تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

معنى الرِّفْه

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الحكيمي، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَد بْن أبي خَيْثَمَة، قَالَ: أنشدت لسَعِيد بْن سُلَيْمَان المساحقي القَاضِي، فِي هَارُون بْن زَكَرِيّا كَاتب الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد:

أزورك رِفهًا كلّ يومٍ وليلةٍودرُّك مخزونٌ عليّ قصير
لأيّ زمانٍ أرتجيك وخلةٍإِذَا أَنْت لَمْ تَنْفع وَأَنت وَزِيرُ
فَإِن الْفَتى ذَا اللب يطْلب مَالهوَفِي وَجهه للطالبين بَشِيرُ

قَالَ القَاضِي قَوْله: أزورك رِفْهًا، يَعْنِي كُلّ يوْم من غَيْر إغْبَابٍ، وَقَدْ أبان ذَلِكَ بقوله: كُلّ يوْم وَلَيْلَة، وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم فِي الْإِبِل: هِيَ تردُ المَاء رِفْهًا، إِذا اتَّصل وِرْدُها، ثُمّ يُقَالُ فِي إظمائها غبٌ وربعٌ وخِمس إِلَى عشر، وَهُوَ أقْصَى الإظماء، وَكنت بِحَضْرَة بعض

المجدُودين يَوْمًا مِمَّنْ حكمه زمانُ السُّوءِ فِينَا، وجَارَ بِبَسْطِ يَده وقَبْضِ أَيْدِينَا، وأشاع لَهُ فِي عَامَّة النّاس وعُشرائهم، وأغمارِهم وغوغائِهم، أَنَّهُ أوحدُ دهره، وقريعُ عصره، علما وذكاءً، وأدَبًا ومضاء، فتمثل بِبَيْت الْبُحْتُري من كَلمته السِّينيَّة الَّتِي يصفُ فِيهَا إيوانَ كِسْرى، وَهِي من جيد شعره وحَسَنِه، وأولها:

صُنْتُ نَفْسِي عَمَّا يُدَنِّسُ نَفْسِيوترفَّعْتُ عَنْ جَدَا كُلّ جِبْس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»

وَالْبَيْت الَّذِي تمثل بِهِ هَذَا الرَّجُل عَلَى قبح خطئِهِ فِيهِ:

وبعيدٌ مَا بَيْنَ وَاردِ خمسٍعللٍ شِرْبُهُ وَوَارِد سُدْسِ

فَمَا رَأَيْت أحدا من حَاضِرِي مَجْلِسه يومئذٍ عَلَى كثْرتِهم قَدْ تبيَّن مِنْهُ إِنْكَار هَذَا اللَّفْظ وَلا لَحْظ، وَعَاد بعدُ بِمثل هَذَا فِي مجْلِس آخر، ثُمّ إِنَّنِي كُنْت أَنَا وَهُوَ يَوْمًا خَالِييْن، فَأَنْشد هَذَا الْبَيْت غَيْر مرةٍ عَلَى الْوَجْه الَّذِي أنكرتُه، فَقلت لَهُ: قَدْ سمعتُك تنشدُ هَذَا الْبَيْت غَيْر مرةٍ عَلَى مَا أنشدته فِي هَذَا الْوَقْت، ولَسْتُ أَدْرِي كَيفَ اتّفق لَك الْخَطَأ فِيهِ مَعَ ظُهُوره؟ وَكَيف لَمْ تتأمَّلْهُ فتعرفَ فسادَ الْمَعْنى الَّذِي إنشادك عبارَة عَنْهُ؟ قَالَ: فَكيف هُوَ؟ فَقلت لَهُ:

وبعيدٌ مَا بَيْنَ وَارِد رفهٍ عللٍ شِرْبُهُ وواردِ خِمْسِ

فَقَالَ: لَا، وَهُوَ عَلَى مَا رويتُه، فَقلت لَهُ: وأيّ بُعد بَيْنَ الْخُمْسِ والسُّدْس؟ هُوَ تاليه الْمُتَّصِل بِهِ الَّذِي يَلِيهِ، وبَيْنَ الرِّفْهِ وبَيْنَ الْخِمْس وَمَا دُونه بعد ظَاهر، وَفضل حَائِل، فَلم يَبِنْ لي مِنْهُ رُجُوع، وَقَدْ كَانَ كثيرا، مَا يرجعُ فِي أَشْيَاء كثيرةٍ إليّ، وَيرجع عَنْهَا عِنْد توقيفي إِيَّاه وتثبيتي لَهُ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ التاسِع وَالأربَعُونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.