من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
الضرب الثاني: الايجاز بالقصر
وأما الضرب الثاني: وهو الإيجاز بالقصر؛ فإن القرآن الكريم ملآن منه، وقد تقدم القول أنه قسمان:
أحدهما: ما يدل على محتملات متعددة
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا
فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ، وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾.
فقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ من جوامع الكلم التي يستدل على قلتها بالمعاني الكثيرة، أي غشيهم من الأمور الهائلة، والخطوب الفادحة ما لا يعلم كنهه إلا الله، ولا يحيط به غيره.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
فجمع في الآية جميع مكارم الأخلاق؛ لأن في الأمر بالمعروف صلة الرحم، ومنع اللسان عن الغيبة وعن الكذب، وغض الطرف عن المحرمات، وغير ذلك، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم، وغيرهما.
وقال بعض الأعراب في دعائه: "اللهم هب لي حقك، وأرض عني خلقك"، فقال النبي ﷺ: "هذا هو البلاغة".
ومن ذلك قوله ﷿: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾.
فإنه دخل تحت الأمن جميع المحبوبات، وذلك أنه نفى به أن يخافوا شيئا من الفقر، والموت وزوال النعمة، ونزول النقمة، وغير ذلك من أصناف المكاره.
وأشباه هذا في القرآن الكريم كثيرة، فهو يكثر في بعض الصور، ويقل في بعض، قال النبي ﷺ: "من شاء يرتع في الرياض الأنائق فعليه بآل حم".
ومن ذلك قول النبي ﷺ: "الخراج بالضمان"، وذاك أن رجلا اشترى عبدا، فأقام عنده مدة، ثم وجد به عيبا، فخاصم البائع إلى النبي ﷺ فرده عليه، فقال: يا رسول الله إنه استغل غلامي، فقال: "الخراج بالضمان"، ومعنى قوله: "الخراج بالضمان" أن الرجل إذا اشترى عبدا فاستغله، ثم وجد به عيبا دلسه عليه البائع فله أن يرده، ويسترجع الثمن جميعه،
ولو مات العبد أو أبق، أو سرقه سارق كان في مال المشتري، وضمانه عليه، وإذا كان ضمانه عليه فخراجه له: أي له ما تحصل من أجرة عمله.
وأما ما ورد شعرا، فقول السموءل بن عادياء الغساني من جملة أبياته الرمية المشهورة، وذلك قوله منها:
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمهافليس إلى حسن الثناء سبيل
فإن هذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق جميعها، من سماحة وشجاعة، وعفة، وتواضع، وحلم، وصبر، وغير ذلك، فإن هذه الأخلاق كلها من ضيم النفس؛ لأنها تجد بحملها ضيما، أي مشقة وعناء.
وقد تقدم القول أن الإيجاز بالقصر يكون فيما تضمن لفظه محتملات كثيرة، وهذا البيت من ذلك القبيل، ولا أعلم أن شاعرًا قديما ولا حديثا أتى بمثله، وقد أخذه أبو تمام، فأحسن في أخذه، وهو:
وظلمت نفسك طالبًا إنصافهافعجبت من مظلومة لم تظلم
ففاز في بيته هذا بالمقابلة بين الضدين في الظلم والإنصاف، ثم قال: "فعجبت من مظلومة لم تظلم"، وهذا أحسن من الأول.
ومعنى قوله: "ظلمت نفسي طالبا إنصافها" أي: أنك أكرهتها على مشاق الأمور، وإذا فعلت ذلك فقد ظلمتها، ثم إنك مع ظلمك إياها قد أنصفتها؛ لأنك جلبت إليها أشياء حسنة تكسبها ذكرا جميلا، ومجدا مؤثلا، فأنت منصف لها في صورة ظالم.
وكذلك قوله:
"فعجبت من مظلومة لم تظلم"
أي أنك ظلمتها وما ظلمتها؛ لأن ظلمك إياها أدى إلى ما هو جميل حسن.
وهذا القدر في الأمثلة كاف في هذا الباب.
القسم الآخر من الضرب الثاني، في الإيجاز بالقصر:
وهو الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، وهو أعلى طبقات الإيجاز مكانا، وأعوزها إمكانا، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء، فإنما يوجد شاذًّا نادرًا.
فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾.
فإنه قوله تعالى: ﴿الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة؛ لأن معناه أنه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل، فأوجب ذلك حياة للناس.
ولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب من قولهم: القتل أنفى للقتل، فإن من لا يعلم يظن أن هذا على وزن الآية، وليس كذلك، بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن ﴿الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ لفظتان، و"القتل أنفى للقتل" ثلاثة ألفاظ.
الوجه الثاني: أن في قولهم: "القتل أنفى للقتل" تكريرا ليس في الآية.
الوجه الثالث: أنه ليس كل قتل نافيا للقتل، إلا إذا كان على حكم القصاص.
وقد صاغ أبو تمام هذا الوارد عن العرب في بيت من شعره، فقال:
وأخافكم كي تغمدوا أسيافكمإن الدم المعتر يحرسه الدم
فقوله: "إن الدم المعتر يحرسه الدم"، أحسن مما ورد عن العرب من قولهم: "القتل أنفى للقتل".
ويروى عن معن بن زائدة أنه سأله أبو جعفر المنصور، فقال له: أيما أحب إليك: دولتنا أو دولة بني أمية، فقال: ذاك إليك!
فقوله: "ذاك إليك" من الإيجاز بالقصر الذي لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة،
لأن معنى قوله: "ذاك إليك"، وهو لفظتان، أنه إن زاد إحسانك
على إحسان بني أمية، فأنتم أحب إلي، وهذه عشرة ألفاظ.
فإن قيل: كيف لا يمكن التعبير عن ألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، وفي المترادف من الألفاظ ما هو دليل على خلاف ذلك? فإنه إذا قيل: راح ثم قيل: مدامة أو سلافة كان ذلك سواء، وقامت هذه اللفظة مقام هذه اللفظة.
قلت في الجواب: ليس كل الألفاظ المترادفة يقوم بعضها مقام بعض، ألا ترى أن لفظة "القصاص" لا يمكن التعبير عنها بما يقوم مقامها، ولما عبر عنها بالقتل في قول العرب: "القتل أنفى للقتل" ظهر الفرق بين ذلك، وبين الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، فالذي أردته أنا إنما هو الكلام الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، فإن كان كذلك، وإلا كان داخلا في هذا القسم المشار إليه.
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع