من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
مَا بَين نعم وَلَا
قَالَ أَبُو عَبد اللَّه وأنشدنا ثَعْلَب قَالَ، أَنْشدني ابْن الْأَعرَابِي:
لَا تتبعن نعم لَا طَائِعا أبدافَإِن لَا أفسدت من بعْدهَا نعم
إِن قلت يَوْمًا نعم بدءًا فتم بهَافَإِن إمضاءها صنف من الْكَرم
قَالَ القَاضِي ﵀: قد أنشدنا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ جمَاعَة من شُيُوخنَا عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي، قَالَ وأنشدنا أَبُو الْحسن عَليّ بْن سُلَيْمَان الْأَخْفَش لرجل من طيءٍ هَذِه الأبيات:
وَالله وَالله لَوْلَا أنني فرقمن الْأَمِير لعاتبت ابْن نبراس
فِي موعدٍ قَالَه لي ثمَّ أخلفنيغَدا غَدا ضرب أَخْمَاس لأسداس
حَتَّى إِذا نَحن ألجأنا مواعدهإِلَى الطبيعة فِي حفز وإبساس
أجلت مخيلته عَن لَا فَقلت لَهُلَو مَا بدأت بهَا مَا كَانَ من باس
وَلَيْسَ يرجع فِي لَا بَعْدَمَا سلفتمِنْهُ نعم طَائِعا حر من النَّاس
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: وَقد روينَا فِي جِهَات نعم وَلَا أَشْيَاء كَثِيرَة من ملح الْأَخْبَار ولطيف الْأَشْعَار وَمن فنون الْآدَاب الغريبة وفوائد الْعلم النبيهة مِمَّا يطول وَلَا يَتَّسِع مجْلِس من مجَالِس كتَابنَا لَهُ، وَلَكنَّا نذْكر فِيمَا هَاهُنَا طرفا مِنْهُ وَفِيمَا نستأنفه من مجالسنا هَذِه مَا نعثر أَولا أَولا عَلَيْهِ.
وحضرني فِي بَاب نعم وَلَا شَيْء كنت نظمته وَهُوَ:
لَا فِي مُقَدّمَة اللأواء مؤذنةبالجحد وَالنَّفْي والحرمان والعدم
وَقد رَأينَا نعم فِي أصل بنيتهاصيغت مُنَاسبَة النعماء وَالنعَم
وَمِمَّا أنشدوناه فِي ذمّ لَا قَول الَّذِي قَالَ:
قبحت لَا فَإِنَّهَاخلقت خلقَة الجلم
تذْهب الْعرف والجمي؟ل وَتَأْتِي على الْكَرم
اللُّغَات فِي نعم وَفِي نعم لُغَتَانِ مشهورتان ولغة شَاذَّة، فأشهر المشهورتين مِنْهُمَا نعَم بِفَتْح الْعين، وَعَلَيْهَا قِرَاءَة الْجُمْهُور من أهل الحجار وَالشَّام والعراقيين؛ وَقَرَأَ باللغة الثَّانِيَة عمر بْن الْخطاب ﵁ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ وَهِي نعِم، بِكَسْر الْعين، وَهِي قِرَاءَة أَبِي وَائِل
شَقِيق بْن سَلمَة، واختارها الْكسَائي فَقَرَأَ بهَا فِي الْقُرْآن كُله كَقَوْلِه " قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ " الْأَعْرَاف: و " قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذن لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ " الشُّعَرَاء: واللغة الشاذة نعام وبالقراءة الأولى نَقْرَأ لاستفاضتها فِي الْخَاصَّة والعامة لُغَة وتلاوة. وَقد ذكر عَن أَبِي وَائِل أَنه كَانَ إِذا سمع قَارِئًا يقْرَأ نعم بِالْفَتْح قَالَ لَهُ: نعم وَشاء، يَعْنِي إبِلا وَغنما؛ كَمَا قَالَ زُهَيْر.
فَيوم مِنْك خيرٌ من أنَاسكثيرٍ حَولهمْ نعم وَشاء
وَيُقَال لِلْإِبِلِ وَالْبَقر وَالْغنم نعم وأنعام. وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة يُقَال لِلْإِبِلِ على انفرادها نعم، وَلَا يُقَال ذَلِك للبقر وَالْغنم إِلَّا إِذْ كَانَت مَعَ الْإِبِل.
وَأما الْأَنْعَام فيستوي كل نوع من ذَلِك فِي التَّسْمِيَة بِهِ نعم، قَالَ ذَلِك الْأَصْمَعِي. وَقَالَ بَعضهم أَنا عيم لجَماعَة الْإِبِل، يُقَال: نعم ثُمَّ أنعام ثمَّ أَنا عيم قَالَ ذُو الرمة:
داني لَهُ القيدُ فِي ديمومةٍ قذفٍقينيه وانحسرتْ عَنْهُ الأناعيمُ
نعم وَلَا فِيمَا يتَّصل بالفقه
وَمِمَّا فِي نعم وَلَا مِمَّا يتَّصل بِعلم الْفِقْه قَول الرجل للأخر: اعطني سرج بغلي هَذَا أَو لجام دَابَّتي هَذِه فَقَالَ: نعم أَولا، وَلم يصله بأعطيكه، فَإِن شَيخنَا أَبَا جَعْفَر ذهب إِلَى أَن هَذَا إِقْرَار مِنْهُ بالسرج واللجام. وَحكى هَذَا عَن أَبِي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَاحْتج بِأَن قَوْله نعم إنعام بِالْفِعْلِ، لَا إباء لَهُ، وَهَذَا عِنْدِي كَمَا قَالَ. وَحكى عَن أَبِي ثَوْر أَنه قَالَ: قَوْله نعم إِقْرَار وَقَوله لَا لَيْسَ بِإِقْرَار، وَبَين فَسَاد قَوْله بِنَحْوِ مَا قدما بَيَانه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع