من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
حكم نذر الْكِتَابِيّ إِذا أسلم
قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَا رَأَيْتُ مثل هَذِهِ الْغَلَبَة.
قَالَ: وقَالَ أَبُو حَفْصٍ: حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الرَّاسِبِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذلي، قَالَ: سَأَلْنَا أَبُو الْعَبَّاسِ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ عَنْ يهوديةٍ مَرِضَتْ فَنَذَرَتْ فِي مَرَضِهَا إِنِ اللَّهُ سَلَّمَهَا لتسرحن فِي كنيسةٍ مِنْ كَنَائِسِ الْيَهُودِ، وَلَتُطْعِمَنَّ مَسَاكِينَ مِنْ مَسَاكِينِهِمْ، فَقَامَتْ مِنْ مَرَضِهَا وَقَدْ أَسْلَمَتْ، قَالَ: فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلْتُ عَنْهَا الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ، فَقَالَ: تُسْرِجُ فِي مَسْجِدِ مِنْ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ وَتُطْعِمُ مَسَاكِينَ مِنْ مَسَاكِينِهِمْ، وَسَأَلْتُ قَتَادَةَ وَهُوَ إِلَى جَانِبِهِ، فَقَالَ لِي: مِثْلَ مَقَالَةِ الْحَسَنِ، فَلَقِيتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ، هَدَمَ الإِسْلامُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، فَلَقِيتُ الشَّعْبِيَّ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، فَقَالَ لِي: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنِ الأَصَمِّ ابْنِ سِيرِينَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ هَدَمَ الإِسْلامُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، فَقَالَ: أَصَابَ الأَصَمُّ وَأَخْطَأَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَقَالَ: يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: كُنْتُ أَتَغَدَّى مَعَ الْمُتَوَكِّلِ فَسَأَلْتُ عَنْ نَصْرَانِيٍّ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَنَذَرَ نَذْرًا ثمَّ أسلم، هِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ لَهُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتَ بِعَدَدِ أُولاءِ، وَجَمَعَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ، عَلَى أَنْ لَا آتِيكَ وَلا آتِيَ دِينَكَ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِسْلامَهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةِ يَمِينِهِ.
قَالَ القَاضِي أَبُو الفر: قَد اخْتلف أهل الْعلم فِي الْكَافِر يُنذرُ نذرا فِي هَذِهِ أَو يخلف يَمِينا ثُمّ يسلم، فأسقط عَنْهُ الكفارةَ والإتيانَ بِمَا نَذَره كثيرٌ من فُقهاءِ الحجازِ وَالْعراق، وَأوجب ذَلِكَ عَلَيْه عددٌ مِنْهُم، واحتجُّوا بِأَن الإِسْلام يَجُبُّ مَا قبله، وَأَن الْكَافِر فِي كفره لَا تصحُّ مِنْهُ قُربة إِلَى ربه قبل إِسْلَامه، وَأَن الْأَسْبَاب الَّتِي تُؤدِّي إِلَى وجوب أَسبَاب الطَّاعَات تجْرِي مجْرى مَوَاقِيت الْفُروض والنوافل فِي خُصُوصِيَّة الْمُسْلِمِين بهَا، ومفارقة أَهْل الْكفْر لَهُم فِيهَا، واعتل فِي ذَلِكَ بَعضهم بقول اللَّه ﷿: " قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قد سلف " وَاحْتج مخالفوهم بِأَن الْعِبَادَات الَّتِي أَتَتْ شريعةُ الإِسْلام بهَا لَازِمَة لكل ذِي مرةٍ سَوِيٍّ فِعلها وَالرُّجُوع إِلَيْهَا وَالْأَخْذ بهَا، وَمَا أسقط اللَّه عَنْهُمْ بعد الإِسْلام أداءه وقصاءه سقط دون غَيره مِمَّا لَمْ يَنْصِبْ دلَالَة عَلَى إسْقاطه، إِذْ الْوَاجِب إِقْرَاره عَلَى أَصله، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن عُمَر بْن الخَطَّاب، قَالَ: نذرت أَن أعتكف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا أسلمتُ سألتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: " أوفِ بِنَذْرِك "، ورأيتُ شَيخنَا أَبَا جَعْفَر ذكر فِي الْكَافِر يحلفُ فِي حَال كُفرة ثُمّ يَحْنَث فِيهَا بعد إِسْلَامه أَنَّهُ لَا كَفَّارَة عَلَيْه، واعْتَلَّ بِأَن الْكَافِر يحلف بإلاهه الَّذِي يعبُده، وَمن مذْهبه أَنَّهُ من حلف بِغَيْر اللَّه تَعَالَى ثُمّ حنث فَلَا كَفَّارَة عَلَيْه، فَكَأَنَّهُ أسقط الْكَفَّارَة عَمَّن حلف بِغَيْر اللَّه من الْكفَّار، وقَالَ فِي حَدِيث عمر، لما رَوَاهُ. أَنَّهُ يدلُّ عَلَى وجوب النَّذْر فِيمَا وَرَدَ خبرُ عُمَر فِيهِ، وَقَدْ شرحتُ مذْهبه فِي هَذَا وأتيت بِمَا حضرني فِيهِ فِيمَا صنفتُه من كتب الْفِقْه، وكرهتُ الإطالة فِي هَذَا الْموضع
بإعادته، وأمّا مَا أفتى فِيهِ الْحَسَن وقَتَادَة من الإسراج فِي مَسْجِد من مَسَاجِد الْمُسْلِمِين مَكَان نذر الناذرة فِي كفرها أَن تُسْرِج فِي كَنِيسَة من كنائس الْيَهُود فَإِن إبِْطَال نَذْرها فِي الْكَنِيسَة صَوَاب إِذْ هُوَ مَعْصِيّة، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِي اللَّهَ فَلا يَعْصِهِ "، وَقَالَ: " وَلا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَالْكَفَّارَةُ فِي هَذَا عندنَا غير وَاجِبَةٍ، وَقَدْ ضعف شَيخنَا سَنَد هَذَا الْخَبَر الْآتِي بهَا وَجُمْهُور فُقَهَاء الْكُوفِيّين يوجبونها ويوجبون مَعهَا كَفَّارَة يَمِين، إِذا كَانَ النَّاذِرُ يمينَا والإسراج فِي مَسْجِد من مَسَاجِد الْمُسْلِمِين غَيْر وَاجِب عندنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِذْ لَمْ يَكُنْ نَذْرُه وَلا أَتَتْ حجةٌ بِوُجُوبِهِ وَمن أوجبه فَقَوله: مضَارِعُ لمن أوجب عَلَى النَّاذِر أَن ينحرَ وَلَده ذبح شاةٍ من الْغنم أَوْ نَحْر شيءٍ من الْإِبِل، وَأما مَا أفْتيا بِهِ من إطعامِ مساكينَ من الْمُسْلِمِين مَكَان من منذرت إطعامه من مَسَاكِين الْيَهُود فَإِن إطْعَام مَسَاكِين الْيَهُود يجزىء فِي النّذر إِذا جُعِل لَهُم، وَفِيه قربةٌ إِلَى اللَّه جلّ وَعز، وَقَدْ أجَاز كثيرٌ من فُقَهَاء الْمُسْلِمِين صرف صَدَقَة الْفطر وَكَفَّارَة الأَيْمَان وَالْجهَاد إِلَى أَهْل الذِّمَّة، وَمن أجَاز إطْعَام مَسَاكِين الْمُسْلِمِين مَا نَذَرَ إطعامه مَسَاكِين أَهْل الذِّمَّة، فَشاهِدُه من الْقيَاس جوازُ صَلَاة الْقَادِر أَن يُصَلِّي فِي مَسْجِد سَمَّاهُ وعينه إِذا صلّى فِي مسجدٍ غَيره هُوَ مثله أَوْ أفضلُ مِنْهُ، فَأَما إبِْطَال نَذرِ إطْعَام مَسَاكِين أَهْل الذِّمة وَإِيجَاب نَقله إِلَى مَسَاكِين أَهْل الْمُسْلِمِين فَلَا وَجه لَهُ فِي الصِّحَّة، وأمّا فُتْيا الشَّعْبِيّ وَابْن سِيرِينَ فَهِيَ جاريةٌ عَلَى أصل مَذْهَب من قدمنَا حِكَايَة مذْهبه، مِمَّنْ يبطل أصل نذر الْكَافِر فِي أصل كفره، وَأما الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ جَعْفَر بْن عَبْد الْوَاحِد للمتوكل فَلَا حجَّة لَهُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَن جد بهزر بْن حَكِيم الْقُشَيْريّ وَهُوَ مُعَاوِيَة بن حيدة للنَّبِي ﷺ أَنَّهُ حلف، وقَالَ لَهُ: حلفتُ وَلَم يذكر الَّذِي حلف بِهِ، وَجَائِز أَن يَكُون حلف بِغَيْر اللَّه تَعَالَى فَلَا كَفَّارة عَلَيْه عندنَا بعد حِنْثه، وَأَيْضًا فَإنَّهُ قَالَ: حلفْتُ، وَمن قَالَ حلفتُ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، أَوْ لَا أفعل كَذَا فَلَيْس عَلَيْه عندنَا مَا عَلَى الْقَائِل: أَحْلف بِاللَّه من الْكَفَّارَة إِذا حنث، حَتَّى يَقُولُ: أَحْلف بِاللَّه وَأقسم بِاللَّه أَوْ أولِي بِاللَّه أَوْ أَشْهَدُ بِاللَّه، وَإِن كَانَ من أَهْل الْعلم من يَجْعَل قَول الْقَائِل: أشهد وأحلفُ وأولي وَأقسم يَمِينا، ويسوِّي بَيْنَ هَذَا وبَيْنَ مَا وَصله باسم اللَّه تَعَالَى، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّه وأحلف بِاللَّه وأُولي بِاللَّه وَأقسم بِاللَّه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع