من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
شرح النَّص
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قَول الْعَبَّاس بْن مرداس: وأخمصهم من أذاها بَطنا: من المخمصة، وَهِي المجاعة، وخمص الْبَطن اضطماره، يُقَال: بطن خميص، قَالَ الله تَعَالَى: " فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مخمصةٍ " الْمَائِدَة: وَمن الخمص قَول أعشى بني قَيْس بْن ثَعْلَبَة:
تَبِيتُونَ فِي المَشْتَى مِلاءً بُطُونكُمْوجاراتكم غبر يبتن خمائصا
ويروى غرثى أَي جياعًا. وَيُقَال: امْرَأَة خمصانة إِذا دق خصرها. وَقَالَ الشَّاعِر:
خمصانة قلق موشحهارَود الشَّبَاب غلابها عظم
وَقَوله: منفضج الْبَطن أَرَادَ خلوه من أذاها. وَقَوله: أفيء عَلَيْهَا النهاب أَي أرده وَيتَّجه فِي مدحه نَفسه برده النهاب على قومه وَجْهَان: أَحدهمَا أَن يستعيد مَا انتهب من أَمْوَالهم فَيردهُ عَلَيْهِم، وَالْآخر أَنه يعف عَن غنائمهم وَلَا يستأثر بهَا فيحويها لنَفسِهِ دونهم، كَمَا قَالَ عنترة:
يُخْبِرك من شهد الوقيعة أننيأغشى الوغي وأعف عِنْد الْمغنم
وَيُقَال: فَاء الشَّيْء إِذا رَجَعَ. وأفاء الرجل الشَّيْء على غَيره أَي رده عَلَيْهِ، قَالَ الله تَعَالَى: " مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى " الْحَشْر: أَي مَا رده؛ وَمن الْفَيْء قَول امْرِئ الْقَيْس:
تيممت الْعَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍيَفِيءُ عَلَيْهَا الظل عرمضها طامي
والفيئة الرّجْعَة. وَقَوله: وَيرجع من ودها مَا نأى، قد عطفه على قَوْله: فَإِن تعطف الْيَوْم، وَوجه الْإِعْرَاب فِيهِ الْجَزْم، إِذْ هُوَ مَعْطُوف على المجزوم على مَا يجب فِي بَاب الْجَزَاء إِلَّا أَنه لما لم يجد بدا من الْحَرَكَة لتَمام وزن الْبَيْت نوى النُّون الْخَفِيفَة كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
اضْرِب عَنْك الهموم طارقهاضربك بِالسَّيْفِ
قونس الْفرس
وَقد يحمل على إِرَادَة أَن وَبِمَعْنى الْجمع " وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ " آل عمرَان: على مَا بَيناهُ فِي مَا مضى من الْمجَالِس. وَأما قَول خفاف: الْآن لما فدحته الْحَرْب مَعْنَاهُ أثقلته، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
إِذا لم تزل يَوْمًا تُؤدِّي أَمَانَةوَتحمل أُخْرَى أفدحتك المغارم
وَجَاء فِي الْأَثر: لَا يتْرك فِي الْإِسْلَام مفدح، فَقيل: مَعْنَاهُ الَّذِي قد فدحه الدَّين وأثقله. وَقَالَ بَعضهم فِي الرِّوَايَة لَا يتْرك مفدج بِالْجِيم وَقيل فِي تَفْسِيره قَولَانِ: أَحدهمَا أَنه لَا أحد يُؤَدِّي عَنْهُ من أَهله، وَالْآخر أَنه الْجَانِي الَّذِي لَا عشيرة لَهُ وَلَا عَاقِلَة تعقله وَتُؤَدِّي عَنْهُ عقل جِنَايَته وَأرش جريرته.
والدرة مَا يحتلب، والجرة مَا يجتر. وَقَوله: ألقحت حَربًا لَهَا درة أَنَّهَا تدر وتتصل وَيتبع بعض مكروهها بَعْضًا. وَقَوله: " زبونًا " أَي تدفع ببأسها من أَصَابَته، يُقَال: حَرْب زبون، والزبن: الدّفع، وَيُقَال زبنه أَي دَفعه، وَمِنْه الزَّبَانِيَة، سموا بذلك لأَنهم يزبنون أَي يدْفَعُونَ أهل النَّار فِيهَا. قَالَ الله تَعَالَى: " يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا " الطّور: أَي يدْفَعُونَ فِيهَا دفعا.
وَيُقَال: نَاقَة زبون أَي تدفع الْجمال، قَالَ الشَّاعِر:
ومستعجب مِمَّا يرى من أناتناوَلَو زبنته الْحَرْب لم يترمرم
وَنهي النَّبِي ﷺ عَن الْمُزَابَنَة من هَذَا، وَهُوَ بيع الرطب فِي رُؤُوس النّخل بِالتَّمْرِ كَيْلا، وَكَذَلِكَ بيع الْعِنَب بالزبيب، هُوَ من دفع كل وَاحِد من المتزابنين مَا يَبِيعهُ إِلَى صَاحبه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع