من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
لَيْلَة قر
حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يحيى ثَعْلَب قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سعيد بْن سلم الْبَاهِلِيّ عَن أَبِيه قَالَ: أدخلت إِلَى الرشيد يَوْمًا فَقَالَ لي: أَنْشدني فِي شدَّة الْبرد فَأَنْشَدته لِابْنِ محكان السَّعْدِيّ:
فِي لَيْلَة من جُمَادَى ذَات أنديةٍلَا يبصر الْكَلْب من ظلمائها الطنبا
مَا ينبح الْكَلْب فِيهَا غير واحدةٍحَتَّى يلف على خرطومه الذنبا
قَالَ القَاضِي: وَقد رُوِيَ على خيشومه.
فَقَالَ هَات غير هَذَا، فَأَنْشَدته:
وَلَيْلَة قرٍ يصطلي الْقوس رَبهَاوأقدحه اللائي بهَا يتنبل
فَقَالَ لي مَا بعد هَذَا شَيْء. قَالَ الصولي وأنشدني عَبد اللَّه بْن المعتز لنَفسِهِ:
وليلٍ يود المصطلون بنارهلَو أَنهم حَتَّى الصَّباح وقودها
رفعت لَهَا نَارِي لمن يَبْتَغِي الْقرىعلى شرفٍ حَتَّى أتتها وفودها
شرح وتوضيح قَالَ القَاضِي: قَول انب محكان ذَات أندية: ذكر جُمْهُور أهل الْعلم أَن جمع الندى، أنداء على أَفعَال وَأَنه الْبَاب فِي هَذَا النَّوْع من الْمَقْصُور، وَأَن الْبَاب فِي الْمَمْدُود من جنسه على أَفعلهُ وَمِنْه حَشا وأحشاء وطلا وأطلاء وَأما الْمَمْدُود فَمِنْهُ عَطاء وأعطية وخلاء وأخلية وقباء وأقبية، أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ هوى فِي هوى النَّفس مَقْصُور ويجمعونه أهواء، قَالَ الله تَعَالَى ذكره: " وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ " مُحَمَّد:، وَقَالُوا فِي جمع هَوَاء الجو الْمَمْدُود أهوية، وَأَن أندية فِي بَيت ابْن محكان شَذَّ عَن الْقيَاس. وَزعم بَعضهم أَن أندية فِي هَذَا الْبَيْت جمع نادٍ وَهُوَ الْمجْلس، وَأَن الْمَعْنى أَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي النادي يصطلون عِنْد شدَّة الْبرد، وَأَن ذَلِك بِمَنْزِلَة قَوْلهم وادٍ وأودية، وَقيل إِنَّه جمع ندي وَهُوَ مثل النادي، وَأنكر هَؤُلَاءِ جمع الندى الَّذِي هُوَ فِي معنى الطل أندية. وَقد زعم الْفراء فِي قَول الله تَعَالَى: " وَأَحْسَنُ نَدِيًّا " مَرْيَم: أَن الندي تجمع أندية والنادي نوادي الْقَوْم، وَقَالَ: وَلَو جمعت الندى نوادي والنادي أندية كَانَ صَوَابا لِأَن مَعْنَاهُمَا وَاحِد.
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: يتَّجه صرف الأندية فِي بَيت ابْن محكان إِلَى وَجه يطرد فِي الْقيَاس جمعه على أَفعلهُ لَكِن الْمَعْنى الظَّاهِر أَنه عني بِهِ يبطل أَو يتشعث، وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنهم جمعُوا الندى بِمَعْنى الطل أنداء على أَصله وَقِيَاسه ذُو أندية على الشذوذ وإدخاله فِي غير بَابه، كَمَا قَالُوا فِي جمع رحي أرحاء على الْقيَاس وأرحية على الشذوذ، وَالْبَاب فِي الْجمع أحد الْأَبْوَاب الَّتِي أخرج على الْقيَاس وأرحية على الشذوذ، وَالْبَاب فِي الْجمع أحد الْأَبْوَاب الَّتِي أخرج كثير مِنْهَا عَن أصل قِيَاسه وَالْحق بِغَيْر بَابه. وَمن الأندية بِمَعْنى الْمجَالِس قَول الشَّاعِر:
يَوْمَانِ يَوْم مقامات وأنديةٍوَيَوْم سيرٍ إِلَى الْأَعْدَاء تأويب
التأويب: سير النَّهَار، والسرى: سير اللَّيْل، والإساد: سير اللَّيْل وَالنَّهَار، هَذَا قَول محققي أهل اللُّغَة فِي هَذِه الْفُصُول الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي هَذَا الْبَاب من الْجمع. وَقد استقصينا القَوْل فِيهَا وَفِيمَا يضارعها وَفِي الْبَيْت الَّذِي أنشدناه فِي بَيت ابْن محكان فِي مَوضِع غير هَذَا، وأتينا فيهمَا بِمَا لم نر لإعادته فِي هَذَا الْموضع وَجها، وَقد روينَا خَبرا فِي هَذِه الْقِصَّة وفيهَا أَبْيَات لِابْنِ محكان عدَّة وَفِي أَولهَا:
يَا ربة الْبَيْت قومِي غير صاغرةٍضمي إِلَيْك رجال الْقَوْم والقربا
ولعلنا أَن نورد هَذِه الرِّوَايَة فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع