من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
الْمهْدي يَسْتَدْعِي مولى فائد ليُغَنِّيه صَوتا معينا
حدَّثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا ابْن أبي طَاهِر قَالَ، حَدَّثَنِي حَمَّاد بْن إِسْحَاق عَن أَبِيه قَالَ، حَدَّثَنِي الرّبيع بن الْفضل قَالَ: أَمرنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ المهديُّ بالتقدُّم إِلَى خَليفَة الْعَامِل على الْبَاب أَن يكتبَ إِلَى صَاحبه كتابا عَن نَفسه فِي إشخاص أبي سعيد مولى فائد، فَلم يَك شَيْء حَتَّى وافى أَبُو سعيد فَأدْخلهُ خليفةُ الْعَامِل عليَّ. فتوهّمت عِنْد نَظَرِي إِلَيْهِ أنّه قَاضِي الْحَرَمَيْنِ، فدخلتُ من سَاعَتِي إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وأعلمته، فَأمرنِي بِصَرْف النَّاس وإدخاله. قَالَ: فقرّب أميرُ الْمُؤمنِينَ مَجْلِسه وأحفى سؤالَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: غنني أَبَا سعيد:
لقد طفتُ سَبْعًا قلتُ لما قضيتهاأَلا ليتَ سعيي لَا عليَّ وَلَا ليا
وإنَّ الَّذِي يَبْغِي رضايَ بذكرهالأكرمُ من أَهلِي عليَّ وماليا
فَقَالَ: وأغنيك أحسنَ مِنْهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، جعلني الله فدَاك. قَالَ: أَنْت وَذَاكَ، فَغَنّاهُ:
قدم الطويلُ فأشرقت واستبشرتأرضُ الحجازِ وَبَان فِي الأسحار
غيث الحيا وضياءُ كلِّ مُلمَّةسهل القيادِ ومألفُ الزوّار
قَالَ القَاضِي: فأجاده وَأحسنه، غير أَن الْمهْدي قَالَ: هَذَا حسن وَلَكِن غنني " لقد طفت سبعا " قَالَ لَهُ: وأحسنُ مِنْهُ، جعلني الله فدَاك. قَالَ لَهُ: أَنْت وَذَاكَ، فغناه:
إنَّ هَذَا الطَّوِيل من آل حفصٍنشر الجودَ بَعْدَمَا كَانَ مَاتَا
وَبنى المجدَ مُشْبهًا لِأَبِيهِمثلَ مَا يشبهُ النباتُ النباتا
قَالَ القَاضِي: هَكَذَا رواهُ، وأنشر أفْصح. فأحسنه وأجاده، فَقَالَ الْمهْدي: وَيحك يَا أَبَا سعيد، مَا تركتُ فِي إحسانٍ مزيدًا وَلَكِن غنّني: " لقد طفتُ سبعا " فغنّاه:
إنَّ الطويلَ من آل حفصٍ فاعملواسَاد الْحُضُور وساد فِي الْأَسْفَار
قَالَ، فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: أَنْت تحسنُ يَا أَبَا سعيد، وَلَكِن لَيْسَ تغنيني الَّذِي أشتهي. فَقَالَ لَهُ الْفضل منتهرًا، غنِّ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا يَأْمُرك بِهِ. فَقَالَ أَبُو سعيد: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا وَالَّذِي أكرمك بخلافته مَا لي إِلَى ذَلِكَ سَبِيل. قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: لِأَنِّي رأيتُ رَسُول الله ﷺ فِي الْمَنَام، وَكَانَ فِي يَده شَيْء، فَأَهوى إليّ ليضربني بِهِ وَهُوَ يَقُول: لقد طفتُ سبعا، مَاذَا صنعتَ يَا بني؟ فقلتُ: اعفُ عَنِّي، فوباعثكَ بالحقِّ لَا غنَّيت هَذَا الصوتَ أبدا. قَالَ: فردَّه عني وَقَالَ: عَفا الله عَنْك. فرأيتُ الْمهْدي يبكي وتغلبُهُ دموعُهُ وَهُوَ يكفُّها، ثُمَّ وَصله وَصَرفه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع