من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع عشر بعد الثَّمَانمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
فأقسم لَو شَيْء أَتَانَا رَسُولهسواك وَلَكِن لم نجد لَك مدفعا
على أَن الْجَواب فِيهِ مَحْذُوف وَهُوَ جَوَاب الْقسم لَا جَوَاب لَو عملا بِمُقْتَضى الضَّابِط فِي اجْتِمَاع قسم وَشرط.
وَالشَّارِح الْمُحَقق استنبط هَذَا الحكم من كَلَام سِيبَوَيْهٍ فَإِنَّهُ لما ذكر أَن الْوَاقِعَة بعد الْقسم موطئة كاللام وَكَانَ الْجَواب للقسم لَا للشّرط جعل هَذَا الحكم مستمراً بعد حذفهَا أَيْضا. وَتَقْدِير الْجَواب كَمَا ذكره الْفراء وَغَيره: لَو أَتَانَا رَسُول سواك لدفعناه بِدَلِيل قَوْله: مدفعا.
وَفِيه أَن الْجَواب مَذْكُور فِي الْبَيْت الَّذِي بعده وَهُوَ:
إِذن لرددناه وَلَو طَال مكثهلدينا وَلَكنَّا بحبك ولعا
وعَلى هَذَا يكون قَوْله: وَلَكِن لم نجد لَك مدفعا جملَة اعتراضية. وَعذرهمْ فِي تَقْدِير الْجَواب أَن هَذَا الْبَيْت سَاقِط فِي أَكثر الرِّوَايَات وَقد ذكره الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الصُّغْرَى والكبرى فِي جملَة
بعثت إِلَيْهَا والنجوم خواضعحذاراً عَلَيْهَا أَن تقوم فتسمعا
فَجَاءَت قطوف الْمَشْي هائبة السرىيدافع ركناها كواعب أَرْبعا
يزجنيها مشي النزيف وَقد جرىصباب الْكرَى فِي مخها فتقطعا
)
تَقول وَقد جردتها من ثِيَابهَاكَمَا رعت مَكْحُول المدامع أتلعا
وَجدك لَو شَيْء أَتَانَا رَسُولهسواك وَلَكِن لم نجد لَك مدفعا
إِذن لرددناه وَلَو طَال مكثهلدينا وَلَكنَّا بحبك ولعا
فبتنا نصد الْوَحْش عَنَّا كأنناقتيلان لم يعلم لنا النَّاس مصرعا
إِذا أَخَذتهَا هزة الروع أَمْسَكتبمنكب مِقْدَام على الهول أروعا
قَوْله: بعثت إِلَيْهَا... إِلَخ قَالَ شَارِح ديوانه خواضع حائلة للمغيب من آخر اللَّيْل حذاراً عَلَيْهَا أَن تقوم فِي سمع وَلَدهَا صَوتهَا وَقَوله: فَجَاءَت قطوف... إِلَخ هَذَا الْبَيْت سَاقِط من رِوَايَة ديوانه وفاعل جَاءَت ضمير الْمَرْأَة وقطوف بِالنّصب حَال مِنْهُ.
والقطف: ضيق الْمَشْي كمشي الْمُقَيد وَالْفِعْل من بَاب ضرب.
وَكَذَلِكَ: هائية السرى حَال.
وركناها: جانباها. والكواعب: جمع الكاعب وَهِي الْجَارِيَة حِين يَبْدُو ثديها للنهود.
وَقَوله: يزجنيها.. إِلَخ هَذَا الْبَيْت أَيْضا سَاقِط من رِوَايَة ديوانه. ويزجنيها: يدفعنها ويسقنها.
يُقَال: زجيته تزجيه إِذا دَفعته بِرِفْق للمشي. وَهُوَ بالزاي الْمُعْجَمَة وَالْجِيم. وَالنُّون ضمير الكواعب أَي: يمشينها كمشي النزيف أَي: السَّكْرَان وَهُوَ بالنُّون وَالزَّاي الْمُعْجَمَة. والصبابة: الْبَقِيَّة. والكرى: النُّون يَعْنِي كَأَن فِيهَا فتور النّوم.
وَقَوله: تَقول وَقد جردتها... إِلَخ راعه يروعه روعاً إِذا أفزعه. والمدامع: الأجفان. والأتلع بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة: الْعُنُق. يَقُول: كَأَنَّهَا ظَبْي مَكْحُول الأجفان أَي: أكحل.
وَقَوله: وَجدك لَو شَيْء... إِلَخ هَذَا الْبَيْت وَمَا بعده مقول قَوْلهَا. وَالْوَاو للقسم وَجدك مقسم بِهِ.
وَالْجد بِالْفَتْح: العظمة والحظ والغنى وَالِاجْتِهَاد فِي الشَّيْء وَأَبُو الْأَب. وكل من هَذِه الْخَمْسَة مُنَاسِب.
وَالْمَشْهُور: وَأقسم لَو شَيْء فالمقسم بِهِ مَحْذُوف أَي: وَأقسم بِمَا يقسم بِهِ كَمَا نبه عَلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق فِي آخر الْفَصْل.
قَالَ شَارِح ديوانه: شَيْء بِمَعْنى أحد قَالَ تَعَالَى: وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار أَي: أحد من أزواجكم.
تُرِيدُ: لَو أَن إنْسَانا أَتَانَا رَسُوله سواك مَا أَتَيْته وَلَكِن لم نجد مدفعاً ندفعك بِهِ عَنَّا. انْتهى.)
وَجُمْلَة أَتَانَا رَسُوله: صفة شَيْء وَسوَاك: إِمَّا ظرف مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَإِمَّا اسْم خَارج عَن الظَّرْفِيَّة صفة ثَانِيَة لشَيْء وَيجوز أَن يكون حَالا من الْهَاء فِي رَسُوله.
وَقَوله: إِذن لرددناه هَذَا يدل على أَنه جَوَاب لَولَا جَوَاب الْقسم فَإِذا إِذن فِي الْغَالِب تكون جَوَابا للو أَو لإن الشرطيتين ظاهرتين أَو مقدرتين وَلم يسمع وُقُوعهَا فِي جَوَاب الْقسم. وَهَذَا الْبَيْت سَاقِط من رِوَايَة الدِّيوَان.
وَقَوله: فبتنا نصد الْوَحْش عَنَّا... إِلَخ قَالَ شَارِح ديوانه: لِأَن الْوَحْش لَا تقرب الْقَتْلَى وَلَا النيام وَلَا غير ذَلِك من النَّاس. وَإِنَّمَا قَالَ: قتيلان لِأَنَّهُمَا نائمان فِي الفلاة.
وَفِي رِوَايَة الدِّيوَان بَيت بعد هَذَا وَهُوَ:
تجافى عَن الْمَأْثُور بيني وَبَينهَاوتدني عَلَيْهَا السابري المضلعا
تجافى: أَصله تَتَجَافَى أَي: ترْتَفع عَنهُ.
قَالَ شَارِحه: الْمَأْثُور: السَّيْف الَّذِي بِهِ أثر أَي: جَوْهَر. والسابري: ضرب من الثِّيَاب.
والمضلع: الَّذِي فِيهِ طرائق.
يَقُول: ترْتَفع عَنهُ لِئَلَّا يؤذيها يبسه. يصف أَنه متقلد سَيْفا وتدني عَلَيْهَا السابري ليقيها من يبس السَّيْف.
وَقَوله: إِذا أَخَذتهَا هزة... إِلَخ الهزة بِالْفَتْح مصدر هززت الشَّيْء هزاً فاهتز أَي: حركته فَتحَرك والهزة بِالْكَسْرِ: نوع مِنْهُ. والروع: الْفَزع. د قَالَ شَارِح ديوانه: أَي أَخَذتهَا رعدة الْفَزع إِذا فزعت من شَيْء ترَاهُ أَو من خوف أَن يشعروا بِنَا.
وَيُقَال: يعتريها رعدة الْجِمَاع وَيُقَال: تخَاف من الافتضاض فتمسك بمنكبي تضمني إِلَيْهَا لتسكن من شدَّة الْفَزع لِأَنَّهَا لم تخرج من خدرها وَلم تباشر الرِّجَال فَهِيَ فزعة مَذْعُورَة لما يُرَاد مِنْهَا.
وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ. وَقد رويت هَذِه القصيدة لغيره.
وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده: حسب المحبين فِي الدُّنْيَا عَذَابهمْ وَالله لَا عذبتهم بعْدهَا سقر على أَن الْفِعْل الْمَاضِي إِذا نفي بِلَا فِي جَوَاب الْقسم انْقَلب مَعْنَاهُ إِلَى الِاسْتِقْبَال كَمَا هُنَا فَيكون مَاضِيا لفظا مُسْتَقْبلا معنى لِأَنَّهُ حلف على نفي تَعْذِيب النَّار وَذَلِكَ متوقع بِدَلِيل تعلق)
الظّرْف بِهِ وَهُوَ بعْدهَا أَي: بعد الدُّنْيَا. فعلى هَذَا يجوز أَن يُقَال: وَالله لَا قَامَ زيد. نَص عَلَيْهِ ابْن السراج.
وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت مفصلا فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعِشْرين بعد الستمائة.
وَقَوله: فِي الدُّنْيَا مُتَعَلق بعذابهم وَهُوَ جَائِز فِي مثله على الصَّحِيح لَا بِحَسب لِأَن الْمُقَابلَة فِي آخر الْبَيْت تَقْتَضِيه.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع