تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

وَكَأن أصل رِحَالهَا وحبالها

فيه ١٠ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س

يَحْدُو ثَمَانِي مُولَعا بلقاحها

على أَن ثَمَانِي لم يصرف فِي الشّعْر شذوذا لما توهم الشَّاعِر أَن فِيهِ معنى الْجمع وَلَفظه يشبه لفظ الْجمع وَكَانَ الْقيَاس أَن يَقُول ثمانيا قَالَ ابْن السَّيِّد فِي ثَمَانِي لُغَتَانِ الصّرْف لِأَنَّهُ اسْم عدد وَلَيْسَ بِجمع وَمنع الصّرْف لِأَنَّهُ جمع من جِهَة مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ عدد يَقع للْجمع بِخِلَاف يمَان وشآم لِأَنَّهُ غير جمع وَفِيه جمع فَإِن س وَغَيره قَالُوا إِنَّه شَاذ توهم الشَّاعِر فِيهِ معنى الْجمع فَلم يصرفهُ وَلم يقل أحد إِنَّه لُغَة وَفِي شرح شَوَاهِد الْكتاب للنحاس قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَقد جعل بعض الشُّعَرَاء ثَمَانِي بِمَنْزِلَة حذَارِي حَدثنِي أَبُو الْخطاب أَنه سمع الْعَرَب ينشدون هَذَا الْبَيْت غير منون وَسمعت أَبَا الْحسن يَقُول إِن هَذَا الْأَعرَابِي غلط وتوهم أَن ثَمَانِي جمع على الْوَاحِد وتوهم أَنه من الثّمن ا. هـ.

أَي توهم أَنه الْجُزْء الَّذِي صير السَّبْعَة ثَمَانِيَة فَهُوَ ثمنهَا وَقَالَ الأعلم الشنتمري كَأَنَّهُ توهم أَن واحده ثمنية كحذرية ثمَّ جمع فَقَالَ ثَمَانِي كَمَا يُقَال حذَارِي فِي جمع حذرية وَالْمَعْرُوف صرفهَا على أَنَّهَا اسْم وَاحِد أَي بِلَفْظ الْمَنْسُوب نَحْو يمَان والحذرية بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة قِطْعَة غَلِيظَة من الأَرْض وَهَذَا المصراع صدر وعجزه

حَتَّى هممن بزيغة الإرتاج

وَقبل هَذَا الْبَيْت

وَكَأن أصل رِحَالهَا وحبالهاعلقن فَوق قويرح شحاج
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وَهَذَانِ البيتان من قصيدة لِابْنِ ميادة كَمَا قَالَ السيرافي شبه نَاقَته بسرعتها بِحِمَار وَحش قارح يَحْدُو ثَمَانِي أتن أَي يَسُوقهَا مُولَعا بلقاحها حَتَّى تحمل وَهِي لَا تمكنه فتهرب مِنْهُ لِأَن الْأُنْثَى من الْحَيَوَان غير الْإِنْسَان لَا تمكن الْفَحْل إِذا حملت والرحال جمع رَحل وَهُوَ كل شَيْء يعد للرحيل من وعَاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن وَضمير رِحَالهَا للناقة وعلقن بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالنُّون ضمير الرّحال والحبال واكتسب الْمُضَاف الجمعية من الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يَصح سُقُوطه والقويرح مصغر قارح وَهُوَ من ذِي الْحَافِر الَّذِي انْتَهَت أَسْنَانه وَإِنَّمَا يَنْتَهِي أَسْنَانه فِي خمس سِنِين والتصغير للتعظيم والشحاج بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة قَالَ فِي الصِّحَاح هُوَ الْحمار الوحشي وَهُوَ بدل من قويرح أَو عطف بَيَان ويحدو بِمَعْنى يَسُوق وفاعله ضمير الشحاج وَالْجُمْلَة صفة لَهُ وَأَرَادَ بالثماني أتنه وَلِهَذَا حذف التَّاء مِنْهُ أَو لِأَن الْمَعْدُود مَحْذُوف والمولع من أولع بالشَّيْء بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فَهُوَ مولع بِهِ بِفَتْح اللَّام أَي أغرى بِهِ وعلق بِهِ واللقاح كسحاب مَاء الْفَحْل فِي رحم النَّاقة وَفِي الْمِصْبَاح اللقَاح بِفَتْح اللَّام وبكسرها اسْم من ألقح الذّكر وَالْأُنْثَى أَي أحبلها وَحَتَّى غَايَة لقَوْله يَحْدُو وهم بالشَّيْء من بَاب قتل إِذا أَرَادَهُ وَلم يَفْعَله والزيغة بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وبالغين الْمُعْجَمَة مصدر زاغ يزِيغ أَي مَال والإرتاج بِالْكَسْرِ مصدر أرتجت النَّاقة إِذا أغلقت رخمها على مَاء الْفَحْل يُرِيد أَن هَذَا الْحمار عدا خلف أتنه ليلقحها ويركبها حَتَّى تحبل فهربت مِنْهُ فَكَأَنَّهُ سَاقهَا سوقا عنيفا حَتَّى هَمت بِإِسْقَاط مَا أرتجت عَلَيْهِ أرحامها من الأجنة وإزلاقه وَكَأن زِمَام هَذِه النَّاقة مُرْتَبِط بِهَذَا الْحمار الشَّديد الْحِرْص على اللقَاح بأتنه فَهِيَ تعدو بعدوه وَهَذَا غَايَة فِي سرعَة النَّاقة وروى بربقة الإرتاج والربقة بِكَسْر الرَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة وبالقاف أَرَادَ بِهِ العقد لِأَنَّهَا إِذا أغلقت فَم الرَّحِم على مَاء الْفَحْل فَكَأَنَّهَا عقدته وَمِنْه الحَدِيث فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه أَي عقد الْإِسْلَام وأصل الربقة وَاحِد الربق بِالْكَسْرِ وَهُوَ حَبل فِيهِ عدَّة عرى تشد بِهِ البهم الْوَاحِدَة من العرى ربقة ولابد من تَقْدِير مُضَاف على هَذِه الرِّوَايَة أَي حَتَّى هممن بِحل ربقة

الإنتاج يَعْنِي أرتجت هَذِه الأتن وانحلت من شدَّة الجري حَتَّى لم تقدر أَن تضبط مَا فِي أرحامها وَلم يقف الأعلم الشتنتمري على الْبَيْت الأول فَظن أَنه فِي وصف رَاع فَقَالَ وصف إبِلا أولع راعيها بلقاحها حَتَّى لقحت ثمَّ حداها أَشد الحداء حَتَّى هَمت بِإِسْقَاط مَا فِي بطونها من الأجنة وابْن ميادة هُوَ أَبُو شرَاحِيل وَقيل أَبُو شُرَحْبِيل واسْمه الرماح كشداد بن يزِيد وَهُوَ من بني مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان رَهْط الْحَارِث بن ظَالِم كَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة وميادة أمة وَهِي أم ولد بربرية وَقيل صقلبية وَكَانَ هُوَ يزْعم أَنَّهَا فارسية وَفِي ذَلِك يَقُول

أَنا ابْن أبي سلمى وجدي ظَالِموَأمي حصان حصنتها الْأَعَاجِم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
أَلَيْسَ غُلَام بَين كسْرَى وظالمبأكرم من نيطت عَلَيْهِ التمائم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وَسبب تَسْمِيَتهَا أَنه لما أَقبلُوا بهَا من الشَّام نظر إِلَيْهَا رجل وَهِي ناعسة تتمايل على بَعِيرهَا فَقَالَ أَنَّهَا لميادة فسميت بِهِ وَغلب عَلَيْهَا وَابْن ميادة شَاعِر مقدم فصيح لكنه كَانَ متعرضا للشر طَالبا لمهاجاه النَّاس ومسابة الشُّعَرَاء وَله مَعَ الحكم الخضري مهاجاة ومناقضات كَثِيرَة وأراجيز طَوِيلَة وَقد أدْرك الدولتين كَانَ فِي أَيَّام هِشَام بن عبد الْملك وَبَقِي إِلَى زمن الْمَنْصُور ومدح من بني أُميَّة الْوَلِيد بن يزِيد وَعبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان وَمن بني هَاشم أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور وجعفر بن سُلَيْمَان وَلما قَالَ من قصيدة

فضلنَا قُريْشًا غير رَهْط مُحَمَّدوَغير بني مَرْوَان أهل الْقَبَائِل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم بن هِشَام أَأَنْت فضلت قُريْشًا وجرده وضربه اسواطا وَلما سمع الْبَيْت الْوَلِيد بن يزِيد قَالَ لَهُ قدمت آل مُحَمَّد علينا قَالَ مَا كنت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَظُنهُ يكون غير ذَلِك فَلَمَّا أفضت الْخلَافَة إِلَى بني الْعَبَّاس قدم على الْمَنْصُور فمدحه فَقَالَ لَهُ لما دخل عَلَيْهِ كَيفَ قَالَ لَك الْوَلِيد فَأخْبرهُ فَجعل يتعجب وَلم يعد إِلَى الْمَنْصُور بعْدهَا لما رأى قلَّة رغبته فِي مدائح الشُّعَرَاء ونزارة ثَوَابه لَهُم وَتُوفِّي فِي صدر خِلَافَته فِي حُدُود السِّت وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة وَبَنُو ذبيان تزْعم أَن ابْن ميادة آخر الشُّعَرَاء الَّذين يستشهد بأشعارهم روى أَبُو دَاوُود الْفَزارِيّ أَن ابْن ميادة وقف يَوْمًا فِي الْمَوْسِم ينشد

لَو أَن جَمِيع النَّاس كَانُوا بتلعةوَجئْت بجدي ظَالِم وَابْن ظَالِم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لظلت رِقَاب النَّاس خاضعة لناسجودا على أقدامنا بالجماجم

والفرزدق وَاقِف عَلَيْهِ متلثم فَقَالَ لَهُ يَا ابْن يزِيد أَنْت صَاحب هَذِه الصّفة كذبت وَالله وَكذب سامع ذَلِك مِنْك فَلم يكذبك قَالَ فَمن يَا أَبَا فراس قَالَ أَنا أولى بِهِ مِنْك وَقَالَ

لَو أَن جَمِيع النَّاس كَانُوا بتلعةوَجئْت بجدي دارم وَابْن دارم
لظلت رِقَاب النَّاس خاضعة لناسجودا على أقدامنا بالجماجم

فَأَطْرَقَ ابْن ميادة وَلم يجبهُ وَمضى الفرزدق وانتحلها

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»