تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّابِع عشر

فيه ١٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع عشر

وَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِسيَفُوقَانِ مرداس فِي مجمع

على أَن الْكُوفِيّين وَبَعض الْبَصرِيين جوزوا للضَّرُورَة ترك صرف المنصرف بِشَرْط العلمية وأنشده أَيْضا هُنَا فِي آخر الْكَلَام على مُنْتَهى الجموع على أَن الْكُوفِيّين يمْنَعُونَ الصّرْف بالعلمية وَحدهَا لِأَنَّهَا سَبَب قوي فِي بَاب منع الصّرْف أَرَادَ بِبَعْض الْبَصرِيين أَبَا الْحسن الْأَخْفَش وَأَبا عَليّ الْفَارِسِي وَابْن برهَان وَاشْتِرَاط العلمية لمنع الصّرْف إِنَّمَا هُوَ مَذْهَب السُّهيْلي لَا غير وَأما الْكُوفِيُّونَ فهم يجيزون ترك الصّرْف للضَّرُورَة مُطلقًا فِي الْأَعْلَام وَغَيرهَا وَمن جملَة شواهدهم

قَول الشَّاعِر

فأوفض مِنْهَا وَهِي ترغو حشاشةبِذِي نَفسهَا وَالسيف عُرْيَان أَحْمَر

قَالُوا ترك صرف عُرْيَان وَهُوَ منصرف لِأَن مؤنثه عُرْيَانَهُ لَا عريا وَسَيَأْتِي مثله للشَّارِح فِي هَذَا الْبَاب وَقَول الفرزدق وَقيل هُوَ لِابْنِ أَحْمَر

إِذا قَالَ عاو من تنوخ قصيدةبهَا جرب عدت عَليّ بزوبرا

قَالُوا ترك صرف زوبر وَهُوَ منصرف وَمَعْنَاهُ نسبت إِلَيّ بكمالها من قَوْلهم أَخذ الشَّيْء بزوبره إِذا أَخذه كُله وَقيل بزوبرا أَي كذبا وزورا وَإِن كَانَ زوبر عِنْد الْبَصرِيين معرفَة قَالَ ابْن جني فِي الْمُبْهِج وَهُوَ تَفْسِير أسامي شعراء الحماسة سَأَلت أَبَا عَليّ عَن ترك صرف زوبر فَقَالَ جعلهَا علما لما تضمنته القصيدة من الْمَعْنى وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل هُوَ علم للكلية كسبحان علم للتسبيح وَكَذَا ذكره الشَّارِح فِي بَاب الْعلم نعم أَكثر شواهدهم جَاءَت فِي الْأَعْلَام وَكَأَنَّهُم راعوا بِحَسب الْأَغْلَب العلمية فِي منع الصرغ وَحدهَا للضَّرُورَة كَمَا أهملوها أَيْضا للضَّرُورَة فَالْمَسْأَلَة ثلاثية الْجَوَاز مُطلقًا وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين وَالْمَنْع مُطلقًا وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وَالْجَوَاز مَعَ العلمية وَهُوَ مَذْهَب السُّهيْلي وَقد حكى هَذِه الْمذَاهب الثَّلَاثَة الشاطبي فِي شرح الألفية وَقَالَ الْمبرد الرِّوَايَة

يَفُوقَانِ شَيْخي فِي مجمع

قَالَ ابْن مَالك فِي شرح التسهيل وللمبرد إقدام فِي رد مَا لم يرو مَعَ أَن الْبَيْت بِذكر مرادس ثَابت بِنَقْل الْعدْل عَن الْعدْل فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَذكر شَيْخي لَا يعرف لَهُ سَنَد صَحِيح وَلَا سَبَب يُدْنِيه من التَّسْوِيَة فَكيف من التَّرْجِيح وَقَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة بعد أَن عَارض الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة بِرِوَايَة الْمبرد على أَن الْمبرد قد حكى عَنْهُم سَلام عَلَيْكُم غير منون وَالْقَوْل فِيهِ أَن اللَّفْظَة كثرت فِي كَلَامهم فَحذف تنوينها تَخْفِيفًا كَمَا قَالُوا لم يَك وَلَا تبل وَلَا أدر انْتهى يُرِيد إِن سلمنَا رِوَايَة الْكُوفِيّين فَهُوَ من بَاب حذف التَّنْوِين لَا من بَاب منع الصّرْف وَهَذَا ظَاهر فِي الْمَنْصُوب وليت شعري مَا يَقُول فِي الْمَجْرُور إِذا جر بالفتحة كَقَوْل الشَّاعِر

قَالَت أُمَيْمَة مَا لِثَابِت شاخصاعاري الأشاجع ناحلا بالمفصل

ف ثَابت علم جر بالفتحة وَقَول الآخر

وَإِلَى ابْن أم أنَاس تعمد نَاقَتيعَمْرو لتنجح نَاقَتي أَو تتْلف

فجر أنَاس بالفتحة وَأم أنَاس بنت ذهل بن شَيبَان وَعَمْرو هُوَ عَمْرو بن حجر الْكِنْدِيّ وَقَوله

وقائلة مَا بَال دوسر بَعدنَاصَحا قلبه عَن آل ليلى وَعَن هِنْد
للشاعر دَوسَر القُرَيعي، اقرأ القصيدة

وَنَحْو هَذَا من أَبْيَات أخر وَاسْتدلَّ الْكُوفِيُّونَ على جَوَاز ترك الصّرْف ضَرُورَة بِالسَّمَاعِ وَالْقِيَاس أما

السماع فكثرة الشواهد وَهِي تزيد على عشْرين بَيْتا ذكرهَا ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف واثبتها البصريون بروايات لَيْسَ فِيهَا ترك الصّرْف فَقَالُوا فِي قَوْله...

وقائلة مَا بَال دوسر بَعدنَا

الرِّوَايَة

وقائلة مَا للقريعي بَعدنَا

وَقَالُوا فِي قَوْله

وَمصْعَب حِين جد الْأَمرأَكْثَرهَا وأطيبها

الرِّوَايَة وَأَنْتُم حِين جد الْأَمر وَهَكَذَا رووا فِي سَائِر الأبيات فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة مَا روينَاهُ وَلَو سلمنَا صِحَة روايتكم فَمَا جوابكم عَمَّا روينَاهُ مَعَ صِحَّته وشهرته وَأما الْقيَاس فَإِنَّهُ لما جَازَ صرف مَالا ينْصَرف اتِّفَاقًا وَهُوَ خلاف الْقيَاس جَازَ الْعَكْس أَيْضا إِذْ لَا فرق بَينهمَا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذا جَازَ حذف الْوَاو المتحركة ضَرُورَة من قَوْله

فبيناه يشري رَحْله قَالَ قَائِللمن جمل رخو الملاط نجيب

وَأَصله فَبينا هُوَ فجواز حذف التَّنْوِين ضَرُورَة من بَاب أولى لِأَن الْوَاو من هُوَ متحركة والتنوين سَاكن وَلَا خلاف أَن حذف الْحَرْف السَّاكِن أسهل من حذف المتحرك وَأما البصريون فَقَالُوا لَا يجوز ترك الصّرْف لِأَن الأَصْل فِي الْأَسْمَاء الصّرْف فَلَو أَنا جَوَّزنَا ذَلِك أدّى إِلَى رده عَن الأَصْل إِلَى الْفَرْع وَلَا لتبس مَا ينْصَرف بِمَا لَا ينْصَرف وعَلى هَذَا يخرج حذف الْوَاو من هُوَ نَحْو قَوْله فبيناه يشري رَحْله

فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى لبس وَإِنَّمَا جَازَ فِي الضَّرُورَة صرف مَالا ينْصَرف لِأَنَّهُ من أصل الِاسْم فَإِذا اضطروا ردُّوهُ إِلَى أَصله وَإِن لم ينطقوا إِلَيْهِ فِي السعَة كَمَا لم ينطقوا بِنَحْوِ ضننوا فِي السعَة بِخِلَاف منع الصّرْف لِأَنَّهُ لَيْسَ من أصل المنصرف أَلا ينْصَرف وَقد ذهب ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف مَذْهَب الْكُوفِيّين لِكَثْرَة النَّقْل الَّذِي خرج عَن هَذَا الشذوذ والقلة فَقَالَ وَلما صحت الرِّوَايَة عِنْد الْأَخْفَش والفارسي وَابْن برهَان من الْبَصرِيين صَارُوا إِلَى جَوَاز ترك الصّرْف ضَرُورَة تبعا للكوفيين وهم من أكَابِر أَئِمَّة الْبَصرِيين والمشار إِلَيْهِم من الْمُحَقِّقين وَأجَاب عَن كَلِمَات الْبَصرِيين فَقَالَ أما قَوْلهم يُؤَدِّي ترك الصّرْف إِلَى الْفَرْع قُلْنَا هَذَا يبطل بِحَذْف الْوَاو من هُوَ فِي قَوْله فبيناه يشري خُصُوصا على أصل الْبَصرِيين فَإِن الْوَاو عِنْدهم أَصْلِيَّة وَقَوْلهمْ لَا التباس بحذفها غير مُسلم فَإنَّك إِذا قلت غزا هُوَ بتأكيد الضَّمِير الْمُتَّصِل بالمنفصل فَإِذا حذفت الْوَاو حصل اللّبْس وَكَذَلِكَ يحصل اللّبْس بِصَرْف مَا لَا ينْصَرف فَإِنَّهُ يُوقع لبسا بَين المنصرف وَغَيره وَمَعَ هَذَا وَقع الْإِجْمَاع على جَوَازه فَإِن قَالُوا الْكَلَام هُوَ الَّذِي يتَحَصَّل القانون بِهِ دون الشّعْر وَصرف مَا لَا ينْصَرف لَا يُوقع لبسا بَين مَا ينْصَرف وَبَين مَا لَا ينْصَرف لِأَنَّهُ لَا يلتبس ذَلِك فِي أختيار الْكَلَام قُلْنَا وَهَذَا هُوَ جَوَابنَا عَمَّا ذكرتموه فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْكَلَام هُوَ الَّذِي يتَحَصَّل بِهِ القانون فَترك صرف مَا لَا ينْصَرف فِي الضَّرُورَة لَا يُوجب لبسا بَينهمَا إِذْ لَا يلتبس مَا ينْصَرف وَمَا لَا ينْصَرف فِي اخْتِيَار الْكَلَام وَأطَال الْكَلَام فِي الرَّد على الْبَصرِيين وَقد أورد الْفَارِسِي فِي تَذكرته على أصل الْبَصرِيين سؤالا لم يجب عَنهُ فَقَالَ أفيجوز فِي الضَّرُورَة أَن لَا يعرب الْفِعْل الْمُضَارع لِأَن الأَصْل كَانَ فِيهِ أَن لَا يعرب كَمَا كَانَ الأَصْل فِي الِاسْم أَن لَا يصرف فَإِذا لم تعربه رَددته إِلَى الأَصْل فِي

الضَّرُورَة كَمَا رددت الِاسْم إِلَى الصّرْف فِي الضَّرُورَة وَاسْتشْهدَ على ذَلِك بقوله فاليوم أشْرب وَنَحْو ذَلِك قيل أما الأبيات فَلَيْسَتْ بِدَلِيل قَاطع لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون أجريت فِي الْوَصْل مجْرى الْوَقْف وَبَقِي النّظر فِي هَل يجوز أَن لَا يعرب

هَذَا مَا قَالَه وَلم يجب عَنهُ قَالَ الشاطبي وَكَأَنَّهُ إِشْكَال على مَذْهَب الْبَصرِيين لَكِن الْجَواب يظْهر عَنهُ بِأَدْنَى نظر انْتهى وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سَبْعَة للْعَبَّاس بن مرداس الصَّحَابِيّ ﵁ ابْن أبي عَامر بن حَارِثَة بن عبد بن عبس بن رِفَاعَة بن الْحَرْث بن بهثة بن سليم أسلم قبل فتح مَكَّة بِيَسِير وَأمه الخنساء الصحابية الشاعرة كَمَا يَأْتِي بَيَانه فِي ترجمتها وَكَانَ عَبَّاس هَذَا من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَلما فرغ رَسُول الله

من رد سَبَايَا حنين إِلَى أَهلهَا أعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَكَانُوا أَشْرَاف يتألفهم ويتألف بهم قَومهمْ فَأعْطى أَبَا سُفْيَان وَابْنه مُعَاوِيَة وَحَكِيم بن حزَام والْحَارث بن الْحَارِث بن كلدة والْحَارث بن هِشَام وَسُهيْل بن عَمْرو وَحُوَيْطِب بن عبد الْعُزَّى وَصَفوَان بن أُميَّة وكل هَؤُلَاءِ من أَشْرَاف قُرَيْش والأقرع بن حَابِس بن عقال بن مُحَمَّد بن سُفْيَان الْمُجَاشِعِي التَّمِيمِي وعيينة بن حصن الْفَزارِيّ وَمَالك ابْن عَوْف النصري أعْطى كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ مائَة بعير وَأعْطى دون الْمِائَة رجَالًا من قُرَيْش وَأعْطى عَبَّاس بن مرداس أباعر فسخطها وَقَالَ يُعَاتب النَّبِي

أَتجْعَلُ نَهْبي وَنهب العبيدبَين عُيَيْنَة والأقرع
وَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِسيَفُوقَانِ مرداس فِي مجمع
وَمَا كنت دون امْرِئ مِنْهُمَاوَمن تضع الْيَوْم لَا يرفع
وَقد كنت فِي الْحَرْب ذَا تدرإفَلم أعْط شَيْئا وَلم أمنع
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «وكانت نهابا تلافيتها»
إِلَّا أفائل من حَرْبَةعديد قوائمه الْأَرْبَع

(وَكَانَت نهابا تلافيتها...... بكري على الْمهْر فِي الأجرع)

وإيقاظي الْقَوْم أَن يرقدواإِذا هجع النَّاس لم أهجع
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «وكانت نهابا تلافيتها»

النهب الْغَنِيمَة وَالْعَبِيد بِالتَّصْغِيرِ اسْم فرس الْعَبَّاس وَكَانَ يدعى فَارس العبيد وتدرأ تفعل بِضَم التَّاء وَفتح الْعين مَهْمُوز من الدرء وَهُوَ الدّفع قَالَ فِي الصِّحَاح وَقَوْلهمْ السُّلْطَان ذُو تدرإ أَي ذُو عدَّة وَقُوَّة على دفع أعدائه عَن نَفسه وَهَذَا اسْم مَوْضُوع للدَّفْع وَقَوله فَلم أعْط شَيْئا إِلَخ أَي لم أعْط شَيْئا طائلا أَو لم أعْط شَيْئا اسْتَحَقَّه وَهُوَ الْمِائَة وَلم أمنع من الْإِعْطَاء لِأَنِّي أَعْطَيْت بَعْضًا قيل كَانَ أعطي خمسين وَاسْتشْهدَ بِهِ النُّحَاة على حذف الصّفة لِئَلَّا يلْزم التَّنَاقُض والأفائل جمع أفيل بِالْفَاءِ كالفصيل وزنا وَمعنى وَقَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ ابْن سَبْعَة أشهر أَو ثَمَانِيَة وَيجمع على إفال أَيْضا بِكَسْر الْهمزَة وَهَذِه رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة وروى ابْن عقبَة وَابْن إِسْحَاق إِلَّا افائل أعطيتهَا كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر فَلَمَّا أنْشد هَذِه الأبيات بَين يَدي النَّبِي

قَالَ اقْطَعُوا عني لسانة فَأعْطِي حَتَّى رَضِي وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة أتمهَا لَهُ مائَة وَقَالَ ابْن أبي الإصبع فِي تَحْرِير التحبير قَالَ لعَلي يَا عَليّ اقْطَعْ لِسَانه عني فَقبض على يَده وَخرج بِهِ فَقَالَ أقاطع أَنْت لساني يَا أَبَا الْحسن فَقَالَ إِنِّي لممض

فِيك مَا أمرت ثمَّ مضى بِهِ إِلَى إبل الصَّدَقَة فَقَالَ خُذ مَا أَحْبَبْت قَالَ وَقَول عَليّ ﵁ أحسن مواربة سَمعتهَا فِي كَلَام الْعَرَب وَفِيه رِوَايَات آخر حَكَاهَا السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي والمرداس الْحَصَاة الَّتِي يَرْمِي بهَا فِي الْبِئْر لينْظر هَل فِيهَا مَاء أم لَا وَأَخْطَأ شَارِح اللب حَيْثُ قَالَ إِن مرداسا هَذَا هُوَ رَأس الْخَوَارِج وكنيته أَبُو بِلَال وَحكى رِوَايَة الأبيات للصحابي بقيل

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»