من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
من أَخْبَار خَالِد بْن يَزِيد الْكَاتِب
حَدَّثَنَا يَزِيد بْن الْحَسَن الْبَزَّاز، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِد الْكَاتِب، قَالَ: دخلتُ عَلَى أَبِي عُبَاد أَبِي الرَّغل بْن أَبِي عُبَاد، وَعِنْده أَحْمَد بْن يَحْيَى وَابْن الْأَعرَابِي فَرفع مجلسي، فَقَالَ لَهُ ابْن الْأَعرَابِي: من هَذَا الْفَتى الَّذِي أَرَاك ترفع من قدره؟ قَالَ: أَوْ مَا تعرفه؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: هَذَا خَالِد الْكَاتِب الَّذِي يَقُولُ الشّعْر، فَقَالَ: أَنْشدني من قَوْلك شَيْئا فَأَنْشَدته:
لَو كَانَ من بشرٍ لَمْ يَفْتِنِ البَشَراوَلَم يَفُقْ فِي الضياء الشَّمْس والقمرا
نور تجسَّم منحلٌ ومعقدٌلَو أدركتْه عيونُ النّاس لانكدرا
فصاح ابْن الْأَعرَابِي، وقَالَ: كفرت يَا خَالِد هَذِهِ صفة الْخَالِق لَيست صفة الْمَخْلُوق، فأنشدني مَا قُلْتُ غَيْر هَذَا، فَأَنْشَدته:
أَرَاك لما لَججْتَ فِي غَضَبِكتَتْركُ رَدَّ السَّلامِ فِي كُتُبِك
حَتَّى أتيت عَلَى قولي:
أقولُ للسُّقْم إِلَى بدنيحبا لشفاً يَكُون من سَببك
فصاح ابْن الْأَعرَابِي، وقَالَ: إِنَّك لفطنٌ وَفَوق مَا وَصَفْتِ بِهِ.
قَالَ القَاضِي: ابْن الْأَعرَابِي هَذَا أولى بِصفة الْكفْر من خَالِد، لِأَن خَالِدا لَمْ يَصِفْ مَنْ ذكَرَهُ فِي شعره إِلا بِصفة المخلوقين، إِذْ النورُ مَخْلُوق متجسَّمُه ومُنْحلَّهُ ومنعقِدُه، وَهُوَ والظلمة من خلق اللَّه تَعَالَى، وَإِنَّمَا يُنكر خَلْقَهُمَا ويَدَّعي أَنَّهُمَا أصلان قديمان الثنوية، وَابْن الْأَعرَابِي إِذْ جعل هَذِهِ الصّفة للخالق دون الْمَخْلُوق جَاهِل بِالدّينِ، ضال عَنْ سَبِيل الْمُؤْمِنِين.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع