من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
مَالك بْن أَسمَاء يضْرب لِلْحَجَّاج مثلا
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنِي بْن أَبِي سَعِيد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر الضَّبِّيّ، قَالَ: عَاصِم بْن الحَدَثَان، حَدَّثَنِي من شهد الحَجَّاج وَهُوَ يُعاتب مَالك بْن أَسمَاء وَكَانَ يَسْتَعْمِلهُ عَلَى الْحيرَة وطَسُّوجِها، فَشَكَاهُ أهل الْحيرَة فَبعث إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا عَدو اللَّه! استعملتُك وشرَّفتك وَأَرَدْت أَن ألحقك بعلية الرِّجَال فأفسدت نِعْمَتك، وأشمت بأختك ضرائرها، وفضحت نَفسك، وأقبلتَ عَلَى الْبَاطِل وَمَا لَا يحب اللَّه من الشُّرب وَقَول الشعرن والانتشار بِهِ وَأَقْبَلت تغني، وَتقول:
حبّذا لَيْلَتي بتلّ بُوَنَّاحَيْثُ نُسْقَى شرابنا ونُغَنَّي
بِشرب الكاسِ ثُمت الكاس حَتَّىيحسَبَ الجاهلون أنَا جُننّا
أما لأُخْرِجَنّ جنونك من رَأسك، يَا حَرَسيّ أَدْخل مَنْ بِالْبَابِ من أَهْل الْحيرَة، فَدخلت جماعةٌ مِنْهُم شيخ من بني بَقِيلة، فَقَالَ لَهُم، أيُّ أميرٍ أميركم؟ قَالَ الشَّيْخ: خيرُ أميرٍ، غَيْر أَن الْخمر غليت مُنْذُ وَلِينا، قَالَ: وَكَيف ذَاك، قَالَ الشَّيْخ: أَخَذَ ألفَ دِنٍّ فِي شهر، قَالَ الحَجَّاج: قَاتله اللَّه مَا أمكره من شيخ! لجَادَ مَا تخلص إِلَى مَا يُرِيد، قَالَ: ومالكٌ ساكتٌ لَا يتَكَلَّم، فَأدْخل عَلَيْه مِلْحَان بْن قيسٍ الرّاسبيّ وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قَدْ شهد مشَاهد الحَرُوريَّة فبُعِثَ إِلَيْهِ من الْبَصْرَة، فَقَالَ لَهُ الحَجَّاج: أمِلْحان؟ قَالَ: نعم ملْحان، قَالَ: أَحْمد
اللَّه الَّذِي خَصَّني بقتلك وأراق دَمَكَ عَلَى يَدي، قَالَ: فَضَحِك ملْحَان، وقَالَ: واللَّه مَا رأيتُ رَجُلا كَالْيَوْمِ أبعدَ من كل خير وَلا أقرب من كُلّ قَبِيح، واللَّه يَا حَجّاج لَو عرفت أَن لَك رياً وخِفْتَ عذَابا ورجوتَ ثَوابًا، مَا اجْتَرأت عَلَى اللَّه هَذِهِ الجرأة، دونَك دمي فأرِقْه، فَالْحَمْد للَّه الَّذِي أكرمني بهوانك، عَلَيْك لعنةُ الله وعَلى من وَلَا، فاستشاط الحجاجُ وَغَضب، وقَالَ: اضْرِب عُنُقه، فضُرب عُنُقه فَتَدَهْدَهَ رأسُه حَتَّى كَاد يصيبُ مَالك بْن أَسمَاء، قَالَ: ثُمّ سكن الحَجَّاج قَلِيلا، ثُمّ قَالَ لمَالِك: تكلم، أما لَك عُذرٌ؟ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَك، فَقَالَ مَالك: أصلح اللَّه الْأَمِير، إِن لي وَلَك مثلا، قَالَ الْحجَّاج: مَا هُوَ قَبّح اللَّه أمثالكم يَا أَهْل الْعرَاق، قَالَ: زَعَمُوا أَن أسدًا وثعلبًا وذئبًا اصطحبوا فَخَرجُوا يتصيَّدُون، فصادوا حمارا وظبيًا وأرنبًا، فَقَالَ الْأسد للذئب: يَا أَبَا جعدة! اقْسمْ بَيْننَا صيدنا، قَالَ: الْأَمر أبين مُنْذُ لَك، الْحمار لَك والأرنب لأبي مُعَاوِيَة، والظبي لي، فخبطه الْأسد فأنْدَرَ رَأسه، ثُمّ أقبل عَلَى الثَّعْلَب، وقَالَ: قَاتله اللَّه مَا أجهله بِالْقِسْمَةِ هَات أَنْت، قَالَ الثعب: يَا أَبَا الْحَارِث! الْأَمر أوضح من ذَلِك، الْحمار الْحمار لغذائك والظَّبْيُ لعشائك وتخلَّلْ بالأرنب فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ الْأسد: مَا أقضاك! من علمك هَذِهِ الْقَضِيَّة؟ قَالَ: رأسُ الذِّئْب النَّادِرُ بَيْنَ عَيْني، وَلَكِن رَأس ملْحَان أبطل حجتي أصلحك اللَّه، قَالَ: أَخْرجُوهُ عني قبَّحه اللَّه وقَبَّح أَمْثَاله.
قَالَ عَاصِم بْن الْحدثَان: ملْحَان الَّذِي يَقُولُ:
وأبيضَ مخباتٍ إِذا اللَّيْل جَنَّهُرَعَى حَذَرَ النَّارِ النُّجُوم الطَّوالِعا
إِذا استثقل الأقوامُ نوما رأيتَهُحذارًا عِقَاب اللَّه لِلَّهِ ضَارِعا
فَطَوْرًا تَبَكَّى سَاجِدًا مُتَضرِّعًاوطورًا يُنَاجِي اللَّه وَسْنان رَاكِعَا
صَحِبت فَلم أذْمُمْ وَمَا ذَمَّ صُحْبتيوَكَانَ لخلّات المكارم جَامعا
سَخِيًّا شجاعًا يَبْذُل النَّفْس فِي الوغىحَيَاةً إِذا لَاقَى العدوَّ المقارعا
فلاقى المنايا مُسْلِمُ بْن خويلدفَلم يكُ إذْ لاقَى الْمنية جازعًا
مضى والقَنَا فِي نَحره متقدِّمًاإِلَى قِرْنِهِ حَتَّى تكعكع رَاجعا
وأدبرت الأقْرَان عَنْهُم وخافهموَكَانَ قَدِيما للعَدُوِّ مُمَاصِعا
فَمَاتَ حميدا مُسْلِم بْن خويلدلأهل التقى والحزم والحلم فاجعا
ومُسْلِم بْن خويلد بْن زَيَّان الرَّاسِبي، قُتِل يوْم النهروان، وَأم مُسْلِم أُخْت وَهْب الرَّاسِبي أعقب السَّجَّاد، عَبْد اللَّه بْن وَهْب ذِي الثفنات وَكَانَ يُقَالُ لَهُ السَّجَّاد.
قَالَ: القَاضِي: حَتَّى تكعكع رَاجعا مَعْنَاهُ ارْتَدَّ رَاجعا ووقف عَنِ الْمُضِيّ والاستمرار عَلَى وتيرته، وَقَوله: وَكَانَ قَدِيما لِلْعَدو مماصعًا: والمماصعة الْمُضَاربَة والمجالدة، يُقَالُ:
ماصعه مماصعةً ومصاعًا مثل ضاربه مُضَارَبَة وضرابًا، وقاتله مقاتلة وقتالا وصارعه مصارعة وصراعًا.
وَمن المصاع، قَول الْأَعْشَى:
إِذا هنّ نازلن أقرانهنوَكَانَ الْمِصاعُ بِمَا فِي الْجُوَقْ
يصف جواري يلهون ويتلاعبن تضارباً بحليهن، وقَالَ الْقطَامِي:
تراهم يَغْمزُون من استركواويجتبنون مَنْ صدق الْمِصَاعَا
وَرُوِيَ عَنْ أَمِير الْمُؤْمِنِين عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ﵇ فِي التذكية. إِذا مَصَعت بذَنَبِها وَهُوَ من هَذَا، وَجَاء عَنْ بعض أَهْل التَّأْوِيل فِي الْبَرْق: " مَصْعُ ملكٍ " فِي مثل هَذَا الْمَعْنى.
وَفِي المَثَل الَّذِي ضربه مَالك بْن أَسمَاء لِلْحَجَّاج تأديبٌ وتنبيه، وَقِيَاس زتشبيه، وَيعْتَبر بِهِ ذَوُو اللب، وتتمكن حكمته فِي الْقلب.
وَمِمَّا يضارع هَذَا الْمثل مِمَّا أَتَى بِهِ الْحُكَمَاء عَلَى ألسن الْبَهَائِم: مَا ذكرمن أَن الْأسد كَانَ يلازمه ويحضر مَجْلِسه ذئبٌ وثعلب، وَأَن الْأسد وجد عِلَّةً فَتَأَخر عَنْهُ الثَّعْلَب أَيَّامًا فتفقده وَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا فعل الثَّعْلَب فَأَنا لَمْ أره مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام مَعَ مَا عرض لي من الْمَرَض، فانتهزها الذِّئْب ليُغري بِهِ الْأسد وَيفْسد حَاله عِنْده، ويحمله عَلَى مكروهه، فَقَالَ: أَيهَا الْملك مَا هُوَ إِلا أَن وقف عَلَى عِلَّتِك حَتَّى استبدَّ بِنَفسِهِ وَمضى فِيمَا يَخُصّه من كَسبه ولهوه، وَبلغ الثَّعْلَب هَذَا فَوَافى الْأسد فَلَمَّا دخل عَلَيْه، قَالَ: مَا أخَّرك عنِّي مَعَ علَّتي وحاجتي إِلَى كونك بِالْقربِ مني، قَالَ: أَيهَا الْملك لما وقفت عَلَى الْعِلَّة الْعَارِضَة لَك لَمْ يَسْتقرّ بِي قَرَار، وَجعلت أجول وأجوب الْآفَاق إِلَى أَن وقفت عَلَى مَا يشفى الْملك من مَرضه، فَقَالَ: قَدْ علمت أنَّكَ لَا تفارق نصيحتي وَلا تخرج عَنْ طَاعَتي، فَمَا الَّذِي وقفت عَلَيْه مِمَّا أشْتَفِي بِهِ، قَالَ: تتَنَاوَل خُصَى ذِئْب، فَإنَّهُ يُبرئك حِين يستقرُّ فِي جوفك، قَالَ: أَنَا عَامل عَلَى هَذَا، وَخرج الثَّعْلَب فَجَلَسَ فِي دهليز الْأسد، ووافى الذِّئْب فحين وقف بَيْنَ يَدَيْهِ وثب عَلَيْه، فالتهم خُصْيتيه، فَخرج والدمُ يسيل وَيجْرِي عَلَى فَخذيهِ، فَلَمَّا مرَّ بالثعلب، قَالَ لَهُ: يَا صَاحب السِّروال الْأَحْمَر، إِذا جالست الْمُلُوك فَانْظُر كَيفَ تذكرُ حاشيتهم عِنْدهم.
وَقَدْ روينَا فِي بعض مجالسنا هَذِهِ أَنَّهُ قِيلَ لبَعض الْحُكَمَاء: مِمَّنْ تعلمت الْعقل؟ قَالَ: مِمَّنْ لَا عقل لَهُ، كُنْت أرى الْجَاهِل يفعل الشَّيْء فيضرُّه فأجتنبه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع