من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
تعليقات على الْخَبَر
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قَول أَبِي بكرٍ ﵁: من لهازمها، اللهازم: نواحي الْعُنُق وجوانبه، قَالَ الراجز:
يَا خاز باز أرسل اللهازما
وَقَوله: من صفا الثغرة: الصَّفَا الْحجر الأملس وَمِنْه " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ " الْبَقَرَة: قَالَ جرير:
هَبّتْ شَمَالا فذِكْرَى مَا ذَكَرْتُكُمُإِلَى الصَّفَاةِ الَّتِي شَرْقِيَّ حَوْرَانَا
وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب:
حَتَّى كَأَنِّي للحوادث صَخْرَةبصفا المشقر كل يومٍ تقرع
ويروى بقفا المشقر، ويروى الْمشرق؛ وَذكرت أبياتًا عَن لي فِي بَعْضهَا ذكر الصَّفَا وقرعها وَهِي:
حَلَفت يَمِينا برة وشفعتهافَهَل أَنْت مني باليمينين قَانِع
فَمَا نازعت نَفسِي إِلَى مَا كرهتهوَلَا خلتها يَوْمًا إِلَيْهِ تنَازع
وَلَا حل من قلبِي هَوَاك محلّةمن النَّاس مِمَّن أصطفي وأشايع
لقد قرع الواشي بِأَهْوَن سَعْيهصفاة قَدِيما أخطأتها القوارع
فأزعجني فِي ضعفه وَهُوَ سَاكنوشرد عَن عَيْني الْكرَى وَهُوَ هاجع
وَأما الثغرة فَهِيَ اللبة، قَالَ عنترة:
مَا زلتُ أرْميهم بثُغْرةِ نَحْرهولِبَانِهِ حَتَّى تسربل بِالدَّمِ
وَرُوِيَ ثغرة وَجهه. وَقَالَ ثَابت: الثغرة: الهزمة الَّتِي بَين الترقوتين. وَقَوله: الهضبة: الدفعة من الْمَطَر تجمع هضبًا، قَالَ ذُو الرمة:
فَبَاتَ يشئزه ثأد ويسهرهتذوب الرّيح والوسواس والهضب
وَأما قَول هاني بْن قبيصَة: وَله فِي الرَّأْي الوله: الْحيرَة القلق، وَلَعَلَّه قَالَ: وَهل، فَمن هَا هُنَا اشْتبهَ. والوهل: الْخَطَأ والغلط والزلل.
وَأما قَول الْمثنى بْن حَارِثَة: فَإنَّا نزلنَا بَين صيرين فَإِن الصير: الْجَانِب والناحية وَالْحَد. قَالَ زُهَيْر:
وَقد كنتُ من سلمى سنينَ ثَمانيًاعلى صِيرِ أمرٍ مَا يمر وَلَا يحلو
شاهك يَا أَبَا مُسلم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم عَنِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كنت أطلب الْعلم فر آتِي مَوْضِعًا إِلا وَجَدْتُ أَبَا مسلمٍ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ، فَأَلِفَنِي فَدَعَانِي إِلَى مَنْزِلِهِ، وَدَعَا بِمَا حَضَرَ فَأَكَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ لَعِبُكَ بِالشِّطْرَنْجِ؟ فَقُلْتُ: إِنِّي لاعِبٌ بِهَا، فَدَعَا بِشِطْرَنْجِهِ، فَتَنَاوَلْتُ السَّوَادَ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيَّ، فَتَنَاوَلَهَا مِنْ بَين يَدي وَأَعْطَانِي الْبيَاض، فأشفت شَاهُهُ عَلَى الْقَتْلِ، فَدَاخَلَهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَاغْتَمَمْتُ لَهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: الْعَبْ فَقَدْ فَرَّجَ اللَّهُ، فَخَلَّصَ شَاهَهُ وَجَعَلَ يَقُولُ:
ذَرُونِي ذَرُونِي مَا قَدَرْتُ فَإِنَّنِيمَتَّى مَا أُهِجْ حَرْبًا تَضِقْ بِكُمْ أَرْضِي
وَأَبْعَثُ فِي سُودِ الْحَدِيدِ إِلَيْكُمْكَتَائِبَ سُودًا طَالَمَا انْتَظَرَتْ نَهْضِي
قَالَ: فَكُنْتُ أُلاعِبُهُ وَيَلْهُو بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ حَتَّى بَلَغَنِي خُرُوجَهُ.
وُجُوه الْإِعْرَاب فِي وأبعث
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج وأبعث فِيهِ من جِهَة الْأَعْرَاب ثَلَاثَة أوجه: الْجَزْم على الْعَطف إِلَّا أَنه لَا يسْتَعْمل فِي هَذَا الْموضع لإِقَامَة وزن الْبَيْت، وَالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف، وَالنّصب بإضمار أَن وَالتَّقْدِير: يكون مني هيج فأبعث، فَلَا يعْطف أبْعث على هيج لِأَن هيج مصدر وأبعث فعل فتقدر أَن إِذْ هِيَ وَالْفِعْل مصدر، فَيصح حِينَئِذٍ عطف الثَّانِي على الأول لِأَنَّهُ عطف اسمٍ على اسمٍ، ويسمي الْكُوفِيُّونَ هَذَا الْوَجْه الصّرْف لِأَنَّهُ صرف عَن الْجَزْم؛ وَقد جَاءَ هَذَا كثيرا فِي الْقُرْآن وَالشعر؛ قَالَ الله تَعَالَى: " إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ " مُحَمَّد: فَجزم الثَّانِي على الْعَطف. قَالَ تَعَالَى: " وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ من يَشَاء " الْبَقَرَة: فقرىء فَيغْفر ويعذب جزما ورفعًا ونصبًا، وَقَرَأَ القرأة: " أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ، وَيَعْلَمَ الَّذِينَ " الشورى:، بِالرَّفْع وَالنّصب فِي يعلم. وقرىء: " وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ " آل عمرَان: على النصب والجزم. وَقَوْلهمْ لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن بِالنّصب إِذْ أُرِيد بِهِ النَّهْي عَن الْجمع بَينهمَا دون الْإِفْرَاد، وَإِن أُرِيد النَّهْي عَن كل واحدٍ مِنْهُمَا فالجزم هُوَ الْكَلَام. وَقد أَتَى كثير من هَذَا فِي الشّعْر، قَالَ الشَّاعِر:
فَإِن لم أصدق ظنكم بتيقنفَلَا سقت الأوصال مني الرواعد
وَيعلم أكفائي من النَّاس أننيأَنا الْحَافِظ الحامي الذمار المداود
وَقَالَ الْأَعْشَى:
وَمن يَغْتربْ عَنْ قومه لَا يزلْ يرىمصَارِع مظلومٍ مجرًا ومسحبًا
وتدفن مِنْهُ الصَّالِحَات وَإِن يسئيكن مَا أَسَاءَ النَّار فِي رَأس كبكبا
وَقَالَ النَّابِغَة:
فَإِن يهْلك أَبُو قَابُوس يهْلكربيع النَّاس والبلد الْحَرَام
ونمسك بعده بذناب عَيْشأجب الظّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَام
ويروى بذناب دهر. الْجَزْم فِي نمسك وَالرَّفْع وَالنّصب وُجُوه جَائِزَة، وَجَاز فِي هَذَا الْبَيْت الْجَزْم الَّذِي لَا يجوز فِيمَا أنشدناه، قيل لعلةٍ أَنا ذاكرها إِن شَاءَ الله.
وَأَقُول مستعينًا بِاللَّه: إِن بَيت النَّابِغَة من النَّوْع الَّذِي يُسَمِّيه العروضيون الوافر وَهُوَ أول أَنْوَاعه عِنْد جمهورهم، وَإِذا رُوِيَ بِالرَّفْع وَالنّصب فَلَا زحاف فِيهِ، وَيُسمى سالما لسلامته من الزحاف، وَإِذا رُوِيَ بِالْجَزْمِ سكنت لَام مفاعلتن فَصَارَ مفاعلتن فنقلت إِلَى مفاعيلن وَيُسمى معصوبًا. وَبَيت النَّابِغَة يرْوى على وَجْهَيْن: أجب الظّهْر بِالْإِضَافَة، وَيصرف أجب فيكسر لِإِضَافَتِهِ، ويروى أجب الظّهْر فَيفتح وَهُوَ فِي مَوضِع جرٍ إِذْ هُوَ صفة لعيشٍ أَو دهر لِأَنَّهُ لَا ينْصَرف والتنوين مُقَدّر فِي أَصله. وَمن هَذَا الْبَاب زيد حسن
الْوَجْه. قَالَ زُهَيْر:
أَهْوى لَهَا أسفع الْخَدين مطرقريش القوادم لم ينصب لَهُ الشّرك
فالنصب فِي ريش القوادم كالنصب فِي زيد الْحسن الْوَجْه، وَالْحسن الْوَجْه أقوى عِنْد الْبَصرِيين من حسن الْوَجْه وهما عِنْد الْكُوفِيّين سَوَاء. قَالَ الْحَارِث بْن ظَالِم:
فَمَا قومِي بِثَعْلَبَة بْن سعدٍوَلَا بفزارة الشّعْر الرقابا
وَقَالَ عدي بْن زيدٍ:
من وليٍ أَو أخي ثقةٍوالبعيد الشاحط الدارا
وَهَذَا بَاب من النَّحْو لَهُ شعب وفروع وَلَا ستقصائه مَوضِع هُوَ أولى بِهِ.
بَين عريب وعلويه حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ حَدَّثَنَا الْفضل بْن الْعَبَّاس أَبُو الْفضل الربعِي قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عِيسَى الْهَاشِمِي قَالَ، قَالَ علوِيَّة: أَمرنِي الْمَأْمُون وأصحابي أَن نغدو عَلَيْهِ لنصطبح، فَغَدَوْت فلقيني عَبد اللَّه بْن إِسْمَاعِيل صَاحب المراكب فَقَالَ: يَا أَيهَا الرجل الظَّالِم المعتدي، أما ترحم وَلَا ترق وَلَا تَسْتَحي من عريب، هِيَ هائمة بك وتحتلم عَلَيْك فِي كل لَيْلَة ثَلَاث مَرَّات؟ قَالَ علوِيَّة: وَكَانَت عريب أحسن النَّاس وَجها وأظرف النَّاس وأفكه، وَأحسن غناء مني وَمن صَاحِبي مُخَارق؛ فَقلت لَهُ: مر حَتَّى أجيء مَعَك. فحين دخلت قلت لَهُ: استوثق من الْأَبْوَاب فَإِنِّي أعرف النَّاس بِفُضُول الْحجاب. فَأمر بالأبواب فأغلقت، وَدخلت فَإِذا عريب جالسة على كرْسِي بَين يَديهَا ثَلَاث قدور زجاج، فَلَمَّا رأتني قَامَت إِلَى فعانقتني وقبلتني وأدخلت لسانها فِي فمي، ثُمَّ قَالَت: مَا تشْتَهي تَأْكُل؟ قلت: قدرا من هَذِه الْقُدُور، فأفرغت قدرا مِنْهَا بيني وَبَينهَا فأكلنا ثُمَّ دعت بالنبيذ فصبت رطلا فَشَرِبت نصفه وسقتني نصفه، فَمَا زلنا نشر حَتَّى سكرنا. ثُمَّ قَالَت يَا أَبَا الْحسن، أخرجت البارحة شعر أَبِي الْعَتَاهِيَة فاخترت مِنْهُ شعرًا، وَقلت: مَا هُوَ؟ قَالَت:؟
وَإِنِّي لمشتاق إِلَى ظلّ صَاحبيروق ويصفو إِن كدرت عَلَيْهِ
عذيري من الْإِنْسَان لَا إِن جفوتهصفا لي وَلَا إِن كنت طوع يَدَيْهِ
فصيرناه مَجْلِسنَا، فَقَالَت: بَقِي عَليّ فِيهِ شَيْء فأصلحه، قلت: مَا فِيهِ شَيْء، قَالَت: بلَى فِي مَوضِع كَذَا، فَقلت: أَنْت أعلم، فصححناه جَمِيعًا. ثُمَّ جَاءَ الْحجاب فكسروا الْبَاب واستخرجت فأدخلت على الْمَأْمُون، فَأَقْبَلت أرقص من أقْصَى الصحن وأصفق بيَدي وَأغْنِي الصَّوْت، فَسمع وسمعوا مالم يعرفوه فاستظرفوه. فَقَالَ الْمَأْمُون: أدن يَا عُلْوِيَّهُ، فدنوت فَقَالَ: رد الصَّوْت، فرددته سبع مَرَّات، فَقَالَ: أَنْت الَّذِي تشتاق إِلَى ظلّ صَاحب يروق ويصفوا إِن كدرت عَلَيْهِ؟ فَقلت: نعم، فَقَالَ: خُذ مني الْخلَافَة وَأَعْطِنِي هَذَا الصاحب بدلهَا. وسألني عَن خَبره فَأَخْبَرته فَقَالَ: قاتلها الله فَهِيَ أجل أبزارٍ من أَبَا زير الدُّنْيَا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع