من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
من الْمُفَاخَرَة بَيْنَ المدن
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد، حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ بْن بَحر بْن كثير السَّقَّا، مَوْلَى باهلة أَبُو حَفْص، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَاد المهلبي، عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذلي، قَالَ: كتب بِبَاب أَبِي الْعَبَّاس حِين وُلّي الْخلَافَة فَخرج آذِنُه فَأدْخل من كَانَ بِالْبَابِ من أَهْل الْكُوفَة، فَدخل عَلَيْه مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي ليلى، والحَجَّاج بن أَرْطَأَة، وَالْحسن ابْن زِيَاد، وَأدْخل من كَانَ من أهل الْبَصْرَة، فَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي ليلى: نَحْنُ أكثرُ من أَهْل الْبَصْرَة خَراجًا وأوسعُ مِنْهُم أَنهَارًا، فَقَالَ لي: مَا تَقُولُ يَا أَبَا بَكْر؟ قَالَ: قُلْتُ: مَعَاذ اللَّه من ذَلِكَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، وَكَيف يكونُونَ كَذَلِك وَلنَا كِرْمان ومُكْرَان وَفَارِس والأهواز والسِّنْد والهند والقَرْصُ والْقُرْص، افتتحناها بالبيض القواضب، حَتَّى ربطنا أعنه الْخَيل بأُصول القنا بِأَرْض الْفُلفل، قَالَ: فَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن: نَحْنُ أَكثر مِنْكُم علما وفقهًا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ يَا أَبَا بَكْر؟ قَالَ: قُلْتُ: بل هُمْ
أعظم كبرياء وَأَقل أتقياءً وَأكْثر أَنْبيَاء كَانَ مِنْهُم الْمُغِيرَة الْخَبيث السريرة، وَبَيَان وأَبُو بَيَان، واللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، مَا رَأَيْتُ شَيْئا قطّ أَكثر بدنًا مصلوبًا وَلا رَأْسا مَنْصُوبًا من أهل الْكُوفَة، وَمَا لنا إِلا نَبِيّ وَاحِد ﷺ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ أَبُو الْعَبَّاس، فَقَالَ الْحَسَن بْن زِيَاد: أتشتم أَصْحَاب عَليّ؟ وَقَدْ سِرتُم إِلَيْهِ لتقتلوه، فَإِن قُلْتُ: نَحْنُ واللَّه أَصْحَاب عَليّ سرنا إِلَيْهِ لنقتله فَكف اللَّه تَعَالَى شوكتنا وَسِلَاحنَا عَنْهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ من بَيْنَ أظهرنَا، فَقتله أَهْل الْكُوفَة من بَيْنَ أظْهركُم فأينا أعظم ذَنبا، فَقَالَ الحَجَّاج بْن أرْطَاة: بَلغنِي أَن أَهْل الْبَصْرَة كَانُوا يومئذٍ ثَلَاثِينَ ألفا وَأهل الْكُوفَة تِسْعَة آلَاف فَلَمَّا التقتْ حَلَقَنا الْبِطان، وتناهد النَّهدان، وَأخذت الرِّجَال أقرانها، مَا كَانُوا إِلا كرمادٍ اشْتدَّتْ بِهِ الريحُ فِي يوْم عاصف، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا بَكْر؟ قُلْتُ: مَعَاذ اللَّه تَعَالَى من ذَلِكَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، وَمن أَيْنَ كُنَّا ثَلَاثِينَ ألفا وَقَدْ خرجت رَبِيعَة تعين علينا، وَخرج الأحنفُ بْن قيسٍ فِي سعدٍ والرَّباب وهم الشَّام الْأَعْظَم وَالْجُمْهُور الْأَكْبَر، وَلَكِنْ سَلْهُم كم كَانَ عددُنا يوْم اسْتَغَاثُوا بِنَا؟ فَلَمَّا الْتفت حلقتا الْبِطان، وتناهد النَّهدان، وَأخذت الرِّجَال أقرانها، شدخ مِنْهُم فِي صعيدٍ وَاحِد تِسْعَة آلَاف وذُبحوا ذَبْح الْحُمْلان، قَالَ: فَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي ليلى: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين نَحْنُ أَكثر مِنْهُم أشرافًا، وَأكْرم مِنْهُم أسلافًا، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا بَكْر؟ قُلْتُ: مَعَاذ اللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، هَلْ كَانَ فِي تَمِيم الْكُوفَة مثل الْأَحْنَف بْن قَيْس الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِر:
إِذا الأبصارُ أَبْصرت ابنَ قيسٍظَلَلْنَ مهابة مِنْهُ خُشُوعَا
وَهل كَانَ فِي قَيْس عَيْلان الْكُوفَة مثل قُتَيْبَة بْن مُسْلِم الَّذِي يَقُول فِيهِ الشَّاعِر:
كُلّ يومٍ يَحْوِي قُتَيْبَة نَهْبًاويزيدُ الْأَمْوَال مَالا جَدِيدا
بَاهِليُّ قَدْ عَصَبَ التَّاج حَتَّىشَاب مِنْهُ مفارقٌ كن سَواد
ويُروَى: كُلّ يوْم يُجْرِي قُتَيْبَة نهبًا، وَهل كَانَ فِي بَكْر بن وَائِل الْكُوفَة مثل مَالك بْن مِسْمع الَّذِي يَقُولُ لَهُ الشَّاعِر
إِذا مَا خَشِينَا من أميرٍ ظُلامةًدَعَوْنا أَبَا الْأَيْتَام يَوْمًا فعَسْكرا
وَهل كَانَ فِي أزْد الْكُوفَة مثل الْمُهَلّب بْن أَبِي صُفْرة الَّذِي يَقُولُ لَهُ الشَّاعِر:
إِذا كَانَ الْمُهَلَّبُ من ورائيهدا لَيْلِي وَقَرَّ لَهُ فؤادِي
وَلَم أخشَ الدَّنِيَّة من أناسٍوَلَو صَالُوا بقوةِ قومِ عادِ
وَهل كَانَ فِي عَبْد قَيْس الْكُوفَة مثل الْحَكَم بْن الْمُنْذر بْن الْجَارُود، الَّذِي يَقُولُ لَهُ الشَّاعِر:
يَا حَكَمَ بنَ الْمُنْذِرِ بْن الجارودُأَنْت الجوادُ ابنُ الْجواد المحمودْ
سُرَادِقُ المجدِ عَلَيْك مَمْدُودْ
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع