من «المقابسات» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
المقابسة السادسة بعد المائة في الصديق وحقيقة الصداقة وفلسفة العشق والحب وفي تعريفات فلسفية صالحة
الصفحة ٢ من ٢
قيل: ثم ماذا؟ قال: شاهد كذوب، وزخرف خلوب.
قيل: ثم ماذا؟ قال: موجود ولكنه معدوم، وحقيقة ولكنه باطل، ويقظة ولكنها حلم وكون ولكنه في طي اضمحلال، واضمحلال ولكنه في طي كون، ومتصرم يشير إلى الدوام، وغاش في جلباب نصيح، وعدو في ثياب صديق.
قيل: فما الإنسان؟ قال: شخص بالطينة، ذات بالروح، جوهر بالنفس، ألة بالعقل، كل بالوحدة، واحد بالكثرة، فان بالحس، باق بالنفس، ميت بالإنتقال حي بالإستكمال، ناقص بالحاجة، تام بالطلب، حقير في المنظر، خطير في المخبر، لب العالم. فيه من كل شيء شيء، وله بكل شيء تعلق، صحيح بالنسب إلى من نقله من العدم، قوى النسب لمن يستفيد عن أمم. أخبار الإنسان كثيرة، وأسراره عجيبة، من عرفه فقد عرف سلالة العالم ومصاصته، وقد حوى جوهره شبها من كل ما يعرف ويرى، فهو مثال لكل غائب، وبيان لكل شاهد، هيوب عجيب الشان، شريف البرهان، غريب الخبر والعيان.
قيل له: فما الشريعة؟ قال: هيئة في آخر الذروة البشرية، تصدر عن القوة الآلهية، وتنشأ لها من النفس فواتح طبيعية، وأوائل حسية.
قيل له: أفما صدر من العلو أشرف أم ما نشأ عن السفل.
فقال: فاتحة القوة الصادرة من هناك أشرف، وغاية الناهية من ها هنا أسرف. قال: وما يوضح هذا أن تلك ترسخ في الزمان بعد الزمان لأنها في غايتها تقوي وتصح وتظهر وتنبث وتتمكن وتثبت. وسعادة الشريعة علمية وفيها أفناء الحكمة، وسعادة الفلسفة عملية وفيها حقائق العمل، والعمل وصف آلهي، والعمل نعت بشري، وتلك استصلاح القوب النافرة، واستجماع النفوس الشاردة الآبية. وهذه روح للنفوس المكروبة، وجلاء للصدور الصدية، وارتقاء إلى المعارف العلية، بالسيرة المحمودة المرضية. وتلك تعطيك جملة مقنعة، وهذه تعطيك مفصلة مونقة. ومتى أراد شرعي أن يعرف الطبيعة والنفس والعقل والأول وآثارها وأسرارها وعيونها وودائعها وما في أعماقها، قد ألقي إليه، وقصر باله عليه، ونبطت عروقه، وفجر ينبوعه منه، لم يجد سبيلاً إلى حرف منها إلا برمز غير شاف، وعلامة غير بالغة، ودعوى غير مثبتة. ومتى رام فيلسوف أن يضع ناموساً إلهياً محلا بالكلمات الصحيحة، مؤيداً بالعقول السليمة، مجموعاً فيه مصالح البرية، قدر علىذلك. وقد تم هذا في قديم الدهر عند مس الحاجة إليه ثم دثر على الأيام كما دثر سائر ما يأتي عليه الزمان.
وكان جميع ما ثقفناه ولقناه عن الشيوخ في مجالس مختلفة مع جماعة متفاوتة فلذلك ما استوثق هذا القدر الذي ملكته هذه المقابسة، وقد بقي شيء يسير وأنا أجمله بتمامه إن شاء الله تعالى.
قيل: فما الموجود؟ قال: ليس فوقه ما ينعت به، ولا دونه ما يحط إليه، لأنه لولان فوقه
غيره لكان أيضاً موجوداً ولو كان دونه لكان أيضاً موجوداً. فعلى هذا كما تراءى للعين، أوثبت للحس، أو انتصب للنفس، أو تحقق بالعقل، من غير فرض ولا توهم ولا وضع، فهو موجود إما بالقوة وإما بالفعل.
قيل له: فما الغنى؟
قال: صورة العقل بالحس المتناهى، مطلوب بكل غاية، محفوظ بكل رعاية، مؤثر بكل إيثار، مختار بكل اختيار، غاية كل طالب، ويقين كل شاك، وسكون كل قلق، وراحة كل متحيز، بسيط العقل، مركب بالحس، مظنون بالظن، موهوم بالوهم، نظام كل موجود، وقوام كل محدود، وتمام كل مشهود. ثم قالف: ومن عجائبه أن من حاول إظهار باطل لا يستطيعه ولا يقدر عليه ولا يتمكن منه بوجه ولا بسبب حتى يشوبه به أو بشيء منه، لا يقبل وهو صرف، ولا ينقاد وهو بحت. هذا يدل على أن هذا العالم الذي هو في هيئته باطل لكونه وفساده، ومفتقر إلى ذلك العالم الذي هو في حقيقته حق لصحته وتمامه، واستقامته والتئامه، ولأنه لا طريق للكون والفساد إليه. هذا إذا كان المبطل قاصداً الباطل باختياره وحوله وقد يكون الإنسان على غيرهذا الرأي تبأن يقصد الحق المحض والصواب المجرد فلا يبلغ أيضاً غاية مراده إلا بشيء يخلص إليه من غير أن يستصحبه أو يريده أو يرومه. وهذا لأن الناظر في الحق الطالب للحق، ممزوج مركب ومشوب مخلط، لا يكمل له شيء من حظيرة العقل الإنسي يلتبس به من ناحية الحس، وهو في الأصل متهيء لقبول ذلك. لأن معجون طينته ومركب نصابه وأول سوسه هكذا وقع وعليه استمر، ولهذا يعينه بالتكثر عليه أسهل من التوحد، والتوحد عليه أعسر من التكثر. ومن له بالبراءة من هذه الحال، وتقديس نفسه من هذا الدنس، وهو ذو أنفس ثلاث: ناطقة هو بها أقل، وبهيمة هو بهتا أكثر، وسبعية هو بها أظهر؟ وهذا الإعتبار يقتضي أن يكون بالأكثر أكثر، وبالأقل أقل. ولما اتفق بالعرض أن
يكون هذا الإنسان واحداً في الغاية طلبت له صورة الوحدة من الثلاثة. وهذه الصورة تلتئم من الثلاثة، واستحال أن يكون مركباً بالنفس الواحدة، أعني الناطقة، لأنها لا تقبل التركيب. ولهذا تجد الأجرام العلوية بواطن لأنها عادمة للمزاج والتركيب والشوق. فلما كان الإنسان متقوماً من جزء ناطق، وجزء حي، وجزء مائت، وكان بالناطق يفهم ويرتب ويهذب، وبالحي يحس ويتحرك ويسكن، وبالمائت ينتهي ويفسد ويبطل، كان جميع ما يحيط به عقلاً، أو يدركه حساً، أو يفرضه مدخولاً، ناقصاً متخفياً متلوماً. حتى إذا قوى الجزء الناطق الآلهي واقتنى خصائصه وملك ما هو اللائق به من العلم الحق والعمل الحق، حينئذ أهل الجزءين، أعني ما هو متحرك حساس وما هو ميت باطل، وإن شئت ما هو بهيمي وبه يسعى؟ خلص إلى أفقه العلي ومكانه البهي، خلوصاً يريحه من كل ما عاق التركيب والتقليب والإستحالة والإستبادة والعفاء والدثور، والصواب المتحلي، والجود المعتاد، والزهد المقدم، ورفض سائر ما عاند الفضائل وحجب عنها وحال دونها، فلا زال هناك باقيا بقاء لا آخر له. وكيف يكون له آخر وانقطاع وحيلولة وارتجاع، وقد استفاد ذلك البقاء من الحق الأول والموجود الذي ليس قبله موجود بالتشبيه والإقتداء والمماثلة والإهتداء والتعمم والإرتداء؟ هذا مالا يجوز أن يظن بحس أو بعقل. وأنت ترى في الشاهد ملكاً حكيماً صارماً شهماً سائساً جلداً يرغب كل أحد من خدمه وخاصته، ورعيته وأوليائه في خدمتهن وحضور مجلسه في التشبه به وبأخلاقه وهممه، طلباً للكرامة منه، والحظوة عنده، وعلماً بأن القرب منه والدنو إليه مصرفة للآفات عنه، مجلبة للعزلة، مدعاة للأماني عنده، وأن الأطماع تنقطع عنده، والجاه والقدرة يعظمان به، والعزة والمجد يسعان به عليه، وترى كل واحد من الخاصة والعامةيبذل وسعه، وينفد جهده، ويسأل عما يمكنه يمينه لينال تلك الحال، وتلك المنزلة، وتلك السعادة، وتلك الغبطة،
فإذا كان هذا في المثال الحسي على ما تجده من غير شك ولا مرية، فما قولك في الحقيقة العالية والغاية الآلهية والنهاية الأصلية؟! يا هذا إن الأمر لعظيم، وإن الشأن لخطير، وإن المطلوب لعزيز، وما هو إلا أن تصمد نحو السعادة بتطهير الأخلاق، وتجريد العادة، وإصلاح السيرة، وتقديم الجد في الرأي، وقصد العزم بالجزم، وتوخي العمل بما له مرجوع، في العاجل بالثقة، وفي الآجل بالحقيقة، مع الإشفاق على تضييع الزمان وتصرم العمر وتقطع أنفاس الحياة حتى تلقط المشتري والزهرة بيدك، وتخرق كل حجاب دونهما بجوهرك وتصير فوقهما بحقيقتك، وتنال حينئذ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا سنح على بال أحد من الإنس. فليكن ميل مثلكم إلى الحكمة ميل من يتخذها مطية لدرك الأمل، فإنه سيجدها كنزاً نافعاً في آخر العمل لا ميل من عادل بها، وليسع بذكرها ويعرضها في أسواق الجهال، وينادي عليها بين السفهاء والأنذال، ويرضى بعرض الدنيا خلفاً وبدلاً عنها، فكل ما كان هذا دأبه فقد انغمس في بحر الشقاء وسقط في مثوى البلاء والفناء لا يرتجي لدائه برء، ولا لعلته شفاء، ولا لصرعتهه انتعاش، ولا لأسره فكاك. أخذ الله بنواصينا ونواصيكم إلى ما أعده للأخيار الأبرار. تحولوا عن هذه الدار بحسن الاختيار لا بقبح الاضطرار. والسلام.
تمت المقابسات ولواهب العقل المجد سرمداً، وصلاته وسلامه وتحياته وإكرامه على سيدنا محمد النبي المبعوث إلى الخلق كافة وآله، لا إله إلا الله، ولا معبود سواه
النص من طبعة دار سعاد الصباح (١٩٩٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع