من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
تَعْلِيق لغَوِيّ (٣)
قَالَ القَاضِي: قَول أنيس فِي شعره: كأنا أثاف لَا تريم رواكد، الأثافي أثافي الْقدر، وَهِي مَا تنصب عَلَيْهِ من حِجَارَة أَوْ غَيرهَا، والواحدة أثفية، وَمثله أُمْنِية وأماني وأوقية وأواق، وَقد يُخَفف هَذَا فَيُقَال أماني وأواقي، وروى عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمين أَنَّهُ قَرَأَ " لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أماني " بِالتَّخْفِيفِ، وَقيل: هُوَ فِي تخفيفه وتشديده بِمَنْزِلَة قراقر وقراقير فِي جمع قُرْقُور، وَالْعرب تَقول فِي دعائها عَلَى الرَّجُل: رَمَاه اللَّه بثالثة الأثافي يُرِيدُونَ الْجَبَل، لأَنهم يجْعَلُونَ للقدر أثفيتين ويسندونهما إِلَى الْجَبَل فيغنيهم عَنْ أثفية أُخْرَى، وَقيل: إِنَّهُم يخففون الأثافي من هَذَا الْبَاب أَكثر من تخفيفهم غَيره لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله، وَمن قَالَ هَذَا وَنَحْوه: الْأَخْفَش وَقَوله: لَا تريم، أَي لَا تَبْرَح، يُقَالُ: لَا أريم وَمَا أريم، وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي النَّفْي لَا يُقَالُ: مَا رمت كَمَا يُقَال مَا زلت، وَلَا يُقَالُ زلت فِي الأبيات، قَالَ الشَّاعِر:
لَمِنْ طَلَلٌ برامة مَا يريمعَفَا وخَلا لَهُ حُقْبٌ قديم
وَقَالَ الْأَعْشَى:
أَبَانَا فَلا رِمْتَ مِنْ عِنْدَنافإنّا بخيرٍ إِذَا لَمْ تَرِم
وَقَالَ أَيْضا:
أَفِي الطَّوْفِ خِفْتِ عَلَيَّ الرَّدَىوَكم من ردٍ أَهله لَمْ يَرِم
وَقَول نصر بْن غَالب فِي أنيس أَيْضا: لَقَدْ خفت أنْ أَقْْضِي وشيكًا أسكن الْيَاء فِي أقضى وَحكمهَا أَن تنصب بِأَن ليسلم بَيته من الانكسار، وَقد يَجْعَل هَذَا عَلَى لُغَة من يَقْرَأ الْفِعْل الْمُضَارع عَلَى الرّفْع بَعْدَ أَن وَلَا ينصبه وَقد جَاءَت فِي الشّعْر أَبْيَات عَلَى هَذَا فِي الصَّحِيح غَيْر المعتل، من ذَلِكَ قَول الشَّاعِر:
وَإِنِّي لأجتاز القِرى طَاوِيَ الحَشَامُحَاذَرَةً من أَن يُقَالُ لئيمُ
وروى بَعضهم عَن مُجَاهِد أنَّه قَرَأَ: " لِمَنْ أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة " وَالْأَشْهر عَنْهُ: من أَرَادَ أَن يتمَّ الرضَاعَة، وعَلى تَوْجِيه الْفِعْل إِلَيْهَا وَقِرَاءَة الْجُمْهُور من السّلف وَالْخلف الَّتِي لَا نستجيز تَعَدِّيها " من أَرَادَ أَن يتمَّ الرضَاعَة " لوجُوب الحجَّة بنقلها لصحتها فِي الْعَرَبيَّة ومقاييسها، وَمِمَّا أسكنت ياؤه من معتل هَذَا الْبَاب قَول الْأَعْشَى:
فَتى لَوْ يُنادي الشَّمْسُ ألقتْ قِنَاعهاأَو القَمَر السّاري لألْقَى المَقَالدا
وَجَاء مثله فِي الْوَاو، وَذَلِكَ قَول الفرزدق:
فَإِن حَرَامًا أَن أسبَّ مُقَاعِسابآبائي الشُّمِّ الكرامِ الخضارمِ
وَلَكِن نَصَفًا لَوْ سببتُ وسَبّنيبَنو عَبْد شمسٍ من منافٍ وهاشمِ
أُولَئِكَ أكفائي فجئتني بمثلهموأعبدُ أَن أهجو كُلَيْبًا بدارمِ
وَمثل هَذَا كثير وشواهده وَذكر علله من جِهَة النَّحْو وَالْإِعْرَاب وَاسع جدا، وَله مَوضِع هُوَ أولى بِهِ، وَقد أضيفت جملَة هَذَا الشّعْر وَالْخَبَر الَّذِي تضمنه فِي رِوَايَة أُخْرَى إِلَى قُس بْن سَاعِدَة وَأَنه أنْشد هَذَا فِي نديميه، وَقد روينَاهُ فِي أَخْبَار قُسِّ وأقاصيصه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع