من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
مُحَمَّد البيدق ينْتَقم من النَّمرِيّ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مزِيد البوشنجي، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَير، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد البيدَق - وَكَانَ أحسن الشُّعَرَاء إنشادًا كَانَ إنشاده أحسن من الْغناء - قَالَ: دَعَاني هَارُون الرشيد فِي عشي يوْم وبَيْنَ يَدَيْهِ طبقٌ وَهُوَ يَأْكُل مِمَّا فِيهِ وَمَعَهُ الْفَضْل بْن الرَّبِيع، فَقَالَ لي الْفَضْل: يَا مُحَمَّد! أنْشد أَمِير الْمُؤْمِنِين مَا يُسْتَحْسَنُ من مديحه، فَأَنْشَدته للنمري، فَلَمَّا بلغت إِلَى هَذَا الْموضع.
أَي امرىءٍ بَات من هَارُون فِي سخطٍفَلَيْس بالصَّلَواتِ الخَمْس ينتفعُ
إِن المكارمَ وَالْمَعْرُوف أوديةٌأحَلَّكَ اللَّه مِنْهَا حَيْثُ تَجْتَمِع
إِذا رفعْت امْرأً فاللَّهُ رافِعُهوَمن وضَعْتَ من الأقوام مُتَّضِعُ
نَفسِي فداؤك والأبطال معلمةٌيوْم الوغي والمنايا بَينهم قُرَعُ
قَالَ: فَأمر بِرَفْع الطَّعَام، وقَالَ: هَذَا واللَّه أطيب من كل الطَّعَام وَمن كُلّ شَيْء، وَأَجَازَ النَّمرِيّ بجائزة سنية، قَالَ مُحَمَّد البيدق: فأتيتُ النَّمرِيّ فعرفتُه أنِّي كنتُ سببَ الْجَائِزَة فَلم يُعْطِنِي شَيْئا، وشخص إِلَى رَأس عين فأحفظني وأغاظني، ثُمّ دَعَاني الرشيد يَوْمًا آخر، فَقَالَ: أنْشِدْني يَا مُحَمَّد، فَأَنْشَدته:
شاءٌ من الناسِ راتعٌ هامِلْيُعَلِّلُون النفوسِ بالبَاطِلْ
فَلَمَّا بلغتُ إِلَى قَوْله:
إِلا مَساعِيرُ يَغْضَبُون لَهَابِسَلَّةِ الْبِيضِ والقَنَا الذَّابِلْ
قَالَ: أرَاهُ يُحرِّض عليَّ، ابْعَثُوا إِلَيْهِ من يجيئني بِرَأْسِهِ، فَتكلم الْفَضْل بْن الرَّبِيع فَلم يُغْنِ كَلَامه شَيْئا، فَوجه الرَّسُول إِلَيْهِ فوافاه فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَقَدْ دُفن، فَأَرَادَ نبشه وصَلْبه فكُلِّم فِي ذَلِكَ فَأمْسك عَنْهُ.
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: النَّمرِيّ مَنْسُوب إِلَى النَّمِرِ بْن قاسط وَالْمِيم من النمر مَكْسُورَة إِلَّا أَنَّهَا فتحت فِي الغضافة استثقالاً للكسرتين واليائين، وَقَدْ أَتَى ذَلِكَ عَنِ الْعَرَب مستفيضًا مطردًا فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، قَالُوا: النمري والشقري فِي النّسَب إِلَى شقرة بن تَمِيم، والسلمي فِي النّسَب إِلَى بني سَلَمَة من الْأَنْصَار، وَقد يَأْتِي النّسَب كثيرا على غير الْقيَاس، وَقد قَالُوا الدُّهَرِيِّ فِي النّسَب إِلَى الدَّهْر إِذا وصفوا الرَّجُل بطول الْعُمر، وَهُوَ كثير جدا وعِلله وشواهده مَذْكُورَة فِي موَاضعهَا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع