من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
الضرب الأول: الايجاز بالتقدير
ولنورد الآن الضرب الأول الذي هو "الإيجاز بالتقدير":
فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾.
فقوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ دعاء عليه، وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله عليه.
ولا نرى أسلوبًا أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أخشن مسا، ولا أدل على سخط مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للائمة على قصر متنه!
ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه، فقال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ؟
ثم بين الشيء الذي خلق منه بقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾، أي: هيأه لما يصلح له.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أي: سهل سبيله، وهو مخرجه من بطن أمه، أو السبيل الذي يختار سلوكه من طريق الخير والشر، والأول أولى؛ لأنه تال لخلقته وتقديره، ثم بعد ذلك يكون تيسير سبيله لما يختاره من طريقي الخير والشر.
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، أي: جعله ذا قبر يوارى فيه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ أي: أحياه.
﴿كَلَّا﴾، ردع للإنسان عما هو عليه.
﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ أي: لم يقض مع تطاول زمانه ما أمر الله به، يعني أن إنسانًا لم يخل من تقصير قط.
ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك؛ لأنك كنت تذهب بجزء من معناه؟.
والإيجاز هو ألا يمكنك أن تسقط شيئا من ألفاظه.
والآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.
فقوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ من جوامع الكلم، ومعناه أن خطاياه الماضية قد غفرت له وتاب الله عليه فيها، إلا أن قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أبلغ: أي أن السالف من ذنوبه لا يكون عليه إنما هو له.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾.
ف"عليه كفره" كلمة جامعة تغني عن ذكر ضروب من العذاب؛ لأن من أحاط به كفره، فقد أحاطت به كل خطيئة.
وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فهذا الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم.
وروي أن النبي ﷺ قرأها على الوليد بن المغيرة، فقال له: يا ابن أخي، أعده، فأعاد النبي ﷺ قراءتها عليه، فقال له: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر.
ومن هذا النحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ
مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾.
وهذه الآيات من قوارع القرآن العجيبة التي دلت على تخويف، وإرهاب ترق القلوب، وتقشعر منه الجلود، وهي مشتملة على قصرها على حال الإنسان منذ خلقه إلى حين حشره وحشر غيره من الناس، وتصوير ذلك الأمر الفظيع في أسهل لفظ وأقربه، وما مررت عليها ألا جدت لي موعظة، وأحدثت عندي إيقاظا.
ومن هذا الضرب، ورد عن النبي ﷺ في دعائه لأبي سلمة عند موته، فقال: "اللهم ارفع درجته في المهتدين، واخلفه في عقبه في الغابرين لنا، وله يا رب العالمين".
وهذا دعاء جامع بين الإيجاز وبين مناسبة الحال التي وقع فيها، فأوله مفتتح بالمهم الذي يفتقر إليه المدعو له في تلك الحال، وهو رفع درجته في الآخرة، وثانيه مردف بالمهم الذي يؤثر المدعو له من صلاح حاله عقبه من بعده في الدنيا، وثالثه مختتم بالجمع بين الداعي والمدعو له.
وهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ما قصد له.
وكلام النبي ﷺ هكذا كما قال: "أوتيت جوامع الكلم".
وكذلك ورد قوله ﷺ يوم بدر، فإنه قال: "هذا يوم له ما بعده"، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.
ولما جرح عمر بن الخطاب ﵁ الجراحة التي مات بها اجتمع إليه الناس، فجاءه شاب من الأنصار وقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله، لك من صحبة رسول الله وقدم في الإعلام ما علمت، ووليت فعدلت، ثم شهادة.
وهذا كلام سديد قد حوى المعنى المقصود، وأتى به في أوجز لفظ وأحسنه، ومع ما فيه من الإيجاز فإنه مستغرب، وسبب استغرابه أنه جعل المساءة بشرى، وأخرجها مخرج المسرة، وتلطف في ذلك فأبلغ، ولو أراد الكاتب البليغ والخطيب المصقع، أن يأتي بذلك على هذا الوجه لأعوزه.
ومن هذا النمط ما كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون عند لقائه "علي بن" عيسى بن ماهان وهزمه إياه وقتله، فكتب إليه: "كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس "علي بن" عيسى بن ماهان بين يدي، وخاتمه في يدي، وعسكره مصرف تحت أمري، والسلام".
وهذا من الكتب المختصرة التي حوت الغرض المطول، وما يكتب في هذا المقام مثله.
ولما أرسل المهلب بن أبي صفرة أبا الحسن المدائني إلى الحجاج بن يوسف يخبره أخبار الأزارقة كلمه كلاما موجزا كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، وذاك أن الحجاج سأله، فقال: كيف تركت المهلب? فقال: ما أدرك ما أمل، وأمن مما خاف.
فقال: كيف هو لجنده? قال: والد رءوف.
قال: كيف جنده له? قال: أولاد بررة.
قال: كيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله.
قال: كيف تصنعون إذا لقيتم عدوا? قال: نلقاهم بجدنا "فنطمع فيهم"، ويلقوننا بجدهم فيطمعون فينا"، قال: كذلك الجد إذا لقي الجد.
"قال: فما حال قطري؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه.
قال: فما منعكم من اتباعه، قال: رأينا المقام من ورائه خيرًا من اتباعه".
قال: فأخبرني عن بني المهلب، قال: هم أحلاس القتال بالليل، حماة السرح بالنهار.
قال: أيهم أفضل "قال: ذلك إلى أبيهم.
قال: لتقولن".
قال: هم كحلقة مضروبة لا يعرف طرفاها.
فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله هو الكلام الفصل الذي ليس بمصنوع.
وقد ورد في الأخبار النبوية من هذا الضرب شيء كثير، وسأورد منه أمثلة يسيرة.
فمن ذلك قول النبي ﷺ: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات".
وهذا الحديث من أجمع الأحاديث للمعاني الكثيرة، وذاك أنه يشتمل على جل الأحكام الشرعية، فإن الحلال والحرام إما أن يكون الحكم فيهما بينا لا خلاف فيه بين العلماء؛ وإما أن يكون خافيا يتجاذبه وجوه التأويلات، فكل منهم يذهب فيه مذهبا.
وكذلك جاء قوله ﷺ: "الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
فإن هذا الحديث أيضا من جوامع الأحاديث للأحكام الشرعية.
ومن ذلك قوله ﷺ: "المضعف أمير الركب"، وقد ورد آخر هذا الحديث بلفظ آخر، فقال ﷺ: "سيروا بسير أضعفكم" إلا أن الأول أحسن؛ لأنه أبلغ
معنى، فإن الأمير واجب الحكم فهو يتبع، وإذا كان المضعف أمير الركب كانوا مؤتمرين له في سيرهم ونزولهم، وهذا المعنى لا يوجد في قوله: "سيروا بسير أضعفكم".
وأحسن من هذا كله ما ورد عنه ﷺ في حديث مطول يتضمن سؤال جبريل ﵇، فقال من جملته: "ما الإحسان? قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
فقوله: "تعبد الله كأنك تراه" من جوامع الكلم؛ لأنه ينوب مناب كلام كثير، كأنه قال: تعبد الله مخلصا في نيتك، واقفا عند أدب الطاعة من الخضوع والخشوع، آخذا أهبة الحذر، وأشباه ذلك؛ لأن العبد إذا خدم مولاه ناظرا إليه استقصى في آداب الخدمة بكل ما يجد إليه السبيل، وما ينتهي إليه الطوق.
ومما أطربني من ذلك حديث الحديبية، وهو أنه جاء بديل بن ورقاء إلى النبي ﷺ، فقال له: "إني تركت كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال له النبي ﷺ: "إن قريشا قد نهكتهم الحرب، فإن شاءوا ماددناهم مدة، ويدعوا بيني وبين الناس، فإن أظهر عليهم وأحبوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وإلا كانوا قد جموا، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا، حتى تنفرد سالفتي هذه، ولينفذن الله أمره".
وهذا الحديث من جوامع الكلم، وهو من الفصاحة والبلاغة على غاية لا ينتهي إليها وصف الواصف.
وأما ما ورد من ذلك شعرا، فقول النابغة:
وإنك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وتخصيصه الليل دون النهار مما يسأل عنه!
وكذلك قوله:
ولست بمستبق أخا لا تلمهعلى شعث، أي الرجال المهذب
وعلى هذا الأسلوب ورد قول الأعشى في اعتذاره إلى أوس بن لام عن هجائه إياه:
وإني على ما كان مني لنادموإني إلى أوس بن لام لتائب
وإني إلى أوس ليقبل عذرتيويصفح عني ما حييت لراغب
فهب لي حياتي، فالحياة لقائمبشكرك فيها خير ما أنت واهب
سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادقكتاب هجاء سار إذ أنا كاذب
وهذا من المعاني الشريفة في الألفاظ الخفيفة، وهو من طنانات الأعشى المشهورة.
وعلى نحو منه جاء قول الفرزدق:
صبحناهم الشعث الجياد كأنهاقطا هيجته يوم ريح أجادله
إلى كل حي قد خطبنا بناتهمبأر عن جرار كثير صواهله
إذا ما التقينا أنكحتنا رماحنامن القوم أبكارا كراما عقائله
وإنا لمناعون تحت لوائناحمانا إذا ما عاد بالسيف حامله
وهذا من محاسن ما يجيء في هذا الباب.
ومما يجري هذا المجرى قول جرير:
تمنى رجال من تميم منيتيوما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي
فلو شاء قومي كان حلمي فيهموكان على جهال أعدائهم جهلي
وكذلك ورد قوله متغزلا، وهو من محاسن أقواله:
سرت الهموم فبتن غير نياموأخو الهموم يروم كل مرام
ذم المنازل بعد منزلة اللوىوالعيش بعد أولئك الأقوام
ولقد أراك وأنت جامعة الهوىأثني بعهدك خير دار مقام
طرقتك صائدة القلوب فليس ذاحين الزيارة فارجعي بسلام
تجري السواك على أغر كأنهبرد تحدر من متون غمام
لو كان عهدك كالذي حدثتنالوصلت ذاك فكان خير زمام
ولقد أراني والجديد إلى بلىفي موكب طرف الحديث كرام
لولا مراقبة العيون أريتناحدق المها وسوالف الآرام
وإذا صرفن عيونهن بنظرةنفذت نوافذها بغير سهام
هل تنفعنك إن قتلن مرقشاأو ما فعلن بعروة بن حزام
وحلاوة هذا الكلام أحسن من إيجازه، ولقد أعوز غيره أن يأتي بمثله حتى أقر عوازه.
ومن باب الإيجاز الذي يسمى "التقدير" قول علي بن جبلة:
وما لأمرئ حاولته عنك مهربولو حملته في السماء المطالع
بلى هارب ما يهتدي لمكانهظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
فهذا هو الكلام الذي ألفاظه وفاق معانيه، فإنه قد اشتمل على مدح رجل بشمول ملكه وعموم سلطانه، وأنه لا مهرب عنه لمن يحاوله، وإن صعد السماء، ثم ذكر جميع المهارب في المشارق والمغارب، وأشار إلى أنه يبلغ الظلام والضياء، وذلك مما لم تزد عبارته على المعنى المندرج تحته، ولا قصرت عنه.
ومن هذا الضرب قول أبي النواس، وهو من نادر ما يأتي في هذا الموضع:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوابها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرىوأضغاث ريحان جني ويابس
حبست بها صحبي فجددت عهدهموإني على أمثال تلك لحابس
تدار علينا الراح في عسجديةحبتها بأنواع التصاوير فارس
قراراتها كسرى وفي جنباتهامها تدريها بالقسي الفوارس
فللراح ما زرت عليه جيوبهاوللماء ما دارت عليه القلانس
ومما انتهى إلي من أخبار ابن المزرع، قال: سمعت الجاحظ يقول: لا أعرف شعرا يفضل هذه الأبيات التي لأبي نواس، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: والله يا أبا عثمان، إن هذا لهو الشعر، ولو نقر لطن، فقلت له: ويحك! ما تفارق عمل الجرار والخزف!
ولعمري إن الجاحظ عرف فوصف وخبر فشكر، والذي ذكره هو الحق.
وعلى هذا الأسلوب جاء قول أبي تمام:
إن القوافي والمساعي لم تزلمثل النظام إذا أصاب فريدا
هي جوهر نثر فإن ألفتهبالشعر صار قلائدا وعقودا
في كل معترك وكل مقامةيأخذن منه ذمة وعهودا
فإذا القصائد لم تكن خفراءهالم ترض منها مشهدا مشهودا
من أجل ذلك كانت العرب الألىيدعون هذا سوددا محدودا
وتند عندهم العلا إلا علاجعلت لها مرر القريض قيودا
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع