوْقه الصَّوَاعِق نَاراثُمَّ شابته بالزُّعاف القيون
فَإِذا مَا سللته بهر الشمس ضِيَاء فَلم تكد تَسْتَبِين
مَا يُبَالِي إِذَا الضّريبة حانتأشمالٌ سَطَتْ بِهِ أم يَمِينُ
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع