من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
مقتل أبي مُسلم وَكَيف تَم
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عمر بن عَرَفَة الأَزْدِيّ قَالَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس المنصوري قَالَ: لَمَّا قتل الْمَنْصُور أَبَا مُسْلِم قَالَ: رَحِمك اللَّه أَبَا مُسلم، فَإنَّك بايعتنا وبايعناك، وعاهدتنا وعاهدناك، ووفيتَ لنا ووفينا لَك، فَإنَّك بايعتنا على أَنَّهُ من خرج علينا قَتَلْنَاهُ، وَأَنَّك خرجت علينا فقتلناك، وحكمنا لَك حكمك لنا على نَفسك.
قَالَ: وَلما أَرَادَ الْمَنْصُور قَتله دسَّ رجَالًا من القواد مِنْهُم شبيب بن واج وتقدَّم إِلَيْهِم فَقَالَ: إِذا سمعتهم تصفيقي فاخرجوا إِلَيْهِ فَاضْرِبُوهُ. فَلَمَّا حضر حاوره طَويلا حَتَّى قَالَ لَهُ فِي بعض قَوْله: وَقتلت وُجُوه شِيعَتِنَا فلَانا وَفُلَانًا، وَقتلت سُلَيْمَان بن كَثِير، وَهُوَ من رُؤَسَاء أنصار دولتنا، فقتلت لاهزًا، قَالَ: إنَّهم عَصَوْنِي فقتلتهم، وَقد كَانَ قبل ذَلِكَ قَالَ الْمَنْصُور لَهُ: مَا فعل سيفان بَلغنِي أَنّك أخذتهما من عبد الله بن عَليّ؟ قَالَ: هَذَا أَحدهمَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، يَعْنِي السيفَ الَّذِي هُوَ متقلّدٌ بِهِ. قَالَ: أرنيه، فَدفعهُ إِلَيْهِ فَوَضعه الْمَنْصُور تَحت مُصَلَّاهُ وسكنت نَفسه. فلمّا قَالَ مَا قَالَ، قَالَ الْمَنْصُور: يَا للعجب أتقتلهم حِين عصوكَ وتعصيني أنتَ فَلَا أَقْتلك؟! ثُمَّ صفق فَخرج الْقَوْم وبدورهم إِلَيْهِ شبيبٌ فَضَربهُ فَلم يزدْ على أَن قَطَعَ حمائلَ سَيْفه. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: اضربه قطع الله يدك، فَقَالَ أَبُو مُسلم: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ استبقن لعدوّك قَالَ: وأيُّ عدوٍّ أعدى مِنْك؟ فضربوهُ بِأَسْيَافِهِمْ حَتَّى قطعوهُ
إربًا إربًا. فَقَالَ الْمَنْصُور: الحمدُ لله الَّذِي أَرَانِي يَوْمك يَا عدوَّ الله. واستؤذنَ لعيسى بن مُوسَى. فلمّا دخلَ وَرَأى أَبَا مُسلم على تِلْكَ الْحَال، وَقد كَانَ يكلم الْمَنْصُور فِي أمره لعناية كَانَت مِنْهُ بِهِ، استرجعَ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: احْمَد اللَّه فَإنَّك إنّما هجمتَ على نعمةٍ وَلم تهجم على مُصِيبَة، فَفِي ذَلِكَ يَقُول أَبُو دلامة:
أَبَا مجرمٍ مَا غيَّر الله نعْمَةعَلَى عَبده حَتَّى يغيِّرها العَبْدُ
أَبَا مجرمٍ خوفتني الْقَتْل فانتحىعليكَ بِمَا خَوَّفْتِني الأسَدُ الوَرْدُ
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع