من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)
مجنون ليلى
هو من جملة من يذكر من المجانين أشهر، وحديثه أوضح وأيسر، وإنه بلغ من شهرته إن جنونه غلب على اسمه حتى إنه إن سمي أو عزى إلى أبيه لم يثبت بل يقال قال المجنون كذا وفعل مجنون بني عامر كذا حتى عابه كثير من الشعراء بالبوح ومدحوا أنفسهم بالكتمان.
قال أبو عبيدة: هو مهدي بن الملوح بن مزاحم بن قيس بن عدي ابن ربيعة بن جعدة بن كعب. وقال يزيد بن عبد الأكبر: هو قيس بن معاذ بن شامة بن نصير.
سئل مجنون بني عامر: كيف كان سبب عشقك لليلى؟ قال: بينا أنا في عنفوان عزتي وريعان صباي أسحب ذيل اللعب وأرمي الكواعب من كثب، أصبو إليهن فيفترقن، وأهزأ بهن فلا ينتصفن، إذا اعتقلتني حبائل فتاة من عذرة فذهلني حبها، وتيمني عشقها، وإذا جذبة جذبتني فمن أشعاره قوله:
ولم أر ليلى غير موقف ساعةبخيف مني ترمي جمار المحصب
وتبدي الحصى منها إذا قذفت بهمن البعد أطراف البنان المخضب
وأصبحت من ليلى الغداة كناظرمن الصبح في اعجاز نجم مغرب
الا إنما غادرت يا بدر مالكصدا حيثما هبت به الريح يذهب
قيل لليلى: حبك للمجنون أكثر أم حبه لك؟ فقالت: بل حبي له. قيل فكيف؟ قالت لأن حبه لي كان مشهوراً وحبي له كان مستوراً.
قال ابن الكلبي: إن المجنون في أول ما كلف بليلى قعد عندها يوماً يتحدث فرآها تعرض عنه وتقبل على غيره فشق ذلك عليه وعرفت ذلك في نفسه فأقبلت عليه وقالت:
وكل مظهر للناس حباًوكل عند صاحبه مكين
فخر مغشياً عليه، ثم تمادى في الغلو حتى ذهب عقله.
قال محمد بن الكلبي: نزل المجنون برهط ليلى فجاء إلى امرأة كانت عارفة بأمرها، فشكى إليها ما يجده، فوعدته أن تجمع بينهما، فمضت وأخذتها وجمعت بينهما، فأنشأ يقول:
إذا قربت داراً كلفت وإن نأتأسفت فلا بالقرب أسلو ولا البعد
فإن وعدت زاد الهوى بانتظارهاوإن بخلت بالوعد مت على الوعد
أقول: وتمام الأبيات:
بكل تداوينا ولم يشف ما بناعلى أن قرب الدار خير من البعد
قال الأصمعي: حدثت إن رهط قيس المجنون قالوا لأبيه اطلب لنا طبيباً لعله يطلعنا على ما به، فأحضر إليهم طبيباً، فعالجه فلما أعياه خلاه، فأنشأ قيس يقول:
ألا يا طبيب النفس أنت طبيبهافرفقا بنفس قد جفاها حبيبها
دعتني دواعي الحب ليلى ودونهاذوي قوة قلبي الحزين قلوبها؟
فديتك من داع دعا ولو اننيحشاي من أحجار لظل يجيبها
ما هجرتك النفس من أجل انهاقلتك ولكن قل منها نصيبها
قال الأصمعي: إن رهط قيس قالوا لأبيه: لو خرجت به إلى الحج فتدعو الله لعله ينساها، فخرج به فبينا هو يرمي الجمار نادى مناد من بعض تلك الخيام: يا ليلى، فخر قيس مغشياً عليه، ثم أفاق وأنشأ يقول:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منىفهيج أحزان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنماأطار بقلبي طائراً كان في صدري
إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرهاكما انتفض العصفور من بلل القطر
وهي قصيدة طويلة.
قيل: حبس المجنون مع ليلى في السجن فقيل له اخرج فقال لا أخرج لأن أكون مع الحبيب في السجن خير من الفراق فأخرج فجاء الناس يعزونه فقال ارتجالاً:
ليل الحبيب مع الحبيب نهاروكذاك أيام الوصال قصار
وقال أيضاً:
وسجني مع المحبوب فردوس جنتيوناري مع المحبوب في النار أنوار
وذكر إن سعيد بن الحاص؟ كان صديقه فعاتبه يوماً فقال له فضحت نفسك وعشيرتك فقال:
اريد لا نسى ذكرها فكأنماتمثل لي ليلى بكل سبيل
فلا تلحننى يا سعيد فاننيوحق إلهي هالك بقليل
قال كثير عزة: خرجت أريد قضاء حاجة لي فضللت الطريق فإذا أنا برجل قاعد فقلت إنسي أنت أم جني؟ فقال بل إنسي، فقلت ما أقعدك ها هنا؟ فقال إن هنا صياداً فأحببت أن أنظر إلى صيده، فأنخت راحلتي قريباً منه، فبينا نحن نتحدث إذ اضطرب الحبل فقام وقمت فإذا بظبية كأحسن ما يكون من الظباء واسمنهن، فاستخرجها برفق، وجعل يقبل خديها وعينيها ثم أرسلها وهو يقول:
اذهبي في كلاءة الرحمنأنت منى في ذمة وأمان
فتهني فالجيد منك لليلىوالحشا والبغام والعينان
لا تخافي بأن تسامي بسوءما تغني الحمام في الأغصان
قال كثير: فأعجبني ما رأيت منه، فأقمت عنده، فلما كان من الغد غدا ونصب حبالته، فما لبث أن اضطرب الحبل، فقام وقمت فإذا ظبي كنحو ما كان بالأمس، ففعل به كما فعل بالآخر، فمضى غير بعيد ثم وقف ينظر إليه وأنشأ فقال:
ايا شبه ليلى لا تراعي فاننيلك اليوم من وحشية لصديق
فعيناك عيناها وجيدك جيدهاسوى أن عظم الساق منك دقيق
ثم لبثنا يومنا وليلتنا، فلما كان من الغد غدا وغدوت وصنع مثل صنيعه، فإذا نحن بظبية قد وقعت في الحبالة، ففعل مثل ذلك فخلاها وأنشأ يقول:
تذكرني ليلى من الوحش ظبيةلها مقلتاها والمقلد والحشا
فينهل دمع العين يجري لذكرهاوأسفي عليك القلب بالدمع ما جرى
فقلت: لله أبوك، ما أعجب شأنك فالتفت إلي ثم قال:
أتلحى محباً هائماً أن رأى لمنأحب شبيهاً في الحبالة موثقا
فلما دنا منه تذكر شجوهوآنس مما قد رآه تشوقا
وهيج منه حائل دون ذبحهفأرسله من أجل ليلى فاعتقا
ألا لا تلمه بل له اليوم حرقةمن الوجد لا يزداد إلا تحرقا
فوالله إني لفي ذلك إذ أقبل راكب فقال: اللهم إني أسألك خير ما عنده، فجاء حتى وقف فقال: اصبر يا قيس، قال عمن قال؟ عن ليلى، فقام إلى بعيره وقمت إلى بعيري فشددنا عليهما ثم أقبلنا إلى الحي فقال: أرشدوني إلى قبرها، فأشاروا له إلى قبر حديث عهد بطين، فأكب يقبله ويلتزمه ويشم ترابه وأنشأ يقول:
أيا قبر ليلى لا شهدناك أعولتعليك نساء من فصيح ومن عجم
ويا قبر ليلى إن في الصدر غصةمكان الشجى سدت مع الريق بالسلم
ثم شهق شهقة فمات، فدفنته أنا والراكب، وأنشأت أقول:
سابكيكما ما عشت حياً وإن أمتفإني قد لاقيت ما تجدان
قيل للمجنون: أتحب ليلى؟ قال لا، قيل ولم؟ قال لأن المحبة ذريعة للرؤية فقد سقطت الذريعة فليلى أنا وأنا ليلى.
أنشدنا محمد بن المنذر للمجنون:
تذكرت ليلى والفؤاد عميدوشطت نواها والمزار بعيد
يبدي الهوى من صدر كل متيموحبي لليلى ما حييت جديد
قال الأصمعي: لم يكن المجنون مجنوناً ولكن كانت فيه لوثة كلوثة أبي حية النميري، وهو من أشعر الناس، ومن جيد شعره:
أما والذي أبكى وأضحك والذيأمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرىأليفين منها لا يروعهما الزجر
فيا حبها زدني جوى كل ليلةويا سلوة الأيام موعدك الحشر
ويا هجر ليلى قد بلغت بي المدىوزدت على ما لم يكن صنع الهجر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينهافلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
وأنشد الجعد بن عقبة الجرمي لمجنون بن عامر:
دعوت إله الناس عشرين حجةنهاراً وليلاً في الجميع وخاليا
لكي تبتلى ليلى بمثل بليتيفتعلم حالي أو ترق لما بيا
فلم يستجب لي الله فيها ولم يفقهواي ولكن زيد حب برانيا
فيا رب حببني إليها أو اشفنيبها أو أرح مما يقاسي فؤاديا
ومن شعره أنشد ابن الأعرابي:
يقولون عن ليلى غنيت وإنمابي اليأس عن ليلى وليس بي الصبر
فيا حبذا ليلى إذ الدهر صالحوسقيا لليلى بعد ما فسد الدهر
فإني لا هواها وإني لآيسهوى وإياس كيف صمهما الصدر
وله أيضاً:
امر مجانباً عن دار ليلىألم بها وفي قلبي غليل
وقلبي عند ساكنها فهل ليإلى قلبي وساكنها سبيل
فلو أن الطلول أجبن صبالرحمته أجابتني الطلول
وله أيضاً:
وجاؤوا إليه بالتعاويذ والرقىوصبوا عليه الماء من ألم النكس
وقالوا به من أعين الجن لحظةولو عقلوا قالوا به أعين الأنس
وله أيضاً:
أيا شبه ليلى إن ليلى مريضةوأنت صحيح إن ذا لمحال
أقول لظبي مر بي في مفازةلانت أخو ليلى فقال يقال
وإن لم تكن ليلى غزالاً بعينهافقد أشبهتها ظبية وغزال
ومن مشهور شعره:
ذكرتك والحجيج له ضجيجببكة والقلوب لها وجيب
فقلت ونحن في بلد حرامبه لله أخلصت القلوب
أتوب إليك يا رحمن إنيأسأت وقد تضاعفت الذنوب
وأما من هوى ليلى وحبيزيارتها فإني لا أتوب
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع