تجاوز إلى المحتوى

من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)

ضروب الجد والعقل ودولة الحمق والجهل

سمعت محمد بن أحمد بن سعيد الرازي يقول سمعت العباس بن حمزة يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول سمعت هشام بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا يوسف القاضي يقول ثلاثة: مجنون، ونصف مجنون وعاقل، فأما المجنون فأنت منه في راحة، وأما نصف المجنون فأنت منه في تعب، وأما العاقل فقد كفيت مؤنته.

أنشد أبو ذر القراطيسي:

الحمد لله كم في الدهر من عجبومن تغير أحوال وحالات
لا تنظرن إلى عقل ولا أدبإن الجدود قريبات الحماقات
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
واسترزق الله مما في خزائنهفكل ما هو آت مرة آت

قال عبيد الله بن سعيد الكاتب: دخل بعض الشعراء على ابن شوذب وهو الذي يضرب به المثل في كثرة الأموال، فأتى برعيل من الخيل فتأملها وقال أخرجوا منها ذلك المرعزي، ثم أتى بقطيع من الغنم لا تذبحوا ذلك الأدهم. وكان الشاعر قد مدحه بقصيدة فلما رأى ذلك خرج من عنده ولم ينشده، وأنشأ يقول.

لا يعرف الضأن من المعزىويحسب الأدهم مرعزّى
صفت له الدنيا وضاقت لناتلك لعمري قسمة ضئزى

أنشد أبو الفضل العباس بن القاسم الطبري:

قل لدهر على المكارم غطىيا قبيح الفعال جهم المحيا
كم رفيع حططته عن يفاعورقيع الحقته بالثريا

وأنشد أبو بكر أحمد بن عمران السوادي:

زمان قد تفرغ للفضوليسوّد كل ذي حمق جهول
للشاعر ابن لنكك البصري، اقرأ القصيدة
فإن أحببتم فيه ارتفاعاًفكونوا جاهلين بلا عقول

وقال ابن الرومي:

دهر علا قدر الرقيع بهوترى الشريف يحطه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤهسفلاً ويعلو فوقه جيفه

وقال علي بن محمد بن قادم:

عذلوني على الحماقة جهلاًوهي من عقلهم ألذ وأحلى
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
لو لقوا ما لقيت من حرفة العلملساروا إلى الجهالة رسلا
ولقد قلت حين اغروا بلوميأيها اللائمون في الحمق مهلاً
حمقي قائم بقوت عياليويموتون إن تعاقلت هزلا

وسمعت أبا الحسن محمد بن محمد بن الحسن الكازري يقول سمعت إبراهيم بن محمد بن يزيد عن عبد الله بن الأكبر متردداً يقول: كان على سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:

للناس حرص على الدنيا بتبذيروصفوها لك ممزوج بتكدير
لم يرزقوها بعقل عندما قسمتلكنهم رزقوها بالمقادير
كم من أديب لبيب لا يساعدهومائق نال دنياه بتقصير
لو كان عن قوة أو عن مغالبةطار البزاة بأرزاق العصافير
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «للناس حرص على الدنيا بتدبير»

ورأيت في كتاب لابن ممشاد.

قد كسد العقل وأصحابهوفتحت للحمق أبوابه
فاستعمل الحمق تكن ذا غنىفقد مضى العقل وطلابه

وللامام الشافعي ﵀:

إن امرأ رزق اليسار ولم يصبحمداً ولا اجراً لغير موفق
فالجد يدنى كل شيء شاسعوالجد يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدوداً حوىعوداً فأثمر في يديه فحقق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»
وإذا سمعت بأن محروماً رأىماء ليشربه فغاض فصدق
وأشد خلق الله بالهمّ امرؤذو همة يبلى بعيش ضيق
ومن الدليل على القضاء وكونهبؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق

ولابن الرومي:

جاهي أدق من الصراطفيكم وعزي في انحطاط
وتكايسى وتحاذقىيلجان في سم الخياط
وأنا الشقي بأرضكممثل المصور في البساط

ولعي بن محمد السيرافي:

ما همتي إلا مقارعة العدىخلق الزمان وهمتي لم تخلق
والمرء كالمدفون تحت لسانهولسانه مفتاح باب مغلق
إني أرى الأكياس قد تركوا سدىوأزمة الأملاك طوع الأحمق
لو كان بالحيل الغنى لوجدتنيبنجوم أقطار السماء تعلقي
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»
لكن من رزق الحجى حرم الغنىضدان مفترقان أي تفرق

وقال بعضهم:

كم من أديب عاقل قلبهمكمل العقل مقل عديم
ومن رقيع وافر مالهذلك تقدير العزيز العليم
سبحان ربي إن ربي حكيمقد حرم العاقل فضل النعيم
ما يظلم الرب ولكنهأراد أن يظهر عجز الحكيم

وبلغني أن امرأة أتت بزرجمهر الحكيم فقالت له أيها الحكيم ما بال الأمر يلتام للعاجز ويلتان على الحازم؟ قال ليعلم العاجزان عجزه لن يضره وليعلم الحازم إن حزمه لن ينفعه وإن الأمر إلى غيرهما.

قال أكتم بن صيفي حكيم العرب لبنيه: إياكم وصحبة الأحمق فإنه إلى أن يضركم أقرب منه إلى أن ينفعكم.

قال الأحنف بن قيس لبعض أصدقائه: اجتنب صحبة النوكي فانهم لا يستقرون على حال وإياك والعتاب فإنه يفتح باب التغالي، والعتاب خير من الحقد.

قال بشر بن عمرو اتق الأحمق فليس للأحمق خير من هجرانه.

قال أبو الحسن علي بن إبراهيم:

اتق الأحمق إن تصحبهإنما الأحمق كالثوب الخلق
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «اتق الأحمق أَن تصحبه»
كلما رقعت منه جانباًصفقته الريح وهنا فانخرق
أو كعير السوء إن أقصدتهرمح الناس وإن جاع نهق

قال آدم بن عيينة قلب حجر بأرض الروم فإذا عليه مكتوب:

ولا تصحب أخا الحمقوإياك وإياه
فكم من جاهل أردىحكيماً حين واخاه
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فلا تصحب أخا الجهل»
يقاس المرء بالمرءإذا ما هو ماشاه
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فلا تصحب أخا الجهل»
وللقلب على القلبدليل حين يلقاه
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فلا تصحب أخا الجهل»
وللناس من الناسمقاييس وأشباه

سلمة بن بلال قال: كان فتى يعجب علي بن أبي طالب ﵁ فرآه يوماً يماشي رجلاً متهماً فقال ﵁ وذكر الأبيات.

وكان بشر بن الحارث يقول: النظر إلى الأحمق سخنة عين والنظر إلى البخيل يقسي القلب.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عقلاء المجانين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.