تجاوز إلى المحتوى

من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)

بهلول

قال محمد بن إسماعيل بن أبي فديك سمعت بهلولاً في بعض المقابر وقد دلى رجله في قبر وهو يلعب في التراب فقلت له ما تصنع ها هنا؟ فقال أجالس أقواماً لا يؤذونني وإن غبت عنهم لا يغتابونني، فقلت قد غلا السعر فهلا تدعو الله فيكشف، فقال والله لا أبالي ولو حبة بدينار، إن الله تعالى أخذ علينا أن نعبده كما أمرنا وعليه أن يرزقنا كما وعدنا، ثم صفق بيديه وأنشأ يقول:

يا من تمتع بالدنيا وزينتهاولا تنام عن اللذات عيناه
شغلت نفسك فيما لست تدركهتقول لله ماذا حين تلقاه

علي بن ربيعة الكندي قال: خرج الرشيد إلى الحج فلما كان بظاهر الكوفة إذ بصر بهلولاً المجنون على قصبة وخلفه الصبيان وهو يعدو فقال من هذا، قالوا بهلول المجنون، قال كنت أشتهي أن أراه فأدعوه من غير ترويع، فقالوا له أجب أمير المؤمنين، فعدا على قصبته، فقال الرشيد السلام عليك يا بهلول، فقال وعليك السلام يا أمير المؤمنين، قال كنت إليك بالأشواق، قال لكني لم أشتق إليك، قال عظني يا بهلول، قال وبم أعظك هذه قصورهم وهذه قبورهم، قال زدني فقد أحسنت، قال يا أمير المؤمنين من رزقه الله مالاً وجمالاً فعف في جماله وواسى في ماله كتب في ديوان الأبرار فظن الرشيد أنه يريد شيئاً فقال قد أمرنا لك أن تقضي دينك، فقال لا يا أمير المؤمنين لا يقضى الدين بدين أردد الحق على أهله واقض دين نفسك من نفسك، قال فإنا قد أمرنا أن يجري عليك، فقال يا أمير المؤمنين أترى

الله يعطيك وينساني؟ ثم ولى هارباً.

وروي بإسناد آخر أنه قال للرشيد يا أمير المؤمنين فكيف لو أقامك الله بين يديه فسألك عن النقير والفتيل والقطمير، قال فخنقته العبرة فقال الحاجب حسبك يا بهلول قد أوجعت أمير المؤمنين، فقال الرشيد دعه، فقال بهلول إنما أفسده أنت وأضرابك، فقال الرشيد أريد أن أصلك بصلة فقال بهلول ردها على من أخذت منه، فقال الرشيد فحاجة، قال ان لا تراني ولا أراك، ثم قال يا أمير المؤمنين حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة ابن عبد الله الكلابي قال رأيت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة على ناقة له صهباء لا ضرب ولا طرد، ثم ولى بقصبته وأنشأ يقول:

فعدّك قد ملأت الأرض طراًودان لك العباد فكان ماذا
ألست تموت في قبر ويحويتراثك بعد هذا ثم هذا

عبد الرحمن الأسلمي قال: قال أبي لبهلول أي شيء أولى بك؟ قال العمل الصالح.

بعض الكوفيين قال: حج الرشيد فذكر بهلولاً حين دخل الكوفة فأمر بإحضاره وقال ألبسوه سواداً وضعوا على رأسه قلنسوة طويلة وأوقفوه في مكان كذا ففعلوا به ذلك وقالوا إذا جاء أمير المؤمنين فادع له، فلما حاذاه الرشيد رفع رأسه إليه وقال يا أمير المؤمنين اسأل الله أن يرزقك ويوسع عليك من فضله، فضحك الرشيد وقال آمين، فلما جازه الرشيد دفعه صاحب الكوفة في قفاه وقال أهكذا تدعو لأمير المؤمنين يا مجنون، قال بهلول اسكت ويلك يا مجنون فما في الدنيا أحب إلى أمير المؤمنين من الدراهم، فبلغ ذلك الرشيد فضحك وقال والله ما كذب.

قال الحسن بن سهل بن منصور سمعت بهلولاً وقد رماه الصبيان بالحصى وقد أدمته حصاة فقال:

حسبي الله توكلت عليهونواصي الخلق طراً بيديه
ليس للهارب في مهربهأبداً من روحة إلا إليه
رب رام لي بأحجار الأذىلم أجد بداً من العطف عليه

فقلت له تعطف عليهم وهم يرمونك، قال اسكت لعل الله ﷾ يطلع على غمي ووجعي وشدة فرح هؤلاء فيهب بعضنا لبعض.

ولبهلول:

حقيق بالتواضع من يموتوحسب المرء من دنياه قوت
فما للمرء يصبح ذا اهتماموشغل لا تقوم له النعوت
صنيع مليكنا حسن جميلوما أرزاقنا مما يفوت
فيا هذا سترحل عن قريبإلى قوم كلامهم السكوت
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «حقيق بالتواضع من يموت»

قال عبد الرحمن الكوفي لقيني بهلول المجنون فقال لي اسألك، قلت اسأل، قال أي شيء السخاء قلت البذل والعطاء، قال هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الدين؟ قلت المسارعة إلى طاعة الله، قال أفيريدون منه الجزاء؟ قلت نعم بالواحد عشرة، قال ليس هذا سخاء هذه متاجرة ومرابحة، قلت فما هو عندك؟ قال لا يطلع على قلبك وأنت تريد منه شيئاً بشيء.

قال عمر بن جابر الكوفي مر بهلول بصبيان كبار فجعلوا يضربونه فدنوت منه فقلت لم لا تشكوهم لآبائهم؟ فقال لي اسكت فلعلي إذا مت يذكرون هذا الفرح فيقولون رحم الله ذلك المجنون! قال صباح الوزان الكوفي لقيت بهلولاً يوماً فقال لي أنت الذي يزعم أهل الكوفة أنك تشتم أبا بكر وعمر؟ فقلت معاذ الله أن أكون من الجاهلين، قال إياك يا صباح فإنهما جبلا الإسلام وكهفاه ومصباحا الجنة وحبيبا محمد ﷺ وضجيعاه وشيخا المهاجرين وسيداهم ثم قال: جعلنا الله من الذين على الأرائك يسمعون كلام الله إذا وفد القوم إلى سيدهم.

علي بن الحسين قال: لما مات أبو بهلول خلف ستمائة درهم، فأخذها

القاضي وحجز عليها، فأتاه بهلول فقال أصلح الله القاضي وتزعم أني مصاب في عقلي فأنا جائع فادع لي بمائتي درهم حتى اقعد في أصحاب الحلقات أبيع وأشتري فإن رأيت مني رشداً ضممت إليها الباقي وان تلفت فالذي اتلفت أقل مما بقي، فدعا القاضي بالكيس ووزن له مائتي درهم، فأخذها بهلول ولزم الحيرة حتى أنفدها، ثم جاء إلى القاضي وهو في مجلس الحكم فقال يا بهلول ما صنعت؟ فقال أعز الله القاضي أنفقتها فإن رأى القاضي ان يزن من ماله مائتي درهم ويردها إلى الكيس حتى يرجع الكيس إلى ما كان، قال القاضي فتجحد لي ما أخذت؟ قال كلا ولكنني ما أقمت عندك شاهدين بأني موضع لها، قال صدقت، ودعا بمائتي درهم وردها إلى الكيس.

قال عباس البناء نظر بهلول إلي وأنا أبني داراً لبعض أبناء الدنيا، فقال لي لمن هذه الدار؟ فقلت لرجل من نبلاء الكوفة، فقال أرنيه فأريته إياه فناداه يا هذا لقد تعجلت الحماية قبل العناية اسمع إلى صفة دار كونها العزيز أساسها المسك وبلاطها العنبر اشتراها عميد قد ازعج للرحيل كتب على نفسه كتاباً وأشهد على ضمائره شهوداً، هذا ما اشترى العبد الجافي من الرب الوافي اشترى منه هذه الدار بالخروج من ذل الطمع إلى عز الورع فما أدرك المستحق فيما اشتراه من درك فعلى المولى خلاص ذلك وتضمينه أراه شهد على ذلك العقل وهو الأمين والخواطر وذلك في ادبار الدنيا وإقبال الآخرة أحد حدودها ينتهي إلى ميادين الصفا والحد الثاني ينتهي إلى ترك الجفا والحد الثالث ينتهي إلى لزوم الوفا والحد الرابع ينتهي إلى سكون الرضا في جوار من على العرش استوى، لها شارع ينتهي إلى دار السلام وخيام قد ملئت بالخدام وانتقال الاسقام وزوال الضر والآلام، يا لها من دار لا ينقضي نعيمها ولا يبيد، دار اسست من الدر والياقوت شرفك تلك الخدور وجعل بلاطها في البهاء والنور، قال فترك الرجل قصره وهام على وجهه، وأنشأ بهلول يصيح خلفه ويقول:

يا ذا الذي طلب الجنان لنفسهلا تهربن بإنه يعطيكا

قال عبد الخالق سمعت أبي يقول سمعت بهلولاً يقول من كانت الآخرة أكبر همه أتته الدنيا وهي راغمة، ثم أنشأ يقول:

يا خاطب الدنيا إلى نفسهتنح عن خطتها تسلم
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا خاطب الدنيا إلى نفسها»
ان التي تخطب غدارةقريبة العرس من المأتم

قال كثير بن روح رأيت بهلولاً ذات يوم يتمثل وهو يقول هذه الأبيات:

يا طالب الرزق في الآفاق مجتهداًاعتبت نفسك حتى شفك الطلب
تسعى لرزق كفاك الله بغيتهاقعد فرزقك قد يأتي به السبب
كم من دنيء ضعيف العقل تعرفهله الولاية والأرزاق والذهب
ومن حسيب له عقل يزينهبادي الخصاصة لا يدري له سبب
فاسترزق الله مما في خزائنهفالله يرزق لا عقل ولا حسب

قال بعض أهل الكوفة ولد لبعض أمراء الكوفة ابنة فساءه ذلك فاحتجب وامتنع من الطعام والشراب فأتى بهلول حاجبه فقال إئذن لي على الأمير، هذا وقت دخولي عليه، فلما وقف بين يديه قال: أيها الأمير ما هذا الحزن أجزعت لذات سوى هيأته رب العالمين أيسرك أن لك مكانها ابنا مثلي؟ قال: ويحك فرجت عني فدعا بالطعام وأذن للناس.

قال عبد الواحد بن زيد مر بهلول برجل قد وقف على جدار رجل يكلم امرأته، فأنشأ يقول:

كن حبيباً إذا خلوت بذنبدون ذي العرش من حكيم مجيد؟
أتهاونت بالإله بدياوتواريت عن عيون العبيد
أقرأت القرآن أم لست تدريأنّ ذا العرش دون حبل الوريد

ثم ولى وهو يقول من نوقش في الحساب غفر له، فقلت له من نوقش الحساب عذب، فقال اسكت يا بطال إن الكريم إذا قدر غفر.

ولبهلول:

إذا خان الأمير وكاتباهوقاضي الأرض داهن في القضاء
للشاعر محمد الشوكاني، من قصيدة «إذا خان الأمير وكاتباه»
فويل ثم ويل ثم ويللأهل الأرض من أهل السماء

قال الحسين الصقلي نظرت وقد زار سعدون بهلولاً ورأيتهما فسمعت سعدون يقول لبهلول أوصني وإلا أوصيك فناداه بهلول أوصني يا أخي فقال سعدون أوصيك بحفظ نفسك ومكنها من حبك فإن هذه الدنيا ليست لك بدار، قال بهلول أنا أوصيك يا أخي، فقال قل، فقال: اجعل جوارحك مطيتك واحمل عليها زاد معرفتك واسلك بها طريق متلفك فإن ذكرتك ثقل الحمل فذكرها عاقبة البلوغ. فلم يزالا يبكيان جميعاً حتى خشيت عليهما الفناء.

قال علي السيرافي حمل الصبيان يوماً على بهلول، فانهزم منهم فدخل دار بعض القرشيين ورد الباب، فخرج صاحب الدار فأحضر له طبقاً فيه طعام فجعل يأكل ويقول فضرب لهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.

قال نعيم الخشاب كتب بهلول إلى الواثق:

أما بعد فإن المراء قد لعب بدينك والأهواء قد أحاطت بك ومقالات أهل البدع قد سلخت عنك عقلك وابن أبي داود المشئوم قد بدل عليك كلام ربك، اقرأ فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى، إلى قوله فاعبدني أيكون هذا الكلام مخلوقاً، فرماك الله بحجارة من سجيل مسومة عند ربك وما هو من الظالمين ببعيد ثم كتب عنوانه من الخائف الذليل إلى المخالف لكلام ربه تعالى.

قال سالم بن عطية كتب بهلول إلى ابن أبي داود: أما بعد فإنك قد ميزت كلام الله من الله وزعمت أنه مخلوق فإن يك ما ذكرت باطلاً فرماك الله بقارعة من عنده، ويلك أكنت معه حين كلم موسى، فإن كنت راداً عليه فاقرأ: عليها غبرة ترهقها فترة أولئك هم الكفرة الفجرة ثم كتب عنوانه من الصادق المتواضع إلى الكاذب المتجبر.

قال عبد الرحمن الهاشمي لما ولي الخلعي على شرطة بغداد وكان يرى برأي ابن أبي داود كتب إليه بهلول:

أما بعد فإن السماء بأكنافها ونور كواكبها وضياء شمسها وقمرها وصفوف ملائكتها والعرش والملائكة المقربين وافحجب المزدلفة بقدرة خالقها والنار وزبانيتها والجنة وسندسها والأرضين وجبالها والجبال وكهوفها والحيتان في بحارها والوحش في قفارها والجن في أقطارها والطير في أوكارها والسباع في وجارها والأشجار وثمارها يسبحون له في الغدو والآصال.

ولبهلول في الترقيق:

اضمر من اضمر حبي لهفيشتكي اضمار اصمار
رق فلو مرّت به ذرةلخضبته بدم جاري

وله أيضاً في أرق منه:

اضمر أن يأخذ المراة لكيينظر تمثاله فأدناها
فجاء وهم الضمير منه إلىوجنته في الهوى فأدماها

وله أيضاً:

شبهته قمراً إذ مر مبتسمافكاد يجرحه التشبيه أو كلما
ومر في خاطري تقبيل وجنتهفسلبت فكري من عارضيه دما

قال محمد بن عبد الله بينا أنا في مسجد الكوفة يوم الجمعة والخطيب يخطب، إذ قام رجل به لمم وجنون فقال: أيها الناس إن رسول الله إليكم جميعاً، فقام بهلول فقال " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وقل ربّ زدني علماً ".

قال علي بن خالد بت ليلة على سور طرسوس فمر بهلول فلكزني برجله ثم أنشأ يقول:

يا طالب الحور ألا تستحييحملك النوم على السور
وخاطب الحور طويل البكامقيد الأعضاء محصور
لا يطعم الغمض وما إن لهراحة جسم أو يرى الحور
في جنة زخرفها ذو العلىينعم فيها كل محبور

قال فانتبهت فزعاً ولم أنم بعد ذلك في الحرس.

وسئل بهلول عن رجل مات وخلف ابناً وابنة وزوجة ولم يخلف من المال شيئاً كيف تكون القسمة، فقال للإبنة الثكل وللزوجة خراب البيت وما بقي من الهم فللعصبية! قال محمد بن خالد الواسطي أنشدني بهلول يقول:

دع الحرص على الدنياوفي العيش فلا تطمع
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «دع الحرص على الدنيا»
ولا تجمع من المالفما تدري لمن تجمع
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «دع الحرص على الدنيا»
فإن الرزق مقسوموسوء الظن لا ينفع
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «دع الحرص على الدنيا»
فقير كل ذي حرصغني كل من يقنع

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عقلاء المجانين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.