من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
شُرُوح وتعليقات (٤)
قَالَ القَاضِي: قَول مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ﵇: " أسمعني كلَاما تكمشتُ لَهُ " أَي انقبضتُ مِنْهُ، يُقَال لما تغضَّن وتشنّج من الْفَاكِهَة وَغَيرهَا قد تكمّش فَهُوَ متكمّش. وَقَوله: " ذكر أبي بِكَلَام تقمّعت لَهُ " يُقال: قد تقمَّع الرجل وانقمعَ إِذا انخزلَ وانكسر. وَقَول عبد الْملك: " يَا لكع " يريدُ يَا عبد أَو يَا لئيم. وَقَوله وهراوة البقّار " يَعْنِي عصار الرَّاعِي الَّتِي يذودُ بِهَا الْبَقر، يُرِيد أَنَّهُ لَا يصلح إِلَّا لأداني الْأُمُور. وَمَا رواهُ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة من قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ فِي دَعَاهُ: " هَا أَنَا ذَا يَا ربٌ برمّتي " العربُ تَقُولُ: أَخذ فلَان كَذَا وَكَذَا برمَّته، يُرِيدُونَ أَخذه كلّه واستوفاهُ وَلم يُغادر شَيْئا مِنْهُ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلهم أَخذه بأسره، والأسرُ الْقَيْد، وَبِه سُمّي الأسيرُ أَسِيرًا وَهُوَ الْآخِذ بِمعنى الْمَأْخُوذ، وَكَانُوا يشدّونه بالقدِّ إِذا
أسروه. وأمّا الرمة فالحبل الْبَالِي كَانُوا يشدُّون الْأَمْتِعَة بِهِ، وَمِنْه قَول ذِي الرّمة: أَشْعَث بَاقِي رمَّة التَّقْلِيد وَقيل: إنَّما سُمّي ذَا الرمَّة لقَوْله هَذَا، وَهُوَ غيلَان بن عقبَة، فأمَّا الرِّمَّة بِالْكَسْرِ فالعظمُ الْبَالِي، ويُقال: رمَّ الْعظم يرمّ وَهُوَ رَمِيم، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
والنيبُ إِن تعرُ مني رمَّةً خلقابعد المماتِ فَإِنِّي كنتُ أتَّئر
وَهَذَا من أَبْيَات الْمعَانِي ومعناهُ أَن النيب، وَهِي جمع نَاب، وَهِي النَّاقة المسنَّة، يُقالُ لَهَا ذَلِكَ كَأَنَّهَا لَمْ يبْق مرُّ السنين عَلَيْهَا إِلَّا نابًا كَمَا يُقال فلَان رَأس وَفُلَان بطن، وَمن الناب قَول جرير:
لقد سرَّني أَلا تعدَّ مجاشعٌمن المجدِ إِلَّا عَقْرَ نابٍ بِصَوْأَرِ
وَقَالَ أَيْضا:
تعدونَ عَقر النيب أفضلَ مجدكمبَني ضوطرى لَوْلَا الكميَّ المقنعّا
قَالَ: كَانَت تأكلُ عظامَ الْمَوْتَى طلبا لموحتها فَقَالَ هَذَا الشَّاعِر: إِن تَعْرُ منّي رمةً خَلَقًا، يريدُ إِن تأكلَ عِظَامِي بعد موتِي، فإنّي كنتُ أتئر أَي آخذ مِنْهَا بِثَأْرِي سلفا فِي حَياتِي، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَنْحَرهَا للأضياف. وَقَوله: " أتَّئر " افتعل من الثأر وَأَصله اثتئر فقلبت الثَّاء تَاء وأدغمت فِي الَّتِي بعْدهَا، وَكَذَلِكَ مدَّكر أَصله مُذْتكر، ومظلّم أَصله مظتلم. وَلما وَصفنَا من الْقلب عِلّة هِيَ مرسومة فِي موضعهَا. وَمن الْعَرَب من يَقُول أثّتر بالثاء، ومذّكر بِالذَّالِ، ومطّلم بِالطَّاءِ إِلَّا أَن الْمُخْتَار أفْصح فِي الْقيَاس، وَالْأَشْهر فِي الرِّوَايَة مدّكر ومتئر ومظَّلم وَمثله مدّخر ومذّخر، قَالَ زُهَيْر بْن أَبِي سلمي يَمدحُ هرم بن سِنَان:
هُوَ الجوادُ الَّذِي يُعطيكَ نائلةٌعفوا وَيُظْلَمُ أَحْيَانًا فيظَّلم
يُروى على الْوَجْهَيْنِ والظاءُ أشهرهما، وَالْمَشْهُور من الْقُرَّاء فِي قَوْل الله تَعَالَى: " فَهَلْ مِنْ مدَّكر الْقَمَر:،،،،، " الدَّال، وَكَذَلِكَ وَله تَعَالَى: " وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ آل عمرَان: ".
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع