من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
نقصان الألف وإسقاطها
ألف الوصل لا يجوز إسقاطها من الخط إلا في ثلاثة مواضع: تحذف من بسم الله الرحمن الرحيم وقد ذكرنا ذلك.
وتسقط من ابن إذا جاء بعد اسم ظاهر في معنى فلان، وكان مضافاً إلى اسم ظاهر كالإسم الأول، وكان الابن نعتاً للإسم كقولك: مررت بزيد بن محمد، وجاز إسقاط الألف لأن الإسم الأول ولآخر قد دلا على الابن فعرف موضعهما فحذفت، وإنما فعلوا ذلك لللإجاز، فعلى هذا أجر الابن ما دام الابن واحداً، فإذا ثنيت كتبت: جاءني زيد ومحمد إبنا عبد الله كان بالألف، وإذا كان الابن
مبتدأ لم يجز إسقاط الألف منه لأنه لم يأت قبله ما يدل عليه، وكذلك إذا كان خبراً قبح إسقاط الألف كقولك: إن محمداً ابن زيد لأنه كالمبتدأ، ولئلا يشبه الخبر النعت، وكذلك إذا أضيف إلى اسم ليس في معنى فلان كقولك: زيد ابن الرجل الصالح، وكذلك إذا أضيف إلى مكني عنه كقولك: زيد ابنك، أثبتت الألف في هذه كله، فإذا صرت إلى المؤنث كتبت فلانة ابنة فلان بالألف لا يجوز إسقاطها، لأن النسب بالنساء لم يكثر فيعرف موضعه، كما كثر في الرجال، ولأن في ابنة لغة أخرى يقال: بنت بالتاء، ومن العرب من يجعل الهاء في ابنة تاء لأنه يبني الكلام على الإضافة لأن الهاء تصير في ابنة تاء لئلا يلتبس فيقال: ابنت.
والموضع الثالث أن تكون ألف الوصل مع لام، كقولك: " الرجل " فإن هذه الألف تسقط إذا كانت لام الصفة معها، وهي اللام الزائدة مكسورة أو مفتوحة، فالمكسورة مثل قولك: " للرجل " مال. والمفتوحة كقولك: " للثوب " خير من ثوبك وأشباه ذلك، وإنما فعل ذلك لأن الحرف علم مع إسقاطها فمالوا إلى التخفيف فهذه قصة ألف الوصل.
فأما حذف الألف إذا كانت حشواً نحو خالد ومالك وما يشبه ذلك فأكثر ما تحذف إذا كانت في الأسماء المستعملة لمعرفتهم بالحرف فإذا كانت في اسم فهو نعت لم تحذف، مثل شاكر وصابر وظالم وصادق، وأشباه ذلك، لأن النعت لا يتكرر للإنسان فيتكرر الاسم فيعرف. وقد أسقطوها من صالح نعتاً ولا نعلمهم أسقطوها من غيره، وذلك أنهم شبهوها بالإسم لما كثر صالح في أسماءهم، وهو رديء في القياس. فإذا صرت إلى الجمع
سهل إسقاط الألف لقلة إشكاله، مثل الظالمين والكافرين وإثباتها أجود.
فأما ما كان من بنات الياء والواو نحو: الراضين والساعين وفي الرفع: لراعون وأشباه ذلك فلا يجوز طرح الألف منه لأنه قد حذف منه موضع اللام من الفعل، وهو الياء، لأن الأصل الراعيون في الرفع والراعيين في النصب والخفض، فالياء الأولى تسكن لأنها معتلة وياء الجميع أو واوه ساكنة، فأسقطوا الياء الأولى للالتقاء الساكنين، واستقبحوا أن يحذف الألف، وقد حذفوا لام الفعل فيجحفوا بالحرف.
فإما ألف دراهم فإنما يجوز حذفها إذ تقدمها ما يدل على الجمع كقولك: ثلاثة دراهم وأشباه ذلك وإذا كانت مفردة لم يجز إسقاطها وما كان مثل عمران ومروان وسفيان وسلطان فإثبات الألف فيه أجود، وإن أسقطتها من الاسم الذي يعرف بسقوطها فجائز. وفي الجملة إن إسقاطها يحسن فيما كثر استعماله من الأسماء.
وقد حذفوا ألف أولئك الثانية استغناء عنها لعلمهم بالحرف. وقد حذف قوم ألف النداء في المصحف فكتبوا: يداود ويعيسى بغير ألف، وإنما حملهم على ذلك علمهم بالنداء وإثبات الألف أجود وأقيس، والسلام عليك إذا أردت التسليم، فكلهم يكتبه بغير ألف. فإذا قلت كان برداً وسلاماً وهذا عبا السلام فبالألف أجود، وإن كتبت بغير ألف جاز. ويكتبون: ثمنية دراهم وثمني ليال، بغير ألف لمعرفتهم بالحرف فإذا قالوا: ثمان أثبتوا الألف كراهية حذفها مع حذف الياء، فيجحفوا بالحرف كما ذكرنا متقدماً.
النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع