من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد التسْعمائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أَلَيْسَ اللَّيْل يجمع أم عمروٍوإيانا فَذَاك بِنَا تداني
نعم وَترى الْهلَال كَمَا أرَاهُويعلوها النَّهَار كَمَا علاني
على أَن نعم نَا لتصديق الْخَبَر الْمُثبت المؤول بِهِ الِاسْتِفْهَام مَعَ النَّفْي فَكَأَنَّهُ قيل: إِن اللَّيْل يجمع أم عَمْرو وإيانا نعم فَإِن الْهمزَة إِذا دخلت على النَّافِي تكون لمحض التَّقْدِير أَي: حمل الْمُخَاطب على أَن يقر بأمرٍ يعرفهُ وَهِي فِي الْحَقِيقَة للإنكار. وإنكار النَّفْي إِثْبَات.
وَمُرَاد الشَّارِح الْمُحَقق بِهَذَا التَّوْجِيه وَالشَّاهِد الرَّد على ابْن الطرواة فِي زَعمه أَن مَجِيء نعم بعد الِاسْتِفْهَام الدَّاخِل على النَّافِي لحن وَالْوَاجِب مَجِيء بلَى فَإِنَّهُ قد لحن سِيبَوَيْهٍ بِمثلِهِ فِي بَاب مَا يجْرِي عَلَيْهِ صفة مَا كَانَ من سَببه قَالَ فِيهِ: وَإِن زعم زاعم أَنه يَقُول: مَرَرْت بِرَجُل مخالط بدنه دَاء فَفرق بَينه وَبَين الْمنون.
قيل لَهُ: أَلَسْت قد علمت أَن الصّفة إِذا كَانَت للْأولِ فالتنوين وَغير التَّنْوِين سَوَاء
إِذا أردْت بِإِسْقَاط التَّنْوِين معنى التَّنْوِين نَحْو قَوْلك: مَرَرْت بِرَجُل ملازم أَبَاك ومررت بِرَجُل ملازم أَبِيك أَو ملازمك فَإِنَّهُ لَا يجد بدّاً من أَن يَقُول: نعم وإلاّ خَالف جَمِيع الْعَرَب والنحويين.
فَإِذا قَالَ ذَلِك قلت: أفلست تجْعَل هَذَا الْعَمَل إِذا كَانَ منوناً وَكَانَ لشَيْء من سَبَب الأول أَو الْتبس بِهِ بِمَنْزِلَتِهِ إِذا كَانَ للْأولِ فَإِنَّهُ قَائِل: نعم. انْتهى كَلَامه.
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته بعد أَن نقل كَلَام سِيبَوَيْهٍ: قد لحّن ابْن الطّراوة سِيبَوَيْهٍ فِي اسْتِعْمَاله نعم فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ وَقَالَ: إنّما هُوَ مَوضِع بلَى لَا مَوضِع نعم.
وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي أَكثر مَا يُوجد من كَلَام النُّحَاة وَهُوَ لَا شكّ أَكثر فِي الِاسْتِعْمَال وعَلى ذَلِك جَاءَ مَا يروون عَن ابْن عبّاس من قَوْله فِي قَول الله تَعَالَى: أَلَسْت بربّكم إِنَّهُم لَو قَالُوا: نعم)
لكفروا. وَلَكِن قد يُوجد مَعَ ذَلِك خِلَافه.
قَالَ الشَّاعِر: أَلَيْسَ اللّيل يجمع أمّ عمرٍ والْبَيْتَيْنِ ويفتقر كَلَام ابْن عَبَّاس مَعَ وجود قَول هَذَا الْقَائِل إِلَى فضل نظر وَهُوَ أَن يَقُول: نعم فِي قَول الشَّاعِر لَيْسَ بِجَوَاب لِأَن الْجَواب ب نعم إِذا جَاءَ بعد الِاسْتِفْهَام إِنَّمَا يكون تَصْدِيقًا لما بعد ألف وَلم يرد الشَّاعِر أَن يصدّق أَنه لَا يجمعه اللَّيْل مَعَ أمّ عَمْرو فَلذَلِك يكون بَنو آدمٍ إِذا قَالُوا فِي جَوَاب: أَلَسْت بربّكم: نعم كفّاراً لِأَن الْجَواب بنعم يكون تَصْدِيقًا لما بعد ألف الِاسْتِفْهَام من النَّفْي وَهُوَ الْأَكْثَر فِي الِاسْتِعْمَال وَلكنه لَا يمْتَنع مَعَ ذَلِك أَن يَقُولُوا: نعم لَا على الْجَواب وَلَكِن على التَّصْدِيق لِأَن الِاسْتِفْهَام فِي أَلَسْت
بربّكم تَقْرِير والتقرير خبر مُوجب.
فَإِذا كَانَ التَّقْرِير خَبرا مَعْنَاهُ الْإِيجَاب جَازَ أَن يَأْتِي نعم كَمَا يَأْتِي بعد الْخَبَر الْمُوجب للتصديق.
وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك لم يكن فِي إجَازَة نعم فِي الْآيَة وَفِي الشّعْر مُخَالفَة لِابْنِ عَبَّاس فِيمَا قَالَه لِأَنَّهُمَا لم يتواردا على معنى وَاحِد فَإِن الَّذِي مَنعه إِنَّمَا مَنعه على أنّ نعم جَوَاب وَإِذا كَانَ جَوَابا إِنَّمَا يكون تَصْدِيقًا لما بعد ألف الِاسْتِفْهَام وَالَّذِي أجَازه إِنَّمَا أجَازه على أَن تكون نعم غير جَوَاب.
وإتمام نعم فِيهِ على وَجه التَّصْدِيق كَمَا فِي قَوْلك: نعم لمن قَالَ: قَامَ زيد. انْتهى كَلَامه.
وَاخْتَصَرَهُ الْمرَادِي فِي الجنى الداني.
فقد اتّفق الشَّارِح الْمُحَقق وَأَبُو حَيَّان فِي هَذَا التَّوْجِيه.
وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث مثل ذَلِك الشّعْر وَهُوَ قَول الْأَنْصَار للنَّبِي ﷺ وَقد قَالَ لَهُم: ألستم ترَوْنَ لَهُم ذَلِك قَالُوا: نعم.
وَهَذَا التَّوْجِيه نسبه ابْن هِشَام فِي بحث نعم من الْمُغنِي إِلَى جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين مِنْهُم الشلوبين: إِذا كَانَ قبل النَّفْي اسْتِفْهَام فَإِن كَانَ على حَقِيقَته فَجَوَابه كجواب النَّفْي الْمُجَرّد وَإِن كَانَ مرَادا بِهِ التَّقْرِير فالأكثر أَن يُجَاب بِمَا يُجَاب بِهِ النَّفْي رعياً للفظه.
وَيجوز عِنْد أَمن اللّبْس أَن يُجَاب بِمَا يُجَاب بِهِ الْإِيجَاب رعياً لمعناه أَلا ترى أَنه لَا يجوز بعده دُخُول أحدٍ وَلَا الِاسْتِثْنَاء المفرغ لَا يُقَال: أَلَيْسَ أحد فِي الدَّار وَلَا أَلَيْسَ فِي الدَّار إِلَّا زيد.
وعَلى ذَلِك جَاءَ قَول الْأَنْصَار وَقَول الشَّاعِر: نعم بعد النَّفْي المقرون بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام. قَالَ ابْن)
هِشَام: وعَلى هَذَا جرى كَلَام سِيبَوَيْهٍ والمخطئ مُخطئ.
وَقَالَ فِي بحث بلي: أجروا النَّفْي مَعَ التَّقْرِير مجْرى النَّفْي الْمُجَرّد فِي رده ببلى وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره: لَو قَالُوا نعم لكفروا. وَوَجهه أَن نعم تَصْدِيق للمخبر بِنَفْي أَو إِيجَاب.
وَلذَلِك قَالَ جمَاعَة من الْفُقَهَاء: لَو قَالَ: أَلَيْسَ لي عنْدك ألف. فَقَالَ: بلَى لَزِمته. وَلَو قَالَ: نعم. لم تلْزمهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: تلْزمهُ فيهمَا. وجروا فِي ذَلِك على مُقْتَضى الْعرف لَا اللُّغَة.
وَنَازع السُّهيْلي وَغَيره فِي المحكي عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره فِي الْآيَة مستمسكين بِأَن الِاسْتِفْهَام التقريري خبر مُوجب.
وَلذَلِك امْتنع سِيبَوَيْهٍ من جعل أم مُتَّصِلَة فِي قَوْله تَعَالَى: أَفلا تبصرون أم أَنا خير لِأَنَّهَا لَا تقع وَيشكل عَلَيْهِم أَن بلَى لَا يُجَاب بهَا الْإِيجَاب وَذَلِكَ مُتَّفق عَلَيْهِ.
قَالَ الدماديني: لَا إِشْكَال فَإِن هَؤُلَاءِ راعوا صُورَة النَّفْي الْمَنْطُوق بِهِ فيجاب ببلى حَيْثُ يُرَاد إبِْطَال النَّفْي الْوَاقِع بعد الْهمزَة وجوزوا الْجَواب بنعم على أَنه تَصْدِيق لمضمون الْكَلَام جَمِيعه: الْهمزَة ومدخولها وَهُوَ إِيجَاب. ودعواه الِاتِّفَاق مُنَازع فِيهَا.
أما إِن أَرَادَ الْإِيجَاب الْمُجَرّد من النَّفْي أصلا ورأساً فقد حكى فِيهِ الرضي الْخلاف.
وَأما إِن أَرَادَ مَا هُوَ أَعم حَتَّى يَشْمَل التَّقْرِير المصاحب للنَّفْي فَالْخِلَاف مَوْجُود مَشْهُور وَذكره المُصَنّف عَن الشلوبين وَغَيره فِي نعم وَهنا أَيْضا بقوله: إِنَّهُم أجروا النَّفْي مَعَ التَّقْرِير مجْرى النَّفْي الْمُجَرّد فِي رده ببلى. انْتهى.
هَذَا وَقد قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَأما قَول جحدر: أَلَيْسَ اللَّيْل يجمع أم عَمْرو الْبَيْتَيْنِ فَلَيْسَ نصا فِي أَن التَّقْرِير يُجَاب بنعم. انْتهى.
فَلَا يدْفع التَّنَاقُض بَين كَلَام ابْن عَبَّاس وَكَلَام غَيره بِمَا ذكره الشَّارِح الْمُحَقق فَلَا بُد من دَلِيل سَمْعِي يبين جَوَاز ذَلِك.
قَالَ أَبُو حَيَّان: وَلم يذكر سوى بَيْتِي جحدر وَقد ذكر لَهُ عدَّة تأويلات فَلَا يقوم بِمثلِهِ حجَّة وَقد أول بِثَلَاثَة تأويلات: أَحدهَا: لِابْنِ عُصْفُور وَهُوَ أَن تكون نعم فِيهِ جَوَابا لغير مَذْكُور قَالَ أجرت لعرب التَّقْرِير فِي الْجَواب مجْرى النَّفْي الْمَحْض وَإِن كَانَ إِيجَابا فِي الْمَعْنى فَإِذا قيل: ألم أعطك درهما قيل فِي)
تَصْدِيقه: نعم وَفِي تَكْذِيبه: بلَى وَذَلِكَ لِأَن الْمُقَرّر قد يوافقك فِيمَا تدعيه وَقد يخالفك فَإِذا قَالَ: نعم لم تعلم هَل أَرَادَ نعم لم تعطني على اللَّفْظ أَو نعم أَعْطَيْتنِي على الْمَعْنى فَلذَلِك أجابوه على اللَّفْظ وَلم يلتفتوا إِلَى الْمَعْنى.
وَأما نعم فِي بَيت جحدر فجواب لغير مَذْكُور وَهُوَ مَا قدره فِي اعْتِقَاده أَن اللَّيْل يجمعه وَأم عَمْرو. وَجَاز ذَلِك لأمن اللّبْس لعلمه أَن كل أحدٍ يعلم أَن اللَّيْل يجمعه وَأم عَمْرو.
وَأما قَول الْأَنْصَار فَجَاز لزوَال اللّبْس لِأَنَّهُ قد علم أَنهم يُرِيدُونَ نعم نَعْرِف لَهُم ذَلِك. وعَلى هَذَا يحمل اسْتِعْمَال سِيبَوَيْهٍ لَهَا بعد التَّقْرِير. انْتهى.
ثَانِيهَا: لِابْنِ عُصْفُور أَيْضا: أَنه جَوَاب لما بعده كَقَوْلِهِم: نعم هَذِه أطلالهم. قَالَ: وَيجوز أَن تكون جَوَابا لقَوْله وَترى الْهلَال الْبَيْت. وَفِيه نظر لِأَن قَوْله: وَترى الْهلَال عطف على مَا قبله فَهُوَ دَاخل تَحت التَّقْرِير.
ثالثهما: لأبي حَيَّان وَتَبعهُ ابْن هِشَام قَالَ: الْأَحْسَن أَن تكون جواباُ لقَوْله: فَذَاك بِنَا تداني فَتكون الْجُمْلَة مُعْتَرضَة بَين المتعاطفين وَلَيْسَت دَاخِلَة تَحت التَّقْرِير وَتَقَدَّمت على نعم لفظا وَمعنى.
وَرَأَيْت فِي تَرْجَمَة جميل بن معمر العذري من كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة رِوَايَة الْبَيْت الثَّانِي كَذَا:
أرى وضح الْهلَال كَمَا ترَاهُ وَقد رَوَاهُ السكرِي فِي كتاب اللُّصُوص فِي نُسْخَة قديمَة صَحِيحَة: بلَى وَترى الْهلَال كَمَا أرَاهُ وَعَلَيْهِمَا لَا شَاهد فِيهِ.
قَالَ ابْن هِشَام: ويتحرر على هَذَا أَنه لَو أُجِيب أَلَسْت بربكم بنعم لم يكف فِي الْإِقْرَار لِأَن الله ﷾ أوجب فِي الْإِقْرَار بِمَا يتَعَلَّق بالربوبية الْعبارَة الَّتِي لَا تحْتَمل غير الْمَعْنى المُرَاد من الْمقر وَلِهَذَا لَا يدْخل فِي الْإِسْلَام بقوله: لَا إِلَه إِلَّا الله بِرَفْع إِلَه لاحْتِمَاله لنفي الْوحدَة فَقَط.
وَلَعَلَّ ابْن عَبَّاس ﵄ إِنَّمَا قَالَ: إِنَّهُم لَو قَالُوا نعم لم يكن إِقْرَارا كَافِيا.
وَجوز الشلوبين أَن يكون مُرَاده أَنهم لَو قَالُوا نعم جَوَابا للملفوظ بِهِ على مَا هُوَ الْأَفْصَح لَكَانَ كفرا إِذا الأَصْل تطابق الْجَواب وَالسُّؤَال لفظا. وَفِيه نظر لِأَن التفكير لَا يكون بِالِاحْتِمَالِ.)
وَقَوله: وَلَعَلَّ ابْن عَبَّاس يُرِيد أَن النَّقْل الْمَشْهُور عَنهُ نقل بِالْمَعْنَى قَالَ الدماميني: وَهَذَا لَا وَجه لَهُ فَإِنَّهُ مُعَارضَة للنَّقْل الثَّابِت الْمَشْهُور بِمُجَرَّد احْتِمَال عَدمه من غير ثَبت. انْتهى.
وَقد أورد الدماميني حِكَايَة عَن الْوَجْه الأول من التأويلات لَا بَأْس بإيرادها قَالَ: أخْبرت بِمَكَّة سنة ثَمَانِي عشرَة وَثَمَانمِائَة أَن مَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاة أَبَا الْفضل
النويري الشَّافِعِي النَّاظر فِي الحكم للعزيز بِمَكَّة المشرفة سَأَلَ الشَّيْخ جمال الدَّين ابْن هِشَام مُصَنف هَذَا الْكتاب عَمَّا جرى بِهِ الْعرف فِي هَذِه الْأَزْمِنَة من أَن الْإِنْسَان إِذا طرق بَاب صَاحبه يَقُول: نعم نعم يُرِيد الْإِعْلَام بِحُضُورِهِ وَهل لهَذَا أصل فِي لِسَان الْعَرَب فَقَالَ: نعم وَقد ذكرت ذَلِك فِي كتابي مُغنِي اللبيب. فَقَالَ لي ذَلِك الْمخبر: لم أظفر بذلك فِي الْمُغنِي وَسَأَلت عَنهُ جمَاعَة فَلم يحصل جَوَاب.
قلت لَهُ: هُوَ فِي موضِعين: أَحدهمَا: قَوْله قبل هَذَا: إِن نعم تقع جَوَابا لسؤال مُقَدّر.
وَالثَّانِي: قَول ابْن عُصْفُور إِن نعم فِي بَيت جحدر جَوَاب لغير مَذْكُور.
وَكَذَلِكَ قَول هَذَا الطارق: نعم نعم جَوَاب لما قدره فِي اعْتِقَاده من أَن صَاحب الْمنزل لشدَّة احتفاله والتفاته إِلَيْهِ يسْأَل: هَل حضر فلَان وقاضي مَكَّة الْمشَار إِلَيْهِ هَذَا هُوَ أحد مشايخي أَخْبرنِي بمغني اللبيب عَن مُصَنفه وأجازني إجَازَة عَامَّة وَكتب لي خطة بذلك. انْتهى.
وَقَول الشَّاعِر: وَذَاكَ بِنَا تداني ذَاك إِشَارَة إِلَى جمع اللَّيْل إيَّاهُمَا. والتداني: التقارب.
والبيتان أبرد مَا قيل فِي بَاب القناعة من لِقَاء الأحباب. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَجَمِيل مِمَّن رَضِي بِالْقَلِيلِ فَقَالَ:
أقلب طرفِي فِي السَّمَاء لَعَلَّهيُوَافق طرفِي طرفها حِين تنظر
ومنهما أخذت قَوْلهَا عَلَيْهِ بنت الْمهْدي العباسي أوردهُ الصولي فِي ترجمتها من كتاب الأوراق:
(أليست سليمى تَحت سقفٍ يكنها... وإياي هَذَا فِي الْهوى لي نَافِع
)
ويلبسها اللَّيْل البهيم إِذا دجاوتبصر ضوء الصُّبْح وَالْفَجْر سَاطِع
تدوس بساطاً قد أرَاهُ وأنثنيأطاه برجلي كل ذَا لي شَافِع
)
والبيتان من قصيدة لجحدر بن مَالك الْحَنَفِيّ قَالَهَا وَهُوَ فِي سجن الْحجَّاج وأرسلها إِلَى الْيَمَامَة.
وَقد تقدم سَبَب حَبسه مَعَ تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالسِّتِّينَ بعد الْخَمْسمِائَةِ وَهِي هَذِه من
تأوبني فَبت لَهَا كبيعاًهمومٌ لَا تُفَارِقنِي حواني
هِيَ العواد لَا عواد قومِيأطلن عيادتي فِي ذَا الْمَكَان
إِذا مَا قلت قد أجلين عنيثني ريعانهن عَليّ ثَانِي
وَكَانَ مقرّ منزلهن قلبِيفقد أنفهنه فالقلب آني
أَلَيْسَ الله يعلم أَن قلبِييحبك أَيهَا الْبَرْق الْيَمَانِيّ
وأهوى أَن أُعِيد إِلَيْك طرفِيعلى عدواء من شغلٍ وشان
نظرت وناقتاي على تعادٍمطاوعتا الأزمة ترحلان
إِلَى ناريهما وهما قريبٌتشوقان الْمُحب وتوقدان
وهيجني بلحنٍ أعجميًعلى غُصْنَيْنِ من غربٍ وَبَان
(فَكَانَ البان أَن بَانَتْ سليمى... وَفِي الغرب اغترابٌ غير داني
)
أَلَيْسَ اللَّيْل يجمع أم عَمْرووإيانا فَذَاك بِنَا تداني
بلَى وَترى الْهلَال كَمَا أرَاهُويعلوها النَّهَار كَمَا علاني
فَمَا بَين التَّفَرُّق غير سبعٍبَقينَ من الْمحرم أَو ثَمَان
فيا أخوي من جشم بن سعدٍأقلا اللوم إِن لم تنفعاني
إِلَى قومٍ إِذا سمعُوا بنعيٍبَكَى شُبَّانهمْ وَبكى الغواني
وقولا جحدرٌ أَمْسَى رهيناًيحاذر وَقع مصقولٍ يماني
يحاذر صولة الْحجَّاج ظلماوَمَا الْحجَّاج ظلاماً لجاني
ألم ترني غذيت أَخا حروبٍإِذا لم أجن كنت مجن جاني
فَإِن أهلك فَرب فَتى سيبكيعَليّ مخضبٍ رخص البنان
وَلم أك قد قضيت دُيُون نَفسِيوَلَا حق المهند والسنان
قَوْله: تأوبني فَبت لَهَا كبيعا أَي: أَتَانِي لَيْلًا هموم من الأوب وَهُوَ الرُّجُوع.
والكبيع بِفَتْح الْكَاف وَكسر الْمُوَحدَة قَالَ السكرِي: كَبيع وكابع بِمَعْنى أَي: مشدود.)
وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي: وكنيعاً من كنع الرجل إِذا خضع ولان. انْتهى.
وَكَأن نسخته الَّتِي نقل مِنْهَا كَانَت بالنُّون. وحواني: جمع حانية من حَنى عَلَيْهِ حنواً أَي: تعطف بِدَلِيل مَا بعده وَهُوَ قَوْله: هِيَ العواد. وَزعم السُّيُوطِيّ أَنه كمن الْحِين بِالْفَتْح وَهُوَ الْهَلَاك.
قَالَ السكرِي: وريعانهن: أوائلهن. وأنفهنه قَالَ صَاحب الصِّحَاح: نفهت نَفسه بِالْكَسْرِ: أعيت وكلت وَقد أَنفه فلَان إبِله ونفهها إِذا أكلهَا وأعياها. انْتهى. وَهُوَ بالنُّون وَالْفَاء وَالْهَاء.
قَالَ السكرِي: الآني: المنتهي فِي الغليان. وعدوا الشّغل بِضَم الْعين وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْوَاو وَالْمدّ أَي: موانعه.
وَقَوله: فَإِن أهلك فَرب فَتى سيبكي... إِلَخ أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَنه يجوز أَن يكون الْفِعْل بعد ربٌ مُسْتَقْبلا كَمَا فِي الْبَيْت. وروى بدل: مخضب: مهذب وَهُوَ المطهر الْأَخْلَاق. والرخص: الناعم. والبنان: أَطْرَاف الْأَصَابِع.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع