من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
أَخَاك أَخَاك إِن من لَا أَخا لَهُكساع إِلَى الهيجا بِغَيْر سلَاح
على أَن أَخَاك مَنْصُوب على الإغراء وَهُوَ مُكَرر. يُرِيد: الزم أَخَاك غير أَن هَذَا مِمَّا لَا يحسن فِيهِ إِظْهَار الْفِعْل عنذ التكرير وَيحسن إِذا لم يُكَرر لأَنهم. إِذا كرروا وَجعلُوا أحد الاسمين كالفعل وَالِاسْم الآخر كالمفعول وَكَأَنَّهُم جعلُوا أَخَاك الأول بِمَنْزِلَة الزم فَلم يحسن أَن تدخل الزم على مَا قد جعل بِمَنْزِلَة الزم.
وَجُمْلَة إِن من لَا أَخا لَهُ الخ اسْتِئْنَاف بياني. وأكد لِأَنَّهُ جَوَاب عَن السَّبَب الْخَاص. ومن: نكرَة مَوْصُوفَة بِالْجُمْلَةِ بعْدهَا وَقيل: مَوْصُولَة.
ولَا: نَافِيَة للْجِنْس وأَخا: اسْمهَا وَاللَّام مقحمة بَين المتضايفين نَحْو قَوْلهم: يَا بؤس للحرب وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: مَوْجُود وَنَحْوه.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَمن ذَلِك قَوْلهم: لَا أَبَا لزيد وَلَا أَخا لَهُ وَلَا غلامى لَهُ على قَول سِيبَوَيْهٍ: إِن اسْم لَا مُضَاف لما بعد اللَّام. وَأما على قَول من جعل اللَّام وَمَا بعْدهَا صفة وَجعل الِاسْم مشبهاً بالمضاف لِأَن الصّفة من تَمام الْمَوْصُوف وعَلى قَول من جَعلهمَا خَبرا وَجعل أَبَا وأخا على لُغَة من قَالَ: إِن أَبَاهَا وَأَبا أَبَاهَا وَجعل حذف النُّون على وَجه الشذوذ فَاللَّام للاختصاص وَهِي مُتَعَلقَة باستقرار مَحْذُوف. هـ.)
وَقَوله: كساع إِلَى الهيجا الخ خبر إِن. يَقُول: استكثر من الإخوان فهم عدَّة تستظهر بهَا على الزَّمَان كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ َ: الْمَرْء كثير بأَخيه. وَجعل من لَا أَخا لَهُ يستظهر بِهِ كمن قَاتل عدوه وَلَا سلَاح مَعَه. وَقد
صدق فَإِن من قطع أَخَاهُ وصرمه كَانَ بِمَنْزِلَة من قَاتل بِغَيْر سلَاح.
وَقد أورد هَذَا الْبَيْت أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سلاّم فِي أَمْثَاله وَقَالَ: هُوَ مثل فِي استغاثة الرجل بِأَهْل الثِّقَة. والهيجا: الْحَرْب تمد وتقصر. قَالَ ابْن خلف: وَهِي فعلاء أَو فعلى فَمن قصرهَا فَيكون الْمَحْذُوف مِنْهَا ألف الْمَدّ دون ألف التَّأْنِيث. وَإِنَّمَا كَانَ حذف ألف الْمَدّ أولى من حذف ألف التَّأْنِيث لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا أَن ألف التَّأْنِيث لِمَعْنى وَألف الْمَدّ لغير الْمَعْنى فَكَانَ حذف مَا لَيْسَ لِمَعْنى أولى مِمَّا جَاءَ لِمَعْنى.
وَالثَّانِي: أَن جَمِيع مَا قصر مِمَّا همزته للتأنيث لَا ينْصَرف بعد الْقصر وَلَو كَانَ الْمَحْذُوف مِنْهُ همزَة التَّأْنِيث لانصرف الِاسْم لزوَال عَلامَة التَّأْنِيث كَمَا صرفت قريقر وحبيّر مصغري قرقرى وحبارى لزوَال عَلامَة التَّأْنِيث مِنْهُ. أَلا ترى قَوْله:
يَا رب هيجا هِيَ خير من دَعه قصره وَلم يصرفهُ وَالْقصر فِيهِ ضَرُورَة وَقيل: هُوَ لُغَة. وَلَو كَانَ الْمَحْذُوف مِنْهُ ألف التَّأْنِيث لقَالَ: يَا رب هيجاً هِيَ خير وَكَانَ ينون هيجا ويذكرها وَيَقُول هُوَ خير وَلَا يَقُول هِيَ خير.
وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات لمسكين الدَّارمِيّ. وَبعده:
وَإِن ابْن عَم الْمَرْء فَاعْلَم جنَاحهوَهل ينْهض الْبَازِي بِغَيْر جنَاح
وَمَا طَالب الْحَاجَات إِلَّا معذباًوَمَا نَالَ شَيْئا طَالب لنجاح
لحا الله من بَاعَ الصّديق بِغَيْرِهِوَمَا كل بيع بِعته برباح
كمفسد أدناه ومصلح غَيرهوَلم يأتمر فِي ذَاك غير صَلَاح
وَفِي الأغاني وَغَيره إِن مِسْكينا الدَّارمِيّ لما قدم على مُعَاوِيَة أنْشدهُ
إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ رحلتهاتثير القطا لَيْلًا وَهن هجود
على الطَّائِر الميمون وَالْجد صاعدلكل أنَاس طَائِر وجدود
)
وَسَأَلَهُ أَن يفْرض لَهُ فَأبى عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يفْرض إِلَّا لليمن فَخرج من عِنْده وَهُوَ يَقُول: أَخَاك أَخَاك إِن من لَا أَخا لَهُ الأبيات وَلم يزل مُعَاوِيَة كَذَلِك حَتَّى كثرت الْيمن وعزّت قحطان وضعفت عدنان فَبلغ مُعَاوِيَة أَن رجلا من الْيمن قَالَ: هَمَمْت أَن لَا أحل حبوتي حَتَّى أخرج كل نزاريّ بِالشَّام. فرض من وقته لأربعة آلَاف رجل من قيس. فَقدم لذَلِك على مُعَاوِيَة عُطَارِد بن حَاجِب فَقَالَ لَهُ: مَا فعل الْفَتى الدَّارمِيّ الصبيح الْوَجْه الفصيح اللِّسَان يَعْنِي مِسْكينا فَقَالَ: صَالح يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: أعلمهُ أَنِّي قد فرضت لَهُ فَلهُ شرف الْعَطاء وَهُوَ فِي بِلَاده فَإِن شَاءَ يُقيم بهَا أَو عندنَا فَلْيفْعَل فَإِن عطاءه سيأتيه وبشره بِأَنِّي قد فرضت لأربعة آلَاف من قومه. فَكَانَ مُعَاوِيَة يغزي الْيمن فِي الْبَحْر وتميماً فِي البرّ فَقَالَ النَّجَاشِيّ وَهُوَ شَاعِر الْيمن:
أَلا أَيهَا النَّاس الَّذين تجمعُوابعكّا أنَاس أَنْتُم أم أباعر
أيترك قيسا آمِنين بدارهمونركب ظهر الْبَحْر وَالْبَحْر زاخر
فو الله مَا أَدْرِي وَإِنِّي لسائلأهمدان تَحْمِي ضيمها أم يحابر
أم الشّرف الْأَعْلَى من أَوْلَاد حميربَنو مَالك أَن تستمرّ المرائر
فَرجع الْقَوْم جَمِيعًا عَن وجههم فَبلغ ذَلِك مُعَاوِيَة فسكّن مِنْهُم وَقَالَ: أَنا
أغزيكم فِي الْبَحْر لِأَنَّهُ أرْفق من الْخَيل وَأَقل مُؤنَة وَأَنا أعاقبكم فِي الْبر وَالْبَحْر فَفعل ذَلِك ومسكين الدَّارمِيّ اسْمه ربيعَة بن عَامر بن أنيس بن شُرَيْح بن عَمْرو بن عدي بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم.
قَالَ الْكَلْبِيّ: كل عدس فِي الْعَرَب بِضَم الْعين وَفتح الدَّال إِلَّا عدس بن زيد هَذَا فَإِنَّهُ مضموم الدَّال. هَكَذَا فِي جمهرة النّسَب.
ومسكين الدَّارمِيّ شَاعِر شُجَاع من أهل الْعرَاق ولقّب الْمِسْكِين لقَوْله:
أَنا مِسْكين لمن أنكرنيوَلمن يعرفنِي جد نطق
وَلقَوْله:
وسمّيت مِسْكينا وَكَانَت لحَاجَةوَإِنِّي لمسكين إِلَى الله رَاغِب
وَهَذِه القصيدة من أحسن شعره:)
اتَّقِ الأحمق أَن تصحبهإِنَّمَا الأحمق كَالثَّوْبِ الْخلق
كلما رقّعت مِنْهُ جانباًحرّكته الرّيح وَهنا فانخرق
أَو كصدع فِي زجاج فَاحشهَل ترى صدع زجاج يتَّفق
وَإِذا نهنهته كي يرعويزَاد جهلا وَتَمَادَى فِي الْحمق
وَإِذا الْفَاحِش لَاقَى فَاحِشافَهُنَا كم وَافق الشّنّ الطَّبَق
إِنَّمَا الْفُحْش وَمن يعتادهكغراب السوء مَا شَاءَ نغق
أَو حمَار السوء إِن أشبعتهرمح النَّاس وَإِن جَاع نهق
أَو غُلَام السوء إِن جوّعتهسرق الْجَار وَإِن يشْبع فسق
أَو كغيرى رفعت من ذيلها ثمَّ أرخته ضراطاً فانمزق
أَيهَا السَّائِل عَمَّا قد مضىهَل جَدِيد مثل ملبوس خلق
أَنا مِسْكين لمن أنكرنيوَلمن يعرفنِي جد نطق
لَا أبيع النَّاس عرضي إِنَّنِيلَو أبيع النَّاس عرضي لنفق
وَمن شعره يرثي ابْن سميّة:
رَأَيْت زِيَادَة الْإِسْلَام ولّتجهاراً حِين ودّعنا زِيَاد
وردّ عَلَيْهِ الفرزدق بقوله:
أمسكين أبكى الله عَيْنك إِنَّمَاجرى فِي ضلال دمعها إِذْ تحدرا
بَكَيْت امْرأ من أهل ميسَان كَافِرًاككسرى على عدّانه أَو كقيصرا
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله: بِهِ لَا بِظَبْيٍ مثل: أَي: جعل الله مَا أَصَابَهُ لَازِما مؤثراً فِيهِ وَلَا كَانَ مثل الظبي فِي سَلَامَته مِنْهُ. يضْرب فِي الشماتة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
ثمَّ رَأَيْت الميداني قَالَ: الأعفر: الْأَبْيَض. أَي: لتنزل بِهِ الْحَادِثَة لَا بِظَبْيٍ. يضْرب عِنْد الشماتة.
قَالَ جرير حِين نعي إِلَيْهِ زِيَاد بن أَبِيه.. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: وَمثله.
بِهِ لَا بكلب نابح فِي السباسب وَمن شعر مِسْكين:
اصحب الأخيار وارغب فيهمربّ من صحبته مثل الجرب
واصدق النَّاس إِذا حدثتهمودع الْكَذِب لمن شَاءَ كذب
)
ربّ مهزول سمين عرضهوسمين الْجِسْم مهزول الْحسب
وَمن شعره الْجيد مِمَّا أثْبته السَّيِّد المرتضى علم الْهدى فِي أَمَالِيهِ الدُّرَر وَالْغرر:
إِن أدع مِسْكينا فَمَا قصرتقدري بيُوت الْحَيّ والجدر
مَا مسّ رحلي العنكبوت وَلَاجدياته من وَضعه غبر
لَا آخذ الصّبيان ألثمهموَالْأَمر قد يعزى بِهِ الْأَمر
ولربّ أَمر قد تركت وَمَابيني وَبَين لِقَائِه ستر
مَا علتي قومِي بَنو عدسوهم الْمُلُوك وخالي الْبشر
عمّي زُرَارَة غير منتحلوَأبي الَّذِي حدثته عَمْرو
فِي الْمجد غرّتنا مبيّنةللناظرين كَأَنَّهَا الْبَدْر
لَا يرهب الْجِيرَان غدرتناحَتَّى يواري ذكرنَا الْقَبْر
لسنا كأقوام إِذا كلحتإِحْدَى السنين فجارهم تمر
مَوْلَاهُم لحم على وَضمتنتابه العقبان والنسر
نَارِي ونار الْجَار وَاحِدَةوَإِلَيْهِ قبلي تنزل الْقدر
مَا ضرّ جاري أَن أجاورهأَن لَا يكون لبيته ستر
أعشى إِذا مَا جارتي خرجتحَتَّى يواري جارتي الخدر
ويصمّ عَمَّا كَانَ بَينهمَاسَمْعِي وَمَا بِي غَيره وقر
قَوْله: فَمَا قصرت قدري الخ أَي: سترت. يُرِيد: أَنَّهَا بارزة لَا يحجبها السواتر والحيطان.
وَقَوله: مَا مس رحلي العنكبوت الخ هَذِه كِنَايَة مليحة عَن مُوَاصلَة السّير وهجر الوطن لِأَن العنكبوت إِنَّمَا ينسج على مَا لَا تناله الْأَيْدِي وَلَا يكثر اسْتِعْمَاله. والجديات: جمع جدية بِالسُّكُونِ وَهِي بَاطِن دفة الرحل. وَقَوله: لَا آخذ الصّبيان الخ يَقُول: لَا أقبّل الصَّبِي وَأَنا أُرِيد وَمثله لغيره:
وَلَا ألقِي لذِي الودعات سَوْطِيألاعبه وربّته أُرِيد
وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي فِي مثله:
إِذا رَأَيْت صبي الْقَوْم يلثمهضخم المناكب لَا عمّ وَلَا خَال
فاحفظ صبيك مِنْهُ أَن يدنسهوَلَا يغرنك يَوْمًا قلَّة المَال
)
وَقَوله: قاومت فِي كبد الخ الكبد: المزلة الَّتِي لَا تثبت فِيهَا الأرجل. والدهان: الْأَدِيم الْأَحْمَر.
وَقَوله: فَكَانَ لي الْعذر إِنَّمَا يكون الْعذر إِذا
كَانَ ثمَّ ظلم فَيَقُول: إِنَّمَا أقاوم وأخاصم مَظْلُوما متعدى عَلَيْهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيجب الِاعْتِذَار على الظَّالِم وَيكون الْعذر لي كَقَوْلِه:
فَإِن كَانَ سحرًا فاعذريني على الْهوىوَإِن كَانَ دَاء غَيره فلك الْعذر
وَقَوله: فجارهم تمر أَي: يستحلى الْغدر بِهِ كَمَا يستحلى التَّمْر. وَقَوله: نَارِي ونار الْجَار وَاحِدَة يُقَال: إِنَّه كَانَت لَهُ امْرَأَة تماضّه فَلَمَّا قَالَ ذَلِك قَالَت لَهُ: أجل إِنَّمَا ناره ونارك وَاحِدَة لِأَنَّهُ أوقد وَلم توقد وَالْقدر تنزل إِلَيْهِ قبلك لِأَنَّهُ طبخ وَلم تطبخ وَأَنت تستطعمه.. وَقَوله: أَن لَا يكون لبيته ستر يُقَال: إِنَّهَا قَالَت لَهُ: أجل إِن كَانَ لَهُ ستر هتكته.
وَقَوله: أعشى إِذا مَا جارتي خرجت اسْتشْهد بِهِ فِي التَّفْسِير عِنْد قِرَاءَة وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن بِفَتْح الشين ولأجله أوردت هَذِه القصيدة فَإِن شرّاح شَوَاهِد التَّفْسِير اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَيْت: فبعضهم نسبه إِلَى حَاتِم الطائيّ وَبَعْضهمْ نسبه إِلَى غَيره. قَالَ صَاحب الْكَشَّاف: وَمن يَعش بِضَم الشين وَفتحهَا وَالْفرق بَينهمَا: أَنه إِذا حصلت الآفة فِي بَصَره قيل:
عشي وَإِذا نظر نظر الْعشي وَلَا آفَة بِهِ قيل: عشا. وَنَظِيره عرج لمن بِهِ الآفة وعرج لمن مَشى مشْيَة العرجان من غير عرج قَالَ الحطيئة:
مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء ناره أَي: تنظر إِلَيْهَا نظر الْعشي لما يضعف بَصرك من عظم الْوقُود واتساع الضَّوْء. وَهُوَ بَين فِي قَول حَاتِم:
أعشو إِذا مَا جارتي برزتحَتَّى يواري جارتي الخدر
وَقُرِئَ: يعشو. وَمعنى الْقِرَاءَة بِالْفَتْح: وَمن يعم عَن ذكر الرَّحْمَن وَهُوَ الْقُرْآن. وَأما الْقِرَاءَة بِالضَّمِّ فمعناها: وَمن يتعام عَن ذكره أَي: يعرف أَنه الْحق وَهُوَ يتجاهل ويتغابى. ا. هـ مُخْتَصرا.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع