من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
بَين الْعَبَّاس بْن مرداس وخفاف
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم قَالَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذَكَرَتْ بَنو سليم أَن الْعَبَّاس يعين ابْنَ مِرْدَاسٍ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي خفافٍ، قَالَ فَقَالَ فِي مجمعٍ مِنْ قَوْمِهِ: جَزَى اللَّهُ خُفَافًا وَالرَّحِمَ عَنِّي شراٍ، كُنْتُ أَخَفَّ بَنِي سُلَيْمٍ مِنْ دِمَائِهِمْ ظَهْرًا، وَأَخْمَصَهُمْ مِنْ أَذَاهَا بَطْنًا، فَأَصْبَحْتُ ثَقِيلَ الظَّهْرِ مِنْ دِمَائِهَا، مُنْفَضِجَ الْبَطْنِ مِنْ أَذَاهَا وَأَصْبَحَتِ الْعَرَبُ تُعَيِّرُنِي بِمَا كَانَ مِنِّي، وَايْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ أَصَمَّ عَنْ هِجَائِهِ، أَخْرَسَ عَنْ جَوَابِهِ وَلَمْ أَبْلُغْ مِنْ قَوْمِي مَا بَلَغْتُ، ثُمَّ قَالَ:
أَلَمْ تَرَ أَنِّي كَرِهْتُ الْحُرُوبَوَأَنِّي نَدِمْتُ عَلَى مَا مَضَى
نَدَامَةَ زارٍ عَلَى نَفْسِهِوَتِلْكَ الَّتِي عَارُهَا يُتَّقَى
وَأَيْقَنْتُ أَنِّي بِمَا جِئْتُهُمِنَ الأَمْرِ لابس ثوبي خَزًّا
حَيَاءً وَمِثْلِي حَقِيقٌ بِهِوَلَمْ يَلْبَسِ النَّاسُ مِثْلَ الْحَيَا
وَكَانَتْ سُلَيْمٌ إِذَا قَدَّمَتْفَتًى لِلْحَوَادِثِ كُنْتُ الْفَتى
وَكُنْتُ أَفِيءُ عَلَيْهَا النِّهَابَوَأُبْلِي عَلَيْهَا وَأَحْمِي الْحِمَى
وَلَمْ أُوقِدِ الْحَرْبَ حَتَّى رَمَىخُفَافٌ بِأَسْهُمِهِ مَنْ رَمَى
فَأَلْهَبْتُ حَرْبًا بِأَصْبَارِهَاوَلَمْ أَكُ فِيهَا ضَعِيفَ الْقُوَى
قَالَ الْقَاضِي: الأَصْبَارُ: النَّوَاحِي.
فَإِنْ تَعْطِفِ الْيَوْمَ أَحْلامُهَاوَيَرْجِعْ مِنْ وُدِّهَا مَا نَأَى
فَلَسْتُ فَقِيرًا إِلَى حَرْبِهَاوَلا بِي عَنْ سَلْمِهَا مِنْ غَنَى
فَلَمَّا بَلَغَتْ خُفَافًا قَالَ: عَرَفَ وَاللَّهِ الْعَبَّاسُ خَطَأَ مَا رَكِبَ، الآنَ لَمَّا فَدَحَتْهُ الْحَرْبُ وَاحْتَمَلَ ثِقَلَ الدِّمَاءِ أَنْشَأَ يُظْهِرُ النَّدَامَةَ، لَا وَاللَّهِ مَا اخْتَلَفَتِ الدُّرَّةُ وَالْجَرَّةُ حَتَّى يَبُوءَ بعذرٍ أَوْ يَلْبَسَ ثَوْبَ ذلٍ، وَقَالَ:
أَعَبَّاسُ إِمَّا كَرِهْتَ الْحُرُوبَفَقَدْ ذُقْتَ مِنْ حَرِّهَا مَا كَفَى
وَأَلْقَحْتَ حَرْبًا لَهَا دُرَّةًزبَوُنًا تَسَعُّرُهَا بِاللَّظَى
وَلَمَّا تَرَقَّيْتَ فِي غَيِّهَادُحِضْتَ وَزَلَّ بِكَ الْمُرْتَقى
وَأَصْبَحْتَ تَبْكِي عَلَى زلةٍوَمَاذَا يَرُدُّ عَلَيْكَ الْبُكَا
فَإِنْ كُنْتَ أَخْطَأْتَ فِي حَرْبِنَافَلَسْنَا مُقِيلِيكَ ذَاكَ الْخَطَا
وَإِنْ كُنْتَ تَطْمَعُ فِي صُلْحِنَافَحَاوِلْ ثَبِيرًا وَرُكْنَيْ حِرَا
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع