من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندىيزِيد سليمٍ والأغر بن حَاتِم
على أَنه قد يُقَال فِي غير الْأَكْثَر الْأَفْصَح: شتان مَا بَين زيدٍ وَعَمْرو كَمَا فِي الْبَيْت.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل العسكرية: وَأما شتان فموضوع مَوضِع قَوْلك: افترق متباين وَهُوَ من قَوْله ﷿: إِن سعيكم لشتًى
وأشتاتاً. وَهَذَا الْبَاب إِذا كَانَ كَذَلِك اقْتضى فاعلين فَصَاعِدا فَمن ثمَّ يُقَال: شتان زيدٌ وَعَمْرو. وعَلى هَذَا قَول الْأَعْشَى:
شتان مَا يومي على كورهاوَيَوْم حَيَّان أخي جَابر
فأسنده إِلَى فاعلين معطوفٍ أَحدهمَا على الآخر. فَأَما قَوْلك: شتان مَا بَينهمَا فَالْقِيَاس لَا يمنعهُ إِذا جعلت مَا بِمَنْزِلَة الَّذِي وَجعلت بَين صلَة ل مَا لإبهامها قد تقع على الْكَثْرَة أَلا ترى قَوْله: يعْبدُونَ من دون الله مَا لَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ. ثمَّ قَالَ: وَيَقُولُونَ فَعلمت أَن المُرَاد بِهِ جمع. وَكَذَلِكَ: مَا لَا يملك لَهُم رزقا ثمَّ قَالَ: وَلَا يَسْتَطِيعُونَ فَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يمْتَنع فِي الْقيَاس. وَقد جَاءَ فِي الشّعْر: لشتان مَا بَين اليزيدين إِلَّا أَن الْأَصْمَعِي طعن فِي فصاحة هَذَا الشَّاعِر وَذهب إِلَى أَنه غير محتجٍّ بقوله. وَرَأَيْت أَبَا عَمْرو قد أنْشد هَذَا الْبَيْت على وَجه الْقبُول لَهُ والاستشهاد بِهِ. وَقد طعن الْأَصْمَعِي على غير شَاعِر قد احْتج بهم غَيره كذي الرمة والكميت فَيكون هَذَا أَيْضا مثلهم. انْتهى. وَمثله للْإِمَام المرزوقي فِي شرح فصيح ثَعْلَب قَالَ: شتان موضوعٌ مَوضِع تشَتت وَإِذا قلت: شتان مَا هما ف مَا صلَة أكد بهَا الْكَلَام وهما فِي مَوضِع الْفَاعِل وَلَا يسْتَغْنى بِوَاحِد لِأَنَّهُ وضع لاثْنَيْنِ فَصَاعِدا كَمَا أَن تشَتت كَذَلِك.
والعامة تَقول: شتان مَا بَين فلَان وَفُلَان وكثيرٌ من النَّاس يدفعونه حَتَّى خطأ جماعةٌ من النَّحْوِيين ربيعَة الرقي. وَله وَجه صَحِيح وَهُوَ أَن يكون مَا لأحوال اليزيدين وأوصافهما وَجعلت مَا بعده صلَة لَهُ فعرفته أَو صفة لَهُ فنكرته لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصح دُخُول شتان وتشتت عَلَيْهِ. وَلَا يكون لواحدٍ.
انْتهى. وَهَذَا مخالفٌ لصنيع الشَّارِح الْمُحَقق فَإِنَّهُ منع مَا أَن تكون مَوْصُولَة مَعَ تَفْسِير شتان بِمَا يطْلب فاعلين لِأَن بَين مَعَ الْأُمُور المعنوية تَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِي شَيْئَيْنِ والمشاركة هُنَا لَا تصح.
فَإِن مُشَاركَة اليزيدين فِي كلٍّ من خصلتي الْجُود وَالْبخل ضد مَقْصُود الشَّاعِر وَإِنَّمَا مُرَاده انْفِرَاد أَحدهمَا بالجود وَالْآخر بالبخل. وَيدل عَلَيْهِ قَوْله بعد: وَهَذَا مبنيٌّ على أَن فِي الْبَيْت حذف مَعْطُوف وَالتَّقْدِير: لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى)
وَالْبخل فَيكون من قبيل قَوْله تَعَالَى: سرابيل تقيكم الْحر أَي: وَالْبرد. فَإِن قلت: يجوز أَن يشتركا فِي الندى وَيكون أَحدهمَا فِي الطّرف الْأَعْلَى مِنْهُ وَالْآخر فِي الطّرف الْأَسْفَل فَلَا يكون فِيهِ حذف مَعْطُوف. قلت: هَذَا أَيْضا خلاف مَقْصُوده. فَإِنَّهُ يُرِيد أَن يثبت صفة الْجُود لأَحَدهمَا وَيثبت خلَافهَا للْآخر فَلَا اشْتِرَاك لَهما فِي أصل الْجُود. وَيدل عَلَيْهِ قَوْله أَيْضا:
يزِيد سليمٍ سَالم المَال والفتىأَخُو الأزد للأموال غير مسالم
فَلَمَّا رأى الشَّارِح الْمُحَقق مَا ذكر من منع تَفْسِير شتان ب افترق حمل شتان على معنى بعد الطَّالِب لفاعلٍ وَاحِد وَهُوَ:
إِمَّا مَا وَتَكون عبارَة إِمَّا عَن البون والمسافة. والبون: الْفضل والمزية وَهُوَ مصدر بانه يبونه بوناً إِذا فَضله. وَبَينهمَا بون أَي: بَين درجتيهما وَبَين اعتبارهما فِي الشّرف. وَأما إِذا كَانَا متباعدين بالجسم. فَيُقَال: بَينهمَا بَين بِالْيَاءِ. والمسافة: قطع الطَّرِيق مفعلة من السوف وَهُوَ الشم لِأَن الدَّلِيل يسوف تُرَاب الْموضع الَّذِي يسير فِيهِ فَإِن استافا رَائِحَة أَبْوَال الْإِبِل وأبعارها علم أَنه على جادةٍ وَإِلَّا فَلَا يُقَال: بَينهم مَسَافَة بعيدَة. وَمَا فِي الْحَقِيقَة على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ مَوْصُولَة أَي: البون الَّذِي بَينهمَا أَو الْمسَافَة الَّتِي بَينهمَا. وَإِمَّا بَين هُوَ الْفَاعِل وَتَكون مَا زَائِدَة كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِح الْمُحَقق. وَيُؤَيِّدهُ وُرُود بَين بِالنّصب فَاعِلا لشتان بِدُونِ مَا.
وشتان بَيْنكُمَا فِي الندىوَفِي الْبَأْس وَالْخَيْر والمنظر
وَقَالَ آخر:
أخاطب جَهرا إِذْ لَهُنَّ تخافتٌوشتان بَين الْجَهْر والمنطق الخفت
وَقَالَ جميل:
أُرِيد صَلَاحهَا وتريد قَتْلِيوشتى بَين قَتْلِي وَالصَّلَاح
أَصله شتان وحذفت النُّون ضَرُورَة. وعَلى هَذَا لَا يعْتَبر حذف مَعْطُوف كَمَا اعْتبر على غير تَوْجِيه الشَّارِح الْمُحَقق. وَيجوز رفع بَين إِذا لم يسبقها مَا وَقدمه صَاحب الْقَامُوس على النصب فَقَالَ: وشتان بَينهمَا وَينصب.
وروى أَبُو زيد فِي نوادره قَول الشَّاعِر:
شتان بَينهمَا فِي كل منزلةٍهَذَا يخَاف وَهَذَا يرتجى أبدا
بِرَفْع بَين. ثمَّ قَالَ: وَمن الْعَرَب من ينصب بَينهمَا كَقَوْلِه تَعَالَى: لقد تقطع بَيْنكُم. وَبَين: لفظ مُشْتَرك بَين الْمصدر والظرف وَهِي من الأضداد تكون للوصل وللفرقة. قَالَ فِي الْقَامُوس: الْبَين يكون فرقة ووصلاً واسماً وظرفاً مُتَمَكنًا. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق كَمَا هُوَ مَذْهَب الْأَخْفَش فِي)
قَوْله تَعَالَى: يفصل بَيْنكُم بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول إِمَّا بتَشْديد الصَّاد وَهِي قِرَاءَة ابْن عَامر وَإِمَّا بتخفيفها وَهِي قِرَاءَة غَيره وَغير الْأَخَوَيْنِ وَعَاصِم. وَأما قِرَاءَة الْأَخَوَيْنِ فَهِيَ بِالْبِنَاءِ للمعلوم مَعَ تَشْدِيد الصَّاد. وَأما قِرَاءَة عَاصِم فَهِيَ كَذَلِك مَعَ تخفيفها. قَالَ السمين فِي الدّرّ المصون: من بناه للْمَفْعُول فالنائب إِمَّا ضمير الْمصدر أَو الظّرْف وَبني على الْفَتْح لِإِضَافَتِهِ إِلَى غير مُتَمَكن. أَو الظّرْف وَهُوَ باقٍ على نَصبه. انْتهى.
وَهَذَا الْأَخير هُوَ قَول الْأَخْفَش. وَاعْلَم أَن الشَّارِح الْمُحَقق مسبوقٌ بتوجيهه. أما الأول فقد قَالَ ابْن عُصْفُور فِي شرح الْإِيضَاح لأبي عَليّ: وَالَّذِي يُجِيز شتان مَا بَينهمَا يَجْعَل شتان بِمَنْزِلَة بعد فَكَمَا يجوز بعد مَا بَين زيد وَعَمْرو كَذَلِك يجوز: شتان مَا بَين زيد وَعَمْرو.
وَمثله لِابْنِ السَّيِّد فِي شرح أدب الْكتاب. قَالَ: كَانَ ربيعَة عِنْد الْأَصْمَعِي مِمَّن لَا يحْتَج بِشعرِهِ. وَهَذَا غلط لِأَن شتان اسمٌ للْفِعْل يجْرِي مجْرَاه فِي الْعَمَل فَلَا فرق بَيت ارْتِفَاع مَا بِهِ فِي بَيت ربيعَة وارتفاع الْيَوْم فِي بَيت الْأَعْشَى كَمَا أَنَّك لَو قلت: بعد مَا بَين زيد وعمروٍ لجَاز بالِاتِّفَاقِ. وَكَذَلِكَ قَالَ اللبلي فِي شرح فصيح ثَعْلَب: شتان بِمَعْنى بعد وتفرق وَمَا بِمَعْنى الَّذِي فَاعل شتان وَبَين صلَة ل مَا. وَأما الثَّانِي فقد قَالَ أَبُو الْبَقَاء: إِن جعلت مَا: زَائِدَة وَبَين فَاعِلا وَهِي ظرفٌ لَا تكَاد الْعَرَب تستعملها كَذَلِك. وَإِن جَعلتهَا بِمَعْنى الَّذِي ضعف أيضاَ لِأَن الْمَعْنى يصير افترق الَّذِي بَين زيد وَعَمْرو. وَلَيْسَ المُرَاد ذَلِك بل المُرَاد افترق زيد وَعَمْرو. وَمن أجَازه قَالَ: إِن مُفَارقَة زيدٍ لعَمْرو لَيْسَ من جِهَة الْأَشْخَاص بل المُرَاد افتراقهما فِي الْأَخْلَاق وَالْأَحْوَال وَهُوَ المعني بِالَّذِي. انْتهى. وَقَوله: لَا تكَاد الْعَرَب تستعملها كَذَلِك غير مُسلم فَإِنَّهُ قد قَرَأَ بِهِ فِي الْقُرْآن فِي عدَّة مَوَاضِع. وَكَلَامه وَإِن كَانَ على اعْتِبَار شتان بِمَعْنى مَا يَقْتَضِي فاعلين إِلَّا أَن المنزعين فِيهِ. وَأما إِنْكَار الْأَصْمَعِي شتان مَا بَينهمَا فقد قَالَ ابْن بري فِي حَاشِيَة الصِّحَاح: لَيْسَ بِشَيْء لِأَن ذَلِك قد جَاءَ فِي أشعار الْعَرَب وَقَالَ أَبُو الْأسود الدئلي:
وشتان مَا بيني وَبَيْنك أننيعلى كل حالٍ أستقيم وتظلع
وَمثله قَول البعيث:
وشتان مَا بيني وَبَين ابْن خالدٍأُميَّة فِي الرزق الَّذِي يتقسم
وَقَالَ آخر:
وشتان مَا بيني وَبَين رعاتهاإِذا صَرْصَر العصفور فِي الرطب الثعد
والثعد: بِفَتْح الْمُثَلَّثَة: مَا لَان من الْبُسْر. وَيُقَال: شتان بَينهمَا أَيْضا بِدُونِ مَا. وَتَقَدَّمت أبياته.) وَقد تبع الْأَصْمَعِي فِي إِنْكَاره جماعةٌ مِنْهُم ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب قَالَ: يُقَال: شتان مَا هما بِنصب النُّون وَلَا يُقَال: شتان مَا بَينهمَا وَلَيْسَ قَوْله: لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى بِحجَّة. وَمِنْهُم الْأَزْهَرِي فِي التَّهْذِيب قَالَ: قَول ربيعَة لَيْسَ بِحجَّة إِنَّمَا هُوَ مولد. وأبى الْأَصْمَعِي شتان مَا بَينهمَا. قَالَ أَبُو حَاتِم: فَأَنْشَدته قَول ربيعَة فَقَالَ: لَيْسَ بفصيح يلْتَفت إِلَيْهِ. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وموهمه شَيْئَانِ: أَحدهمَا لُغَة فِي شتان وَهِي كسر النُّون قَالَ الإِمَام المرزوقي فِي شرح فصيح ثَعْلَب: أَصْحَابنَا البصريون لَا يجيزونفيه إِلَّا الْفَتْح وَلَو كَانَ مثنى لجَاز تَأْخِيره فَقيل: زيد وعمرٌ وشتان بل كَانَ هُوَ الْوَجْه وَالتَّرْتِيب ولجاز أَن يقلب أَلفه فِي النصب والجر يَاء وَذَلِكَ لَا يعرف. أَلا ترى أَن قَوْلهم سيان زيدٌ وَعَمْرو لما كَانَ مثنى سيٍّ وَهُوَ الْمثل جَازَ جَمِيع ذَلِك فِيهِ. انْتهى.
وَزعم ثَعْلَب فِي فصيحه أَن كسر النُّون هُوَ قَول الْفراء. وَنقل شَارِحه اللبلي عَن ابْن درسْتوَيْه أَن الْفراء إِنَّمَا ذهب إِلَى الْكسر لِأَن الْمَعْنى لما كَانَ للاثنين ظن أَن شتان مثنى فَكَسرهُ وَالْعرب كلهَا تفتحه وَالْكَسْر لَا يُجِيزهُ عَرَبِيّ. انْتهى. أَقُول: أَن الْفراء لم يذهب إِلَى أَن النُّون مَكْسُورَة لَا غير وشتان مثنى شتٍّ وَإِنَّمَا حكى أَن كسر النُّون لغةٌ فِي فتحهَا. قَالَ فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: مَا هَذَا بشرا: أَنْشدني بَعضهم:
لشتان مَا أنوي وَيَنْوِي بَنو أبيجَمِيعًا فَمَا هَذَانِ مستويان
تمنوا لي الْمَوْت الَّذِي يشعب الْفَتىوكل فَتى وَالْمَوْت يَلْتَقِيَانِ
قَالَ الْفراء: يُقَال شتان مَا أنوى بِنصب النُّون وخفضها هَذَا كَلَامه. وَكَذَا نقل الصَّاغَانِي فِي الْعباب عَنهُ أَن كسر النُّون لُغَة فِي فتحهَا وَلَيْسَ فِيمَا زَعمه ابْن درسْتوَيْه. وَبِه يسْقط ترديد أبي سهل الْهَرَوِيّ فِي شرح الفصيح حَيْثُ قَالَ: وَأما على قَول الْفراء فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون كسر النُّون على أصل التقاء الساكنين وَيجوز أَن أَرَادَ تَثْنِيَة شت وَهُوَ المتفرق. انْتهى. وَزعم ابْن الْأَنْبَارِي فِي الزَّاهِر أَنه يجوز كسر النُّون فِي شتان مَا بَين أَخِيك وَأَبِيك قَالَ: لِأَنَّهَا رفعت اسْما وَاحِدًا. وَيجوز كسرهَا فِي غَيره وَهُوَ شتان أَخُوك وَأَبُوك وشتان مَا أَخُوك وَأَبُوك. قَالَ: يجوز فِي هَذَا كسر النُّون على أَنه ثنية شت. هَذَا كَلَامه وَفِيه مَا لَا يخفى.
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: الثَّانِي: إِن الْمَرْفُوع بعده لَا يكون إِلَّا مثنى أَو مَا هُوَ بِمَعْنى الْمثنى إِلَخ أَقُول: قد ورد الْمَرْفُوع بعد شتان أَرْبَعَة قَالَ لَقِيط بن زُرَارَة:)
شتان هَذَا والعناق وَالنَّوْموَالْمشْرَب الْبَارِد فِي ظلّ الدوم
وَهَذَا مِمَّا يرد على الْأَصْمَعِي وَيُؤَيّد قَول غَيره أَن شتان لَا يَكْتَفِي بِوَاحِد لِأَنَّهُ وضع لاثْنَيْنِ فَصَاعِدا. وَقد أجَاز ثعلبٌ مَا مَنعه الْأَصْمَعِي قَالَ فِي فصيحه: وَتقول: شتان زيدٌ وَعَمْرو وشتان مَا هما نون شتان مَفْتُوحَة. إِن شِئْت قلت شتان مَا بَينهمَا. وَالْفراء يخْفض نون شتان. انْتهى. ومحصل الْكَلَام فِيهَا أَن شتان يكون مرفوعها شَيْئَيْنِ اتِّفَاقًا وَأكْثر عِنْد غير الْأَصْمَعِي وَيكون مَعَهُمَا مَا الزَّائِدَة وبدونها. وَالصَّحِيح جَوَاز شتان مَا بَينهمَا خلافًا للأصمعي. وَلم يتَعَرَّض ابْن السراج فِي الْأُصُول لهَذَا. قَالَ: قَوْلك شتان زيد وعمرٌ ومَعْنَاهُ بعد مَا بَين زيدٍ وعمرٍ وجدا. وَهُوَ مَأْخُوذ من شت. والتشتيت: التبعيد مَا بَين الشَّيْئَيْنِ أَو الْأَشْيَاء فتقديره تبَاعد زيد وَعَمْرو. انْتهى. وَهِي عِنْد الشَّارِح قِسْمَانِ: أَحدهمَا: مَا ذكر من أَنه لَا بُد لَهَا من مرفوعين فَصَاعِدا. وَالثَّانِي: جَوَاز الِاكْتِفَاء بمرفوع وَاحِد. وَهُوَ فِي شتان مَا بَينهمَا لِكَوْنِهِمَا بِمَعْنى وَاحِد. وَبَقِي اسْتِعْمَالهَا مَعَ مَا الموصولة بفعلٍ وَلم يذكروه. وَهُوَ مَا أوردهُ الْفراء فِي الشّعْر الْمَذْكُور وَهُوَ لشتان مَا أنوي. وَيَنْبَغِي أَن تقدر مَا الموصولة فِي الْفِعْل الثَّانِي ليَكُون مرفوعها شَيْئَيْنِ. وَهِي اسْم فعلٍ على الصَّحِيح.
قَالَ ابْن عُصْفُور فِي شرح الْإِيضَاح: وَهُوَ سَاكن فِي الأَصْل إِلَّا أَنه حرك لالتقاء الساكنين وَكَانَت الْحَرَكَة فَتْحة إتباعاً لما قبلهَا وطلباً للخفة وَلِأَنَّهُ واقعٌ مَوْضُوع الْمَاضِي مبنيٌّ على الْفَتْح فَجعلت حركته كحركته. وَزعم المرزوقي والهروي فِي شرح الفصيح أَنَّهَا مصدر. قَالَ الأول: شتان مصدر لم يسْتَعْمل فعله. وَهُوَ مبنيٌّ على الْفَتْح لِأَنَّهُ مَوضِع فعل مَاض وزيدٌ: فَاعل لَهُ. وَقَالَ الثَّانِي: معنى شتان الْبعد المفرط بَين الشَّيْئَيْنِ وَهُوَ اسمٌ وضع مَوضِع الْفِعْل الْمَاضِي تَقْدِيره: شت زيد وعمرٌ وأَي: تشتتاً وتفرقاً جدا. وسبقهما الزّجاج كَمَا نقل الشَّارِح الْمُحَقق. قَالَ ابْن عُصْفُور: وَزعم الزّجاج أَنه مصدرٌ واقعٌ موقع الْفِعْل جَاءَ على فعلان فَخَالف أخواته فَبنِي لذَلِك فَإِن قيل: لنا فعلانٌ فِي المصادر قَالُوا: لوى يلوي لياناً وشنئته شنآناً. وَأَن لَو وضعت لياناً وشنآناً مَوضِع الْفِعْل لبقيا على إعرابهما وَلم يبنيا.
فَالْجَوَاب: أَنَّهُمَا مصدران قد استعملا بعد فعلهمَا وتمكنا فَإِذا وَقعا موقع فعلهمَا بقيا على إعرابهما وَلَيْسَ كَذَلِك شتان لِأَنَّك لَا تَقول شت يشت شتاتاً وَإِنَّمَا اسْتعْمل فِي أول أَحْوَاله مَوْضُوعا مَوضِع الْفِعْل الْمَبْنِيّ فَبنِي لذَلِك. انْتهى. قَالَ نَاظر الْجَيْش فِي شرح التسهيل: مُقْتَضى هَذَا الْجَواب أَن تبنى المصادر الْمُلْتَزم إِضْمَار ناصبها كسبحان الله ومعاذ الله. انْتهى. وَجوز)
الْمَازِني تَنْوِين شتان قَالَ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية: قَالَ أَبُو عُثْمَان: سُبْحَانَ وشتان يجوز تنوينهما اسْمَيْنِ كَانَا أَو فِي موضعهما. قَالَ أَبُو عَليّ: شتان إِذا كَانَ فِي مَوْضِعه فَهُوَ اسمٌ للْفِعْل وَهُوَ شت بِمَنْزِلَة صه فَإِن نونته فَهُوَ نكرَة وَإِن لم تنونه فَهُوَ معرفَة.
فَإِن قيل: كَيفَ يجوز أَن يكون معرفَة وَهُوَ بِمَنْزِلَة شت وَكَذَلِكَ صه بِمَنْزِلَة اسْكُتْ واسكت وصه لَا يجوز أَن يَكُونَا معرفَة. قيل: لِأَنَّهُمَا اسمان للْفِعْل وليسا بِفعل. فَإِن نقلت شتان عَن أَن يكون اسْما للْفِعْل فَجَعَلته اسْما للتشتيت معرفَة وَصَارَ بِمَنْزِلَة: سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر فِي أَنه اسمٌ للتنزيه معرفَة جَازَ. فَإِن نونته ونونت سُبْحَانَ هَذَا تنكر لأجل التَّنْوِين وَصَارَ بِمَنْزِلَة زيدٍ من الزيدين إِذا نكرت زيدا الْمعرفَة. ويضعف جعل هَذِه الْمعرفَة نكرَة لِأَن الْمَعْنى الملقب بسبحان وشتان شيءٌ وَاحِد لَا يَصح لَهُ أَن يكون أمثالٌ من جنسه هِيَ تَنْزِيه وتشتيت وَلَيْسَ كَذَلِك الملقب بزيد لِأَنَّهُ يَصح أَن يكون لَهُ أمثالٌ من جنسه فَيقدر زيدا من الزيدين يَصح فِي الْمَعْنى وَتَقْدِير سُبْحَانَ من أَمْثَاله لَا يَصح فِي الْمَعْنى. فَالْجَوَاب أَن هَذَا وَإِن لم يَصح فِي الْمَعْنى فَإِن تقديرهم لَهُ تَقْدِير مَا يَصح لَهُ فِي هَذَا الْمَعْنى جائزٌ يدل على ذَلِك أَن من قَالَ: هَذَا ابْن عرس مُقبلا نزل الْجِنْس منزلَة شَيْء واحدٍ وَإِن كَانَ فِي الْحَقِيقَة أَشْيَاء ثمَّ قَالَ: هَذَا ابْن عرس مقبلٌ نزل مَا قد نزله منزلَة شَيْء وَاحِد منزلَة أَشْيَاء كَثِيرَة. فَهَذَا ابْن عرس مقبلٌ بِمَنْزِلَة زيد من الزيدين مُنْكرا من هَذَا ابْن عرس مُقبلا. وَنَظِير تلقيب الْمَعْنى بسبحان وشتان فِيمَن جعله لقباً للمعنى جعل النَّحْوِيين أفعل معرفَة فِي قَوْلهم: أفعل إِذا كَانَ وَصفا لَا ينْصَرف فيجعلون أفعل معرفَة لقباً للمعنى وَهُوَ هَذَا الْوَزْن. فَلم يخرج النحويون بتلقيبهم الْمعَانِي عَن كَلَام الْعَرَب لِأَنَّهَا
قد لقبت الْمعَانِي كَمَا لقبت الْأَشْخَاص. وَنَظِير ذَلِك قَوْلهم: فَحملت برة فجار وبرة تلقيب الْمَعْنى فَلهَذَا لم يصرفهَا. انْتهى كَلَام أبي عَليّ ولنفاسته سقناه برمتِهِ. وَالْبَيْت الشَّاهِد من قصيدةٍ لِرَبِيعَة الرقي مدح فِيهَا يزِيد بن حَاتِم المهلبي. وَهَذِه أبياتٌ من أَولهَا:
لفت يَمِينا غير ذِي مثنويةٍيَمِين امرئٍ آلى بهَا غير آثم
لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندىيزِيد سليمٍ والأغر ابْن حَاتِم
يزِيد سالمٍ سَالم المَال والفتىأَخُو الأزد للأموال غير مسالم
)
فَلَا يحْسب التمتام أَنِّي هجوتهوَلَكِنِّي فضلت أهل المكارم
فيا أَيهَا السَّاعِي الَّذِي لَيْسَ مدْركابمسعاته سعي البحور الخضارم
سعيت وَلم تدْرك نوال ابْن حاتمٍلفك أسيرٍ وَاحْتِمَال العظائم
كَفاك بِنَاء المكرمات ابْن حاتمٍونمت وَمَا الْأَزْدِيّ عَنْهَا بنائم
فيا ابْن أسيد لَا تسام ابْن حَاتِمفتقرع إِن ساميته سنّ نادم
هُوَ الْبَحْر إِن كلفت نَفسك خوضهتهالكت فِي أمواجه المتلاطم
تمنيت مجداً فِي سليمٍ سفاهةًأماني حالٍ أَو أماني حالم
أَلا إِنَّمَا آل الْمُهلب غرةٌوَفِي الْحَرْب قاداتٌ لكم بالخزائم
هم الْأنف والخرطوم وَالنَّاس بعدهمْمناسم والخرطوم فَوق المناسم
قضيت لكم آل الْمُهلب بالعلاوتفضيلكم حَقًا على كل حَاكم
لكم شيمٌ لَيست لخلقٍ سواكممناعيش دفاعون عَن كل جارم
وَقَوله: حَلَفت يميناٍ إِلَخ مثنوية: مصدر بِمَعْنى الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمين أَي: حَلَفت غير مستثن فِي يَمِيني. وَقَوله: غير ذِي مثنوية أَي: غير يَمِين ذِي مثنوية. وَهَذَا المصراع من شعرٍ للنابغة الذبياني وَتَمَامه:
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ وَقد شرحناه مَعَ قصيدته فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَقَوله: يَمِين امْرِئ إِلَخ مفعول مُطلق تشبيهي أَي: كيمين. وَالْيَمِين: الْقسم سمي بهَا لأَنهم إِذا تحالفوا ضرب كل امرئٍ مِنْهُم على يَمِين صَاحبه. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: وَيَمِين الْحلف أُنْثَى. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَلِهَذَا أعَاد الضَّمِير عَلَيْهَا من بهَا مؤنثاً. وآلى بِمَعْنى أقسم. وَقَوله: لشتان مَا بَين اليزيدين إِلَخ اللَّام فِي جَوَاب الْقسم وَمَا بعْدهَا جَوَابه. قيل: شتان مَا بَين اليزيدين صَار مثلا فِي ظُهُور الْفرق. والندى: السخاء والجود وَالْألف أَصْلهَا وَاو لِأَنَّهُ يُقَال ندوت. وَيُقَال: سنّ للنَّاس الندى فندوا بِفَتْح الدَّال. والأغر من الْغرَّة وَهُوَ بياضٌ فَوق الدِّرْهَم فِي جبهة الْفرس.
يُقَال: فرسٌ أغر ومهرة غراء وَقد استعيرت للوضوح والشهرة. وَقَالَ فِي الْمِصْبَاح: ورجلٌ أغر: صبيحٌ أَو سيد قومه. أما يزِيد سليم فَهُوَ يزِيد بن أسيد بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى بهثة بِضَم الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة ابْن سليم بِضَم السِّين ابْن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة ابْن قيس بن عيلان بن مُضر بن نزار)
بن معد بن عدنان. وَأما يزِيد بن حَاتِم فَهُوَ يزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب بن أبي صفرَة وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى الأزد وَهِي قَبيلَة عَظِيمَة بِالْيمن. وَهُوَ جد الْوَزير المهلبي. فَإِنَّهُ أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد بن هَارُون بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن يزِيد بن حَاتِم. وَمَات فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثلثمائة.
وَكَانَ السَّبَب فِي هَذِه القصيدة أَن ربيعَة قصد يزِيد بن أسيد وَهُوَ يومئذٍ والٍ على أرمينية وَكَانَ قد وَليهَا زَمَانا طَويلا لأبي جَعْفَر الْمَنْصُور ثمَّ من بعده لوَلَده الْمهْدي. وَكَانَ يزِيد هَذَا من أَشْرَاف قيس وشجعانهم وَمن ذَوي الآراء الصائبة. ومدحه ربيعَة بشعرٍ أَجَاد فِيهِ فقصر يزِيد فِي حَقه. ومدح يزِيد بن حَاتِم فَبَالغ فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِ فَقَالَ ربيعَة هَذِه القصيدة يفضل يزِيد بن حَاتِم على يزِيد بن أسيد. وَكَانَ فِي لِسَان يزِيد بن أسيد تمتمة فَعرض بذكرها: فَلَا يحْسب التمتام أَنِّي هجوته. كَذَا فِي تَارِيخ ابْن خلكان. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: وتمتم الرجل تمتمةً إِذا تردد فِي التَّاء فَهُوَ تمْتَام بِالْفَتْح. وَقَالَ أَبُو زيد: هُوَ الَّذِي يَجْعَل فِي الْكَلَام وَلَا يفهمك.
وَقَالَ ابْن عبد ربه فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع من العقد الفريد: مدح ربيعَة الرقي يزِيد بن أسيد السّلمِيّ فَلم يُعْطه شَيْئا ثمَّ عطف على يزِيد بن حَاتِم وَهُوَ وَالِي مصر ومدحه فتشاغل عَنهُ فِي بعض الْأُمُور واستبطأه ربيعَة فشخصمن مصر وَقَالَ:
أَرَانِي وَلَا كفران لله رَاجعابخفي حنينٍ من نوال ابْن حَاتِم
فَبلغ قَوْله يزِيد بن حَاتِم فَأرْسل فِي طلبه فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: أَنْت الْقَائِل: أَرَانِي وَلَا كفران لله رَاجعا............. الْبَيْت قَالَ: نعم قَالَ: هَل قلت غير هَذَا قَالَ: لَا. قَالَ: وَالله لترجعن بخفي حنين مَمْلُوءَة ذَهَبا. فَأمر بخلع خفيه وَأَن تملئا دَنَانِير. ثمَّ قَالَ لَهُ: أصلح مَا
أفسدت من قَوْلك. فَقَالَ فِيهِ لما عزل من مصر وَولي مَكَانَهُ يزِيد بن أسيد السّلمِيّ:
بَكَى أهل مصر بالدموع السواجمغَدَاة غَدا مِنْهَا الْأَغَر ابْن حَاتِم
وفيهَا يَقُول:
لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندىيزِيد سليمٍ والأغر ابْن حَاتِم
مَعَ أَبْيَات ثَلَاثَة بعده. وَكَانَ يزِيد بن حَاتِم جواداً سرياً مَقْصُودا ممدوحاً. قَصده جمَاعَة من الشُّعَرَاء فَأحْسن جوائزهم. قَالَ ابْن عبد ربه: كتب إِلَيْهِ رجلٌ من الْعلمَاء يستوصله فَبعث إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَكتب إِلَيْهِ: أما بعد فقد بعثت إِلَيْك ثَلَاثِينَ ألفا لَا أَكْثَرهَا امتناناً وَلَا أقلهَا)
تحقيراً وَلَا أستثنيك عَلَيْهَا ثَنَاء وَلَا أقطع لَك بهَا رَجَاء. وَالسَّلَام. وَقَالَ ابْن خلكان: ذكر ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَارِيخه أَن الْخَلِيفَة أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور عزل حميد بن قَحْطَبَةَ عَن ولَايَة مصر فولاها نَوْفَل بن الْفُرَات ثمَّ عَزله وَولى يزِيد بن حَاتِم وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة. ثمَّ إِن الْمَنْصُور عَزله عَن مصر فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَة وَجعل مَكَانَهُ مُحَمَّد بن سعيد. انْتهى.
وَهَذَا لَا يُوَافق مَا قَالَه ابْن عبد ربه. وَقيل: تولى بعده عبد الله بن عبد الرَّحْمَن من قبل الْمَنْصُور. وَلم أر مَا قَالَه ابْن عبد ربه.
ثمَّ قَالَ ابْن خلكان: وَقَالَ ابْن يُونُس فِي تَارِيخه: ولي يزيدٌ بن حَاتِم مصر فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة. وَزَاد غَيره: فِي منتصف ذِي الْقعدَة. ثمَّ إِن الْمَنْصُور خرج إِلَى الشَّام وَإِلَى زِيَارَة بَيت الْمُقَدّس فِي سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة وَمن هُنَاكَ سير يزِيد بن حَاتِم إِلَى إفريقية لِحَرْب الْخَوَارِج الَّذين قتلوا عَامله عمر بن حَفْص وجهز مَعَه خمسين ألف مقَاتل وَاسْتقر والياً وَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا واستظهاره على الْخَوَارِج فِي سنة خمس وَخمسين. وَلما عقد الْمَنْصُور ليزِيد المهلبي على بِلَاد إفريقية وليزيد السّلمِيّ الْمَذْكُور على ديار مصر خرجا مَعًا وَكَانَ يزِيد المهلبي يقوم بكفاية الجيشين فَقَالَ ربيعَة الرقي:...
يزِيد الْخَيْر أَن يزِيد قومِيسميك لَا يجود كَمَا تجود
تقود كتيبةٌ ويقود أُخْرَىفترزق من تقود وَمن يَقُود
وَقدم أشعب الْمَشْهُور فِي الطمع على يزِيد وَهُوَ بِمصْر فَجَلَسَ بمجلسه ودعا بغلامه فساره فَقَامَ أشعب فَقبل يَده فَقَالَ لَهُ يزِيد: لم فعلت هَذَا فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُك تسارر غلامك فَظَنَنْت أَنَّك قد أمرت لي بِشَيْء فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ: مَا فعلت وَلَكِنِّي أفعل. وَوَصله وَأحسن إِلَيْهِ.
وَقدم عَلَيْهِ بِمصْر أَبُو عبيد الله مُحَمَّد بن مُسلم الشهير بِابْن الْمولى وأنشده:
يَا وَاحِد الْعَرَب الَّذِيأضحى وَلَيْسَ لَهُ نَظِير
لَو كَانَ مثلك آخرٌمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَقير
فَدَعَا يزِيد بخازنه. وَقَالَ: كم فِي بَيت مَالِي قَالَ: فِيهِ من الْعين وَالْوَرق مَا مبلغه عشرُون ألف دِينَار. فَقَالَ: ادفعها إِلَيْهِ. ثمَّ قَالَ: يَا أخي المعذرة إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَيْك وَالله لَو أَن فِي ملكي غَيرهَا مَا ادخرته عَنْك.
قَالَ الطرطوشي فِي كتاب سراج الْمُلُوك: قَالَ سَحْنُون:
كَانَ يزِيد بن حَاتِم يَقُول: وَالله مَا هبت شئياً قطّ هيبتي لرجلٍ ظلمته وَأَنا لَا أعلم وَلَيْسَ لَهُ نَاصِر إِلَّا الله تَعَالَى فَيَقُول: حَسبك الله الله بيني وَبَيْنك وَذكر أَبُو سعيد السَّمْعَانِيّ فِي كتاب الْأَنْسَاب أَن)
المسهر التَّمِيمِي الشَّاعِر وَفد على يزِيد بن حَاتِم بإفريقية فأنشده:
إِلَيْك قَصرنَا النّصْف من صلواتنامسيرَة شهرٍ ثمَّ شهرٍ نواصله
فَلَا نَحن نخشى أَن يخيب رجاؤنالديك وَلَكِن أهنأ الْبر عاجله
فَأمر يزِيد بِوَضْع الْعَطاء فِي جنده وَكَانَ مَعَه خَمْسُونَ ألف مرتزق فَقَالَ: من أحب أَن يسرني فليضع لزائري هَذَا من عطائه دِرْهَمَيْنِ. فَاجْتمع لَهُ مائَة ألف دِرْهَم وَضم يزِيد إِلَى ذَلِك مائَة ألف دِرْهَم أُخْرَى وَدفعهَا إِلَيْهِ. وَلما كَانَ يزِيد والياً بإفريقية كَانَ أَخُوهُ روح بن حَاتِم والياً فِي السَّنَد وَولي لخمسةٍ من الْخُلَفَاء: أبي الْعَبَّاس السفاح والمنصور وَالْمهْدِي وَالْهَادِي والرشيد فَقَالَ أهل إفريقية: مَا أبعد مَا بَين هذَيْن الْأَخَوَيْنِ فَإِن يزِيد هُنَا وأخاه روحاً فِي السَّنَد. فَلَمَّا توفّي يزِيد بإفريقية يَوْم الثُّلَاثَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر رَمَضَان سنة سبعين وَمِائَة وَكَانَ والياً فِيهَا خمس عشرَة سنة وَثَلَاثَة أشهر فاتفق أَن الرشيد عزل روحاً السَّنَد وسيره إِلَى مَوضِع أَخِيه يزِيد فَدخل إِلَى إفريقية فِي أول رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَلم يزل والياً عَلَيْهَا إِلَى أَن توفّي بهَا لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر رَمَضَان سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة وَدفن فِي قبر أَخِيه يزِيد. فَعجب النَّاس من هَذَا الِاتِّفَاق بعد ذَلِك التباعد.
قَالَ الصولي فِي كتاب الْأَنْوَاع: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد الجبائي قَالَ: أنشدنا بكر الْمَازِني لِرَبِيعَة بن ثَابت الرقي يمدح يزِيد بن حَاتِم المهلبي ويهجو يزِيد ابْن أسيد السّلمِيّ: لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى.............. الْبَيْت وَبعده الأبيات الثَّلَاثَة. قَالَ: بلغ هَذَا الشّعْر أَبَا الشمقمق واسْمه مَرْوَان فَقَالَ يفضل يزِيد بن مزِيد الشَّيْبَانِيّ على يزِيد المهلبي:
لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندىإِذا عد فِي النَّاس المكارم وَالْحَمْد
يزِيد بني شَيبَان أكْرم مِنْهُمَاوَإِن غضِبت قيس بن عيلان والأزد
انْتهى. وَيزِيد هَذَا هُوَ ابْن مزِيد بن زَائِدَة وَهُوَ ابْن أخي معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ. وَكَانَ يزِيد هَذَا من الْأُمَرَاء الْمَشْهُورين والشجعان المعروفين وَكَانَ والياً بأرمينية فَعَزله عَنْهَا الرشيد سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة ثمَّ ولاه إِيَّاهَا وَضم إِلَيْهَا أذربيجان فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ. وَهُوَ من الأجواد وَقد قَصده الشُّعَرَاء من سَائِر النواحي وأجاد صلَاتهم.
وَقد أَطَالَ تَرْجَمته ابْن خلكان. وَتُوفِّي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَة ورثاه أَبُو الشمقمق وَمُسلم بن الْوَلِيد وَأَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَيُّوب)
التَّيْمِيّ الْمَشْهُور وَغَيرهم. وَرَأَيْت فِي رسائل الصاحب بن عباد رِسَالَة مداعبة جمع فِيهَا نَظَائِر هَذَا الشّعْر وَهِي رِسَالَة جَيِّدَة أَحْبَبْت أَن أوردهَا هُنَا وَهِي: أَبُو الْفرج عباد بن المطهر أعزه الله يزْعم أَن الشَّيْخ الْأمين ﵁ سَمَّاهُ عبادا.
وَالنَّاس يروون:
لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندىيزِيد سليمٍ والأغر بن حَاتِم
وَفِيهِمْ من لَا يعلم أَنه لِرَبِيعَة الرقي وَلَا أَن اليزيدين: يزِيد بن حَاتِم المهلبي وَهُوَ الممدوح وَيزِيد بن أسيد وَهُوَ المذموم. وكما لَا يدْرِي أَن الشّعْر بلغ أَبَا الشمقمق فَقَالَ: وَفضل عَلَيْهِمَا يزِيد بن مزِيد الشَّيْبَانِيّ:
لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندىإِذا عد فِي النَّاس المكارم وَالْحَمْد
يزِيد بني شَيبَان أكْرم مِنْهُمَاوَإِن غضِبت قيس بن عيلان والأزد
وَقد قَالَ الآخر:
يزِيد الْخَيْر إِن يزِيد قومِيسميك لَا يزِيد كَمَا تزيد
ويذكرني مولَايَ أَنه أنْشد كثيرا لأبي الهول الْحِمْيَرِي وَفِي الْفضل بن الْعَبَّاس والبرمكي: كَمَا سمعني أنْشد لبشار:
رَأَيْت السهيلين اسْتَوَى الْجُود فيهمَاعلى بعد ذَا من ذَاك فِي حكم حَاكم
سُهَيْل بن عُثْمَان يجود بِمَالِهكَمَا جاد بالفعلى سُهَيْل بن سَالم
وَمن المبتذل فِي هَذَا:
شتان بَين محمدٍ ومحمدٍحيٌّ أمات وميتٌ أحياني
والمحمدان: مُحَمَّد بن مَنْصُور بن زِيَاد وَمُحَمّد بن يحيى بن خَالِد. وَلَا أَحسب عباداً هَذَا يعد مَا قلته تَفْضِيلًا لعباد بن الْعَبَّاس عَلَيْهِ وَإِضَافَة لَهُ إِلَيْهِ وَلَا أَن يَقُول كَمَا قَالَ يُونُس بن حبيب: أَشد الهجاء الهجاء بالتفضيل. وَذَلِكَ كَمَا قَالَ صديق مولَايَ الْقَرِيب وَابْن عمته النسيب الفرزدق بن غَالب وَقد قيل لَهُ: انْزِلْ على أبي قطن قبيصَة فحسبه ابْن مخازق الْهِلَالِي فَإِذا هُوَ آخر لَا يحضرني نسبه وذم قراه وجواره فَقَالَ:...
سرت مَا سرت من لَيْلهَا ثمَّ وَافَقتأَبَا قطنٍ لَيْسَ الَّذِي لمخارق
وَقد تلتقي الْأَسْمَاء فِي النَّاس والكنىكثيرا وَلَكِن لَا تلاقى الْخَلَائق
فَأَما التَّفْضِيل الَّذِي أَوْمَأت إِلَيْهِ فقد أعجبني مِنْهُ أَن الحطيئة قَالَ:)
فَلَمَّا أَن مدحت الْقَوْم قُلْتُمْهجوت وَهل يحل لي الهجاء
حَتَّى زعم بَعضهم عَن الزبْرِقَان أَن هَذَا أوجع لَهُ من قَوْله:
دع المكارم لَا ترحل لبغيتهاواقعد فَإنَّك أَنْت الطاعم الكاسي
وعَلى ذكر هَذَا الْبَيْت فَلَا أَدْرِي لم ترك مَا قيل قبله. فقد سبق الْأَعْشَى بقوله:
فَدَعْنَا وقوماً إِن هم عَمدُوا لناأَبَا ثابتٍ واجلس فَإنَّك طاعم
لست أَدْرِي أيد الله مولَايَ مَا هَذَا الوسواس الخناس الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس. وَإِنَّمَا حضر هَذَا الْفَتى وَله حق الغربة وَأعظم بِهِ حَقًا ثمَّ حق الْأَدَب وَأكْرم بِهِ فخراً وَقد خدمني طفْلا والآن كهلاً وَهَاجَر إِلَيّ فتظاهرت حرماته لدي. وَهَذِه التَّسْمِيَة أَيْضا لَهَا ذمامٌ يرْعَى وذمار لَا ينسى وسألني أَن أخاطب مولَايَ فِي بَابه وأسيمه فِي مرعى جنابه وتصور لي الْأنس بمطاولة مولَايَ وحسبتني أناجيه عَن قرب كَمَا أَنا مكَاتبه عَن بعد فلج الطَّبْع والقلم وَحَضَرت هَذِه الأبيات والعبر ومولاي ولي مَا يوليه ويختصه بالجميل فِيهِ فقد كَانَ أَبُو عِيسَى النوشجاني عبد الْمَسِيح أنْشد وَالِدي:
وَإِن ائتلاف النَّفس أدنى قرَابَةلمن يَدعِي الْقُرْبَى إِذا كَانَ ظَالِما
انْتهى. وَقَوله: وَقد قَالَ الآخر: يزِيد الْخَيْر أَن يزِيد قومِي.............. الْبَيْت هَذَا سهوٌ مِنْهُ فِي زَعمه أَنه لغير ربيعَة وَالصَّوَاب أَنه لَهُ كَمَا نَقَلْنَاهُ. وَقَوله: بمسعاته سعي البحور الخضارم المسعاة: مصدر ميمي وَهُوَ السَّعْي. والخضارم بِالْفَتْح: جمع خضرم بِكَسْر الْخَاء وَسُكُون الضَّاد المعجمتين وَكسر الرَّاء: الْوَاسِع الْكثير.
وَقَوله: بالحزائم جمع حزَام مستعار من حزم الدَّابَّة. أَرَادَ أَنهم متشمرون للحرب. وَقَوله: هم الْأنف والخرطوم هُوَ بِالضَّمِّ: الْأنف.
وخرطوم الْقَوْم: سيدهم. والمناسم: جمع منسم بِفَتْح الْمِيم وَكسر السِّين وَهُوَ خف الْبَعِير.
والملاحم: جمع ملحمة بِفَتْح الْمِيم والحاء وَهِي الْوَقْعَة الْعَظِيمَة فِي الْفِتْنَة. والمناعيش: جمع منعاش مُبَالغَة ناعش كمنحار مُبَالغَة ناحر من نعشه ينعشه بِفَتْح الْعين فيهمَا نعشاً بسكونها إِذا رَفعه من سقطته. والجارم: الكاسب الْفَقِير من جرم يجرم كضرب يضْرب. وَرَبِيعَة الرقي هُوَ أَبُو أُسَامَة ربيعَة بن ثَابت من موَالِي سليم. وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: يزِيد الْخَيْر إِن يزِيد قومِي)
وَقَالَ مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة الْأَسدي: هُوَ من بني جذيمة بن مَالك بن نصر بن قعين. وَهُوَ شَاعِر مطبوع. قَالَ دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ: قلت لمروان بن أبي حَفْصَة: يَا أَبَا السمط من أشعركم جمَاعَة الْمُحدثين قَالَ: أشعرنا أسيرنا بَيْتا. قلت: من هُوَ قَالَ: الَّذِي يَقُول:...
لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندىيزِيد سليمٍ والأغر ابْن حَاتِم
والرقي: مَنْسُوب إِلَى رقة بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْقَاف وَهِي مَدِينَة ومعناهافي اللُّغَة كل أَرض إِلَى جَانب وادٍ ينبسط عَلَيْهَا المَاء أَيَّام الْمَدّ ثمَّ ينحسر
عَنْهَا فَتكون جَيِّدَة النَّبَات وَالْجمع رقاق. قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: الرقة: مَدِينَة مَشْهُورَة على الْفُرَات بَينهَا وَبَين حران ثَلَاثَة أَيَّام معدودةٌ فِي بِلَاد الجزيرة لِأَنَّهَا من جَانب الْفُرَات الشَّرْقِي. وَيُقَال لَهَا الرقة البيضا وَهِي من الإقليم الرَّابِع. ووصفها ربيعَة الرقي بقوله:
حبذا الرقة دَارا وبلدبلدٌ ساكنه مِمَّن تود
مَا رَأينَا بَلْدَة تعدلهالَا وَلَا أخبرنَا عَنْهَا أحد
إِنَّهَا بريةٌ بحريةٌسورها بحرٌ وسورٌ فِي الجدد
يسمع الصلصل فِي أشجارهاهدهد الْبر ومكاءٌ غرد
لم تضمن بلدةٌ مَا ضمنتمن جمالٍ فِي قريشٍ وَأسد
وَكَانَ بالجانب الغربي مَدِينَة أُخْرَى تعرف برقة وَاسِط كَانَ بهَا قصران لهشام ابْن عبد الْملك كَانَا على طَرِيق رصافة هِشَام. وأسفل من الرقة بفرسخ الرقة السَّوْدَاء: وَهِي قَرْيَة كَبِيرَة ذَات بساتين كَثِيرَة. والرقة أَيْضا:
الْبُسْتَان الْمُقَابل للتاج من دَار الْخلَافَة بِبَغْدَاد وَهِي بالجانب الغربي وَهُوَ عظيمٌ جدا جليل الْقدر. وَأَطْنَبَ ياقوت فِي وصفهَا. قد تقدم بيتان هما من شَوَاهِد
شتان مَا يومي على كورهاوَيَوْم حَيَّان أخي جَابر
وَهُوَ من قصيدةٍ للأعشى مَيْمُون قد شرحنا بعض أبياتها فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكتاب: حَيَّان وَجَابِر ابْنا عميرَة من بني حنيفَة وَكَانَ حَيَّان نديماً للأعشى. يَقُول: يومي على كور هَذِه النَّاقة بِالضَّمِّ وَهُوَ الرحل ويومي مَعَ حَيَّان أخي جَابر مُخْتَلِفَانِ لَا يستويان لِأَن أَحدهمَا يَوْم سفر وتعب وَالثَّانِي يَوْم لَهو وطرب.
رُوِيَ أَن حَيَّان كَانَ سيداً أفضل من أَخِيه جَابر فَلَمَّا أَضَافَهُ إِلَى جَابر غضب وَقَالَ: عَرفتنِي بأخي وَجَعَلته أشهر مني وَالله لَا نادمتك أبدا فَقَالَ لَهُ الْأَعْشَى: اضطرتني القافية فَلم يعذرهُ.)
انْتهى. وَقد غلط الأندلسي فِي شرح الْمفصل فَقَالَ: الْأَخ يُقَال لَهُ جَابر يَقُول: كُنَّا نشرب مَعَ جَابر. وَهَذَا غلطٌ ظَاهر يلْزم مِنْهُ أَن يكون حَيَّان وَجَابِر مبينين للْأَخ. وَهَذَا محَال. وَقَالَ الْخَوَارِزْمِيّ: يَقُول: كُنَّا نشرب ونتنعم مَعَ جَابر وَكَانَ فِيمَا يُقَال ملكا يخْتَص بحيان لِأَنَّهُ نديمه.
هَذَا كَلَامه. وَنَقله بعض فضلاء الْعَجم فِي أَبْيَات الْمفصل. وَهَذَا غير صَحِيح أَيْضا لِأَنَّهُ يصف حَيَّان وَيذكر عيشه مَعَه وَلم يكن يشرب مَعَ جَابر وَإِنَّمَا كَانَ نديمه حَيَّان.
وَقد وَقع فِي شعر حسان نَظِير مَا وَقع للأعشى من تَعْرِيف الْمَشْهُور بالخامل قَالَ فِي رثاء جَعْفَر أخي عَليّ بن أبي طَالب ﵄:
بهاليل مِنْهُم جعفرٌ وَابْن أمهعليٌّ وَمِنْهُم أَحْمد المتخير
البهاليل: جمع بهْلُول بِالضَّمِّ وَهُوَ السَّيِّد الوضيء الْوَجْه الطَّوِيل الْقَامَة. والمتخير: الْمُنْتَخب.
وَقَوله: مِنْهُم أَحْمد المتخير قد عابه بعض النَّاس لما أضَاف أَحْمد المتخير إِلَيْهِم وَلَيْسَ هَذَا بِعَيْب لِأَنَّهَا لَيست بِإِضَافَة تَعْرِيف وَإِنَّمَا هَذَا تعريفٌ لَهُم حَيْثُ كَانَ مِنْهُم. وَإِنَّمَا ظهر الْعَيْب فِي قَول أبي نواس من قصيدة مدح بهَا الْعَبَّاس بن عبيد الله بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور:...
كَيفَ لَا يدينك من أملٍمن رَسُول الله من نفره
لِأَنَّهُ ذكر وَاحِدًا وأضاف إِلَيْهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا عيب على الْأَعْشَى. قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: وجدت فِي رسالةٍ لمهلهل بن يَمُوت بن المزرع قَالَ: قَالَ عَليّ بن الْأَصْغَر وَكَانَ من رُوَاة أبي نواس قَالَ: لما عمل أَبُو نواس:
أَيهَا المنتاب عَن عفرهلست من ليلى وَلَا من سمره
أنشدنيها فَلَمَّا بلغ قَوْله: من رَسُول الله من نفره وَقع لي أَنه كلامٌ مستهجن فِي غير مَوْضِعه إِذا كَانَ حق رَسُول الله ﷺ َ أَن يُضَاف إِلَيْهِ وَلَا يُضَاف إِلَى أحد. فَقلت لَهُ: أعرفت عيب هَذَا الْبَيْت فَقَالَ: مَا يعِيبهُ إِلَّا جاهلٌ بِكَلَام الْعَرَب إِنَّمَا أردْت أَن رَسُول الله ﷺ َ من الْقَبِيل الَّذِي هَذَا الممدوح مِنْهُ أما سَمِعت قَول حسان بن ثَابت شَاعِر الْإِسْلَام: وَمِنْهُم أَحْمد المتخير وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ.
وَرَأَيْت هَذِه الْحِكَايَة فِي آخر ديوَان أبي نواس فِي الْبَاب الْخَامِس عشر أوردهَا حَمْزَة بن الْحسن الْأَصْفَهَانِي فِيمَا دونه من شعر أبي نواس. وَأما الثَّانِي فَهُوَ:
شتان هَذَا والعناق وَالنَّوْموَالْمشْرَب الْبَارِد فِي ظلّ الدوم
)
وَهُوَ للقيط بن زُرَارَة بن عدس بن تَمِيم ويكنى أَبَا دختنوس وَهِي بنته وَأَبا نهشلٍ أَيْضا وَأَخُوهُ حَاجِب بن زُرَارَة صَاحب الْقوس الَّتِي يُقَال لَهَا:
قَوس حَاجِب. أنْشدهُ الْمبرد فِي المقتضب وأنشده: وَالْمشْرَب الدَّائِم فِي الظل الدوم جعل الْمبرد الْمصدر فِي هَذَا الْموضع مَوضِع الْوَصْف أَي: الدَّائِم. وَأنْشد غَيره: فِي ظلّ الدوم على الْإِضَافَة. والدوم: شجر الْمقل. وَهَذِه رِوَايَة أبي عُبَيْدَة. قَالَ الْأَصْمَعِي: قد أحَال ابْن الحائك لِأَنَّهُ لَيْسَ بنجدٍ دومٌ وَإِنَّمَا الرِّوَايَة: فِي الظل الدوم أَي: الدَّائِم. قَالَ الْخَوَارِزْمِيّ: من أنكر على من روى ظلّ الدوم قَالَ: أَي الظل يكون للدوم وَهُوَ شجر الْمقل. وَلَا يخفى أَن الْمُنكر هُوَ الْأَصْمَعِي وَإِنَّمَا أنكرهُ لِأَن الدوم لَيْسَ مِمَّا ينْبت فِي بِلَاد الشَّاعِر لَا لما ذكره وَأما شجر الْمقل فَلهُ ظلٌّ قطعا. وَقَوله: شتان هَذَا اسْم الْإِشَارَة راجعٌ إِلَى الْأَمر الَّذِي استصعبه الشَّاعِر من الْحَال. والعناق: المعانقة. وَالْمعْنَى افترق هَذَا أَي: مَا أَنا فِيهِ من التَّعَب والمعانقة وَالنَّوْم والراحة وَالْمَاء العذب فِي ظلّ هَذَا الشّجر أَو فِي الظل الدَّائِم.
وَقَبله:
يَا قوم قد حرقتموني باللوموَلم أقَاتل عَامِرًا قبل الْيَوْم
وَقد أرخينا هُنَا عنان الْقَلَم فَجرى فِي ميدان الطروس فَأتى بِمَا يبهج النُّفُوس. وَقد بقيت أَشْيَاء تركناها خشيَة السَّآمَة واتقاء الْمَلَامَة كَالْكَلَامِ على تَثْنِيَة الْعلم فِي اليزيدين فَإِن ابْن جني قد حقق مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي سر الصِّنَاعَة. وَإِن ظهر لنا موضعٌ يُنَاسِبه أوردناه فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع