من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
لحن الرَّاوِي فِي كلمة خير
قَالَ: القَاضِي: هَكَذَا أما علينا الشُّحَيْمي هَذَا الْحَدِيث، وَلَفظ بِهِ كَمَا روينَاهُ، فَقَالَ: يُقَالُ لَهَا خيرا، وَلَم يَكُنْ ذَا علم بطريقة الْإِعْرَاب، وَلَعَلَّه لحن فِيهِ فغيَّره عَنْ صَوَابه، ولحن فِيهِ بعضُ من تقدَّمه من رُواته الَّذِين لَا معرفَة لَهُم بتصاريف الْإِعْرَاب ووجوهه، وَالصَّوَاب فِيهِ عِنْدِي أَن يَكُون اللَّفْظ فِي الْخَبَر أَتَى عَلَى الصِّحَّة وَهُوَ يُقَالُ لَهَا خير، فَلَو كَانَ اللَّفْظ خيراء عَلَى فعلاء، أَوْ فعلى على خيرى، لَكِن وَجها مَعْرُوف الْمَذْهَب فِي الْعَرَبيَّة، غَيْر أَنَّهُ كَانَ غَيْر مَصْرُوف وَلا مُنَون، وَالْمَشْهُور من هَذَا الْخَبَر التَّنْوِين، وَأَن خيرا فِيهِ من الخيرالذي هُوَ ضد الشَّرّ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِذا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ الثَّنَاءَ "، وَالْعرب تَقُولُ: جزى اللَّه فلَانا خيرا إِذا دعت لَهُ، وجزاه اللَّه شرًّا إِذا دعت عَلَيْه، كَمَا قَالَ الشَّاعِر فِي الْمَعْنى الأول:
أَلا رَجُلا جزاهُ اللَّه خيرايَدُلُّ عَلَى محصلةٍ تَبِيتُ
وقَالَ أَبُو مَعْبَد:
جزى اللَّهُ رَبُّ الناسِ خير جَزَائِهِرفيقن قَالا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
وقَالَ الحطيئة فِي الْمَعْنى الثَّانِي:
جَزَاكِ اللَّهُ شَرًّا من عجوزٍولَقَّاكِ الْعُقُوقَ من البَنِينا
وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الْمَعْرُوف بَيْنَ خَاصَّة النَّاس وعامتهم، وَغير مُمْتَنع عِنْدِي أَن يَكُون خير اسْم الشَّجَرَة ويَعْني بقولِ الْقَائِل: جَزَاك اللَّه خيرا الْخَيْر الْمَعْرُوف، فَيُجْزَى تِلْكَ الشَّجَرَة إِذا كَانَتْ خيرا من الْخُيُور، وَنَظِير ذَلِكَ قَوْلهم: ويلٌ لفُلان، وذُكِر سِيبوَيْه أَنَّهُ قُبُوح، وقَالَ: غَيره نَحْو ذَلِكَ، وَجَاء عَنْ عددٍ من أَهْل التَّأْوِيل أَنَّهُ وادٍ فِي جَهَنَّم، فَتَأمل هَذَا فَإنَّهُ وجْهٌ لطيفٌ حَسَن.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع