من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
كتب بني أُمَيَّة أقصر من كتب بني الْعَبَّاس
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن دُرَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم، قَالَ: سَمِعْتُ بعض أَصْحَابنَا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَوَّار، قَالَ: كُنْت غُلَاما أكتب بَيْنَ يَدي يَحْيَى بْن خَالِد، فَدخل عَلَيْه شيخٌ ضخمٌ جميل الْهَيْئَة، فأعظمه يَحْيَى وَأَقْعَدَهُ إِلَى جانِبه وحَادَثَه ثُمّ قَالَ لَهُ: مَا بالكم كُنْتُم تكتبون الْكتب إِلَى عُمّالكم فِي سَائِر أُمُوركُم فَلَا تطبلون، وَإِنَّمَا الْكتاب بِقدر الْفَضْل من كتبنَا، وَنحن نطيل إطالة لَا يمكنّا غَيْر ذَلِكَ، فَقَالَ: اعْفِني، فَأبى عَلَيْه إِلَّا أَن يجِيبه، فَقَالَ وَأَنت غير ساخط؟ ٍ قَالَ: نعم، قَالَ: إِن بني أُمَيَّة كَانَتْ لَا تكْتب فِي الْبَاطِل أَنَّهُ حقٌ، وَلا فِي الْحق أَنَّهُ بَاطِل فَلَا تُعْقِب أمرا قَدْ نفذ بِخِلَافِهِ أمرٌ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الإطالة وَطلب المعاذير والتلبيس، وَأَنْتُم تكتبون فِي الشَّيْء الْحق أَنه بَاطِل وَالْبَاطِل أَنَّهُ حق، ثُمّ تُعْقبون ذَلِكَ بِخِلَافِهِ فَلَا بُد لَكُمْ من الإطالة.
قَالَ عَبْد اللَّه بْن سَوَّار: فسالت عَنِ الشَّيْخ فَقِيل لي: هَذَا رجلٌ من كُتَّاب بني أُمَيَّة القدماء من أَهْل الشَّام.
قَالَ القَاضِي: قَول يحيى لهَذَا الْكتاب فِي سَائِر أُمُوركُم، إِن كَانَ أَرَادَ فِيمَا يسير وينتشر من أُمُوركُم، فَهُوَ صَوَاب فِي اللَّفْظ، وَإِن كَانَ أَرَادَ بِهِ الْعُمُوم والإحاطة عَلَى معنى جَمِيع أُمُوركُم، فَهُوَ خطأ من جِهَة اللَّفْظ وَالْمعْنَى، إِذْ السائرُ فِي هَذَا الْمَعْنى تَأْوِيله الْبَاقِي، وَإِنَّمَا يُقَالُ: فعلت فِي بَاب كَذَا كَيْتَ وَكَيْت وَفِي سَائِر الْأَبْوَاب لِمَعْنى الْفَاضِل والبقية، يُقَال: أسأرت فِي الْإِنَاء أسأر بِالْهَمْز قَالَ الشَّاعِر:
أعطِ الْمُلَوُّحَ سُؤْرَ الكلبِ يشربُهُإِن الْمُلَوِّحَ شرابٌ عَلَى الكَدَرِ
وقَالَ الْأَعْشَى:
بانَتْ وَقَدْ أسْأَرَتْ فِي النَّفْسِ حَاجَتهَابعد ائتلافٍ وخَيْرُ الودِّ مَا نَفَعَا
وقَالَ أَيْضا:
فبانتْ وَقَدْ أسْأرَتْ فِي الفؤاد صَدْعًا عَلَى نأْيِهَا مُسْتَطِيرَا
وقَالَ حُمَيد بْن ثَوْر الْهِلَالِي:
أَلا إنَّ أُمِّي مَا يزالُ مِطَالُهاشَدِيدا وفيهَا سؤرةٌ وَهِي قاعِدُ
يَعْنِي بَقِيَّة من الشَّبَاب، وَهِي من الْقَوَاعِد، وَقَدْ رُوِيَ بَيت الأخطل عَلَى وَجْهَيْن:
وشاربٌ مربحٌ بالكأسِ نَادَمَنِيلَا بالحَصُورِ وَلا فِيهَا بِسَوَّارِ
بِالْهَمْز فِي سَوَّار وَغَيره فَمن رَوَاهُ مهموزاً قالمعنى أَنَّهُ لَا يُفْضِل فِي الكأس شَيْئا إِذْ أَن هَذَا عيبٌ عِنْدهم من وَجْهَيْن، أَحَدهمَا: أَنَّهُ يدلُّ عَلَى عَجزه عَنِ الشَّرَاب أَوْ كَرَاهِيَة الشَّرَاب والنَّدام، وَمن رَوَاهُ بِسوار غَيْر مَهْمُوز فَمَعْنَاه بوثاب من المساورة والمواثبة، فَهَذَا بَيَان الْخَطَأ فِي هَذَا من جِهَة اللَّفْظ، وَأما من جِهَة الْمَعْنى فلكثرة كتب بني أُمَيَّة فِي عَظِيم الآثام وجسيم الْإِحْرَام، وذميم الْجور وَالْأَحْكَام، ولكثرة الإطالة فِي كتبهمْ، وَالْعجب من يَحْيَى كَيفَ أمسك عَنْ جَوَاب هَذَا الْمُتَكَلّم من أَن يريَهُ من إطالة كتب بني أُمَيَّة وَخطأ مَعَانِيهَا، ونَقْضِها أَكثر مَا أصدرت من أَحْكَامهَا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع