من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)
سعدون
قال عطاء السلمي احتبس عنا القطر بالبصرة فخرجنا نستسقي فإذا بسعدون المجنون فلما أبصرني قال يا عطاء إلى أين؟ قلت خرجنا نستسقي فقال بقلوب سماوية أم بقلوب خاوية؟ قلت بقلوب سماوية، فقال لا تبهرج فإن الناقد بصير، قلت ما هو إلا ما حكيت لك فاستق لنا، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: أقسمت عليك الا سقيتنا الغيث، ثم أنشأ يقول:
أيا من كلما نودي أجاباومن بجلاله ينشي السحابا
ويا من كلم الصديق موسىكلاماً ثم ألهمه الصوابا
ويا من رد يوسف بعد ضرعلى من كان ينتحب انتحابا
ويا من خص أحمد باصطفاءوأعطاه الرسالة والكتابا
إسقنا. قال: فأرخت السماء شآبيب كأفواه القرب. فقلت زدني، قال ليس ذا الكيل من ذاك البيدر، ثم قال:
سبحان من لم تزل له حججقامت على خلقه بمعرفته
قد علموا أنه مليكهميعجز وصف الأنام عن صفته
قال عطاء: رأيت سعدون يتفلى ذات يوم في الشمس فانكشفت عورته فقلت له استرها أخا الجهل فقال: أمالك مثلها؟ واستتر، ثم مر بي يوماً وأنا آكل رماناً في السوق ففرك أذني وقال من الجاهل أنا أم أنت؟ ثم قال:
أرى كل إنسان يرى عيب غيرهويعمى عن العيب الذي هو فيه
وما خير من تخفى عليه عيوبهويبدو له العيب الذي لأخيه
وكيف أرى عيباً وعيبي ظاهروما يعرف السوءآت غير سفيه
قال عبد الله بن سويدك رأيت سعدون المجنون وبيده فحمة وهو يكتب بها على جدار قصر خراب:
يا خاطب الدنيا إلى نفسهإن لها في كل يوم خليل
ما أقبح الدنيا لخطابهاتقتلهم عمداً قتيلاً قتيل
تستنكح البعل وقد وطنتفي موضع آخر منه البديل
أنعم في عيشي وأيدي البلاتعمل في نفسي قليلاً قليل
تزودوا للموت زاداً فقدنادى مناديه الرحيل الرحيل
قال خالد بن منصور القشيري قدم علينا سعدون المجنون فسمعته ليلة من الليالي يقول في دعائه: لك خشعت قلوب العارفين وإليك طمحت آمال الراجحين، ثم أنشأ يقول:
وكن لربك ذا حب لتخدمهإن المحبين للأحباب خدام
قال إسماعيل بن عطاء العطار: مررت بسعدون فلم أسلم عليه، فنظر إلي ثم قال:
يا ذا الذي ترك السلام تعمداًليس السلام بضائر من سلما
إن السلام تحية مبرورةليست تحمل قائلاً أن يأثما
قال ثابت بن عبد الله أنشدني سعدون المجنون أبياتاً في الوصف:
تفهم يا أخي وصف الملاحوقد ركبوا النجائب في الوشاح
من الحور الحسان منعماتتفوق وجوهها ضوء الصباح
يراهن المهيمن من عبيروشرفهن حقاً بالفلاح
وصدغ فوق سالفة بمسككمشق النون في رق مباح
إذا خطرت تحير كل حسنوإن مرحت أهل للمراح
تقول إذا أتت نحو العذارىألا يا خود هل حبي بصاح
فقد نغصن لذاتي جميعاًواعدمني هواها شرب راحى
قال الفتح بن سالم كان سعدون سياحاً لهجاً بالقول فرأيته يوماً بالفسطاط قائماً على حلقة ذي النون وهو يقول يا ذا النون متى يكون القلب أميراً بعد أن كان أسيراً فقال ذو النون:
إذا اطلع الخبير على الضميرولم ير في الضمير سوى الخبير
قال فصرخ سعدون وخر مغشياً عليه، ثم أفاق فقال:
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكيولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر
ثم قال استغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال يا أبا الفيض إن من القلوب قلوباً تستغفر الله قبل أن تذيب قال: نعم نبأت قبل أن تطيع أولئك قوم أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين، ثم قال: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء كن لي بكليتك أكن لك وقل للمطيعين إن لم تطيعوني فلا تقربوا مني.
وكان ابن أبي أوفى يقول قعدنا في جزيرة من الجزائر نتشارب المز وفينا شيخ يغني ويقول:
أما النبيذ فلا يذعرك شاربهواحفظ ثيابك ممن شربه الماء
وإذا رجل يهتف: كذبت يا شيخ:
أما النبيذ فقد يذري بصاحبهولا أرى شارباً يذري به الماء
فالتفتنا فإذا سعدون المجنون.
قال عطاء التيمي: كنت أبني فأشرفت من بعض الجدران فإذا سعدون يكتب بقطعة فحم على جدار:
ما حال من سكن الثرى ما حالهأمسى وقد رتّ هناك حباله
أمسي ولا روح الحياة يصيبهأبداً ولا لطف الحبيب يناله
أمسي وقد درست محاسن وجههوتفرقت في قبره أوصاله
واستبدلت منه المحاسن غبرةوتقسمت من بعده أمواله
ما زالت الأيام تلعب بالفتىوالمال يذهب صفوه وجلاله
قال ذو النون المصري رأيت سعدون في مقابر البصرة وهو يناجي ربه ويقول بصوت عال أحد أحد فسلمت عليه فرد علي، فقلت بحق من تناجيه ألا وقفت، فوقف، ثم قال: قل: قلت أوصني بوصية أحفظها عنك أو تدعو بدعوة فأنشأ يقول:
يا طالب العلم من هنا وهناومعدن العلم بين جنبيكا
إن كنت تبغي الجنان تسكنهافاسبل الدمع فوق خديكا
وقم إذا قام كل مجتهدوادعه كي يقول لبيكا
ثم مضى وهو يقول: يا غياث المستغيثين، فقلت له ارفق بنفسك فلعله ينظر إليك برحمته فنزع يده من يدي، وهو يقول:
سلام على طيب المقام سلامفليس لعين المستهام منام
ولو ترك الأغماض يوماً لجفنهلا يقظه مما يجن ضرام
ثم مضى وتركني.
قال رباح القيسي: سمعت مالك بن دينار، يقول: أصاب الناس بالبصرة قحط شديد، فخرجنا نستسقي فإذا أنا بسعدون في بعض الخرابات فقلت له بالذي خلقك استسق لنا، فرفع رأسه إلى السماء وقال " يا فاطر الأشباح والأرواح ومنشئ السحاب والرياح وفالق الأصباح بحق ما جرى البارحة أن ترحم عبادك وبلادك ولا تهلك بلادك بذنوب عبادك " قال فما استتم كلامه حتى أرخت السماء غرابيلها وجادت بوابلها فخرج يخوض الماء وهو يقول:
قل لدنياي أبعدي وتوليان تريني فإنني لا أراك
وصلي واملكي وداد سوائيانني مغرم بحب سواك
إن تكوني أسرت بالذنب قومافاذهبي أنت لست من أسراك
قال محمد بن الصباح خرجنا بالبصرة نستسقي فلما أصحرنا إذا بسعدون يفلي جبة صوف له، فلما رآنا قام وقال إلى أين؟ قلنا نستسقي المطر، فقال بقلوب سماوية أم بقلوب خالية فقلنا بقلوب سماوية فقال اجلسوا ها هنا فجلسنا حتى ارتفع النهار والسماء لا تزداد إلا صحوا فقال يا بطالين لو كانت قلوبكم سماوية لسقيتم ثم توضأ وصلى ركعتين ولحظ السماء بطرفه وتكلم بكلام لم نسمعه فما استتم كلامه حتى أرعدت وأبرقت وأمطرت مطراً جواداً فسألناه عن الكلام الذي تكلم به فقال إليكم عني إنما هي قلوب حنت فرنت فعاينت فعلمت فعملت وعلى ربها توكلت، وأنشأ يقول:
أعرض عن الفخر والتماديوارحل إلى سيد جواد
ما العيش إلا جوار قومقد شربوا صافي الوداد
قال: ورأيت مكتوباً على جبته:
يا ذنوبي عليك طال بكائيصرت لي مأتماً فقل عزائي
في كتابي عجائب مثبتاتليتني ما لقيتها في بقائي
نظر العين قادني للخطاياإذ أذنت اللحوظ للأهواء
تالياً للقرآن يتلو المعاصياسمه في السماء عبد مرائي
قال ذو النون المصري: خرجت بكرة إلى مقابر عبد الله بن مالك فإذا أنا بشخص مقنع كلما رأى قبراً منخسفاً وقف عليه فقصدته، فإذا هو سعدون، فقلت سعدون، فقال سعدون فقلت ما تصنع ها هنا؟ فقال إنما يسال عما أصنع من أنكر ما أصنع وأما من عرف ما أصنع فما معنى سؤاله؟ فقلت يا سعدون تعال نبكي على هذه الأبدان قبل أن تبلى، فتأوه ثم قال البكاء على القدوم على الله أولى بنا من البكاء على الأبدان، فإن يكن عندها شر أبلاها في القبور فسوف يبعثها ربها للعرض والنشور. يا ذا النون إنك إن تدخل النار فلا ينفعك دخول غيرك الجنة وإن تدخل الجنة لا يضرك دخول غيرك النار، ثم قال يا ذا النون وإذا الصحف نشرت، ثم صاح واغوثاه ماذا يقابلني في الصحف قال: فغشي علي
فلما أفقت إذا هو يمسح وجهي بكمه ويقول يا ذا النون من أشرف منك إن مت مكانك هذا: قال محمد بن الصباح قرأت على قميص سعدون:
عيني أبكي علي قبل انطلاقيبدموع منها تسيل المآقي
واندبي مصرعي فقد مضني الشوقونوحي علي قبل الفراق
قال مالك بن دينار دخلت جبانة البصرة فإذا أنا بسعدون فقلت له كيف حالك وكيف أنت فقال يا مالك كيف يكون حال من أمسى وأصبح يريد سفراً بعيداً بلا أهبة ولا زاد ويقدم على رب عدل، ثم بكى بكاء شديداً، قلت ما يبكيك، قال والله ما أبكي حرصاً على الدنيا ولا جزعاً من الموت لكني بكيت ليوم مضى من عمري لم يحسن فيه عملي، أبكاني والله قلة الزاد وبعد المفازة والعقبة الكؤود ولا أدري بعد ذلك أصير إلى الجنة أو إلى النار، فسمعت منه كلام حكيم، فقلت له إن الناس يزعمون أنك مجنون. فقال وأنت قد اغتررت بما اغتر به بنو الدنيا زعم الناس أنني مجنون وما بي جنة ولكن حب مولاي قد خالط قلبي وأحشائي وجرى بين لحمي ودمي وعظمي فأنا والله من حبه هائم مشغوف، قلت فلم لا تجالس الناس وتخالطهم؟ فأنشد الأبيات المشهورة:
خذ عن الناس جانباًكي يظنوك راهبا
وأنشد أيضاً:
ولو لم يكن شيئاً سوى الموت والبلىوتفريق أعضاء ولحم مبدد
لكنت حقيقاً يا ابن آدم بالبكاعلى نائبات الدهر مع كل مسعد
قال عبد الله بن خالد الطوسي: لما خرج هارون الرشيد إلى مكة فرش له من جون العراق إلى مكة لبد مرعزي وكان حلف على أن يحج راجلاً فاستند يوماً إلى ميل
وقد تعب، فإذا سعدون قد عارضه وهو يقول:
هب الدنيا تواتيكاأليس الموت ياتيكا
فما تصنع بالدنياوظل الميل يكفيكا
ألا يا طالب الدنيادع الدنيا لشانيكا
فما أضحكك الدهركذاك الدهر يبكيكا
فشهق الرشيد شهقة فخر مغشياً عليه ثم أفاق بعد أن فاته ثلاث صلوات.
قال ذو النون بينا أنا في أزفة مصر إذا أنا بسعدون المجنون وعليه جبة صوف جديدة مكتوب عليها خطوط قد أدخل رأسه فيها، فسلمت عليه فرد السلام، فقلت: قف يا أبا سعيد حتى أنظر ما على جبتك، فوقف، فقرأت على كمه الأيمن سطرين:
عصيت مولاك يا سعيد
ما هكذا تفعل العبيد
وعلى كمه الأيسر سطرين:
تباً لمن قوته رغيفيأتي به السيد اللطيف
يعصي إلهاً له جلالوهو به راحم رؤوف
ومن خلفه سطران:
كل يوم يمر يأخذ بعضييذهب الأطيبان منه ويمضي
نفس كفي عن المعاصي وتوبيما المعاصي على العباد بفرض
ومن بين يديه سطران:
أيها الشامخ الذي لا يرامنحن من طيبة عليك السلام
إنما هذه الحياة متاعومع الموت يستوي الاقدام
وعلى عكازه مكتوب:
اعمل وأنت من الدنيا على وجلواعلم بأنك بعد الموت مبعوث
واعلم بأنك ما قدمت من عملمحصى عليك وما خلفت موروث
قال: فقلت له أنت حكيم ولست بمجنون، قال أنا مجنون الجوارح ولست بمجنون القلب ثم ولى هارباً.
قال ذو النون: بينا أنا أطوف ذات ليلة حول البيت وقد هدأت العيون إذ أنا بشخص قد حاذاني وهو يقول: رب عبدك المسكين الطريد الشريد من بين خلقك، أسألك من الأمور أقربها إليك وأسألك بأصفيائك الكرام من الأنبياء إلا سقيتني كأس محبتك وكشفت عن قلبي أغطية الجهل حتى أرقى بأجنحة الشوق إليك فأناجيك في أركان الحق بين رياض بهائك، ثم بكى، ثم ضحك وانصرف، فتبعته حتى خرج من المسجد فأخذ خرابات مكة فالتفت إلي وقال: مالك ارجع أمالك شغل؟ قلت ما اسمك رحمك الله، قال عبد الله، قلت ابن من أنت؟ قال ابن عبد الله، قلت قد علمت أن الخلق كلهم عبيد الله وبنو عبيد الله فما اسمك؟ قال أسماني أبي سعدون، قلت المعروف بالمجنون؟ قال نعم، قلت فمن القوم الذين سألت الله بهم؟ قال أولئك قوم ساروا إلى الله سير من قد نصب المحبة بين عينيه وتخوف تخوف من أخذت الزبانية بقلبه ثم التفت إلي فقال ذا النون! قلت نعم، قال يا ذا النون بلغني أنك تقول فقل لي شيئاً اسمع في أسباب المعرفة، فقلت أنت الذي يقتبس من علمك، فقال حق السائل الجواب ثم أنشأ يقول:
قلوب العارفين تحن حتىتحل بقربه في كل راح
صفت في ود مولاها فما أنلها من وده أبداً براح؟
قال موسى بن يحيى كان سعدون إذا اشتد به الجوع يرمي بطرفه إلى السماء ويقول:
أتتركني وقد آليت حلفاًبأنك لا تضيع من خلقتا
وأنك ضامن للرزق حتىتؤدي ما ضمنت وما قسمتا
وإني واثق بك يا إلهيولكن القلوب كما علمتا
قال عيسى بن علي رأيت سعدون ذات يوم، والصبيان يؤذونه، فطردت عنه
الصبيان فقال بعض الصبيان هو يزعم أنه يرى ربه، فقلت له أما تسمع ما يقول الصبيان، قال وما هو، قلت يقولون أنك ترى الله ﷿، فقال يا أخي مذ عرفت الله ما فقدته، ثم أنشأ يقول:
زعم الناس أنني مجنونكيف أسلو ولي فؤاد مصون
علق القلب بالبكا في الدياجيوهو بالله مغرم محزون
قال وقرأت على فروة له:
نغص الموت ريحه كل طيبودهاني بفقد كل حبيب
ولكم أذ رأيت من حدث السنغريراً كغصن بان رطيب
حسن بالموت فانثنى بانكسارواضعاً خده بذل عجيب
قائلاً اخوتي سلام عليكمآذنت شمس مدتي بالمغيب
قال مالك بن دينار كنت حاجاً فغلبتني عيناي فرقدت عند الكعبة فوقف سعدون على رأسي، فقال:
يا أيها الراقد كم ترقدقم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من الليل وساعاتهفازدد إذا ما سجد السجد
كتب سعدون المجنون إلى جعفر المتوكل: يا أخي، أما بعد، فإنك قد طمعت بالحياة ونسيت تراصف الأقدام وتطاير الصحف في الشمائل والإيمان، فاذكر حسراتك عند انكشاف الغطاء واقرأ فلا أنساب يومئذ بينهم ولا يتساءلون.
عطية بن إسماعيل الموكل على زمام المأمون قال كتب سعدون إلى المأمون وقد بنى قصراً:
يا من بنى القصر في الدنيا وشيدهأسست قصرك حيث السيل والغرق
لو كنت تغني بذخر أنت ذاخرهأسسته حيث لا سوس ولا حرق
والموت مصطبح منكم ومغتبقفاحتل لنفسك قبل الورد يا حمق
واذكر ثموداً وعاداً أين أنفسهمفلو بقي أحد من بعدهم لبقوا
ثم كتب عنوان الكتاب " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ".
عطاء بن سعيد قال كتب سعدون إلى والينا وكان قد آذانا: أما بعد. يا هذا فإنك إن لم تستح من نفسك فاستحي من ربك لا يغرك بسطه عليك فإنه إن غاقصك أهلكك وهتكك ثم كتب عنوانه إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا.
عبد الله بن سهل قال كتب سعدون إلى بعض الخلفاء.
أما بعد فإن الله أخذ على السماوات والأرض والجبال عهداً فأودعه إياهن فأما السماوات فتناثر أنجمها وانطمس شمسها واضمحل قمرها وتراصدت أقدام سكانها وارتعدت أكنافها، وأما الأرض فانزوى أطرافها واكدودر ماؤها وتناثر أوراق شجرها وأغصانها وثمارها، وأما الجبال فتحلمد شوامخها وسالت أوديتها ارتعاداً وانتقاضاً من شدة الأمانة التي كلفتها، وأنت في ضعف حياتك وبلادة خواطرك وعجزك مذ كلفت الأمانة فما تحرك عليك عضو ولا بذعر منك مفصل قد ركبت مجانب مخادعك وجعلت الدنيا نزهة بطالتك فانتبه من رقدة الوسن قبل أن يكشفك الحزن والسلام.
قال عبد الصمد بن إسرائيل كتب سعدون إلى بعض إخوانه.
أما بعد يا أخي جعلنا الله وإياك من الذين غاصوا في بحار الشوق فاستخرجوا صدف اللطف فسقط عنهم الأذى والأسف ثم كتب عنوانه من بعث راح ومن راح استراح.
قال نصر بن خالد كتب سعدون إلى بعض إخوانه.
أما بعد يا أخي جعل الله قلبك سماوياً معلقاً بجلال مودته حتى تنصب إليك ينابيع الدلائل فتسمو إليه بموارث الطاعة ثم كتب عنوانه ميراث صفاء القلوب ودوام الشبع يميت القلوب.
وديعة الواسطي قال كتب سعدون إلى بعض إخوانه: أما بعد فارحل قبل أن يرحل بك وتزود قبل المسير إلى ربك فإنك تريد قطع مفاوز لا يقطعها البطالون، قطع الله عنك الطمع وجعلك ممن وصف في كتابه لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين.
سعيد بن أبي عبيد الله الآجري قال كتب سعدون إلى بعض إخوانه: أما بعد فقد بلغني أنك تركت الآخرة وأقبلت على الدنيا، وإذا كان العبد من الله على كفاية ومال إلى الدنيا سلبه الله ﷻ حلاوة الطاعة عنه فيظل حيران فيقبل بعد ذلك عليه فيقول عبدي ارجع إلى ما كنت عليه.
إسماعيل بن عبد الله قال كتب سعدون إلى بعض اخوانه: أما بعد من استعمل معول الفهم قوي على حفر خنادق الكد ومن أتى جب المعرفة استسقى بدلو الجد ومن نظر في مرآة الفكر سقطت عنه لذة الكرى ثم أنشأ:
ومن الناس من يعيش شقياًجاهل القلب غافل اليقظه
فإذا كان ذا وفاء ورأيحفظ الوقت واتقى الحفظه
إنما الناس راحل ومقيمفالذي بان للمقيم عظه
عبد الله بن سهل قال كتب سعدون إلى بعض إخوانه أما بعد يا أخي فانه من تعرض لعقوبة الله هوى وشقي ومن تعرض لرضاء الله كفي ووقى فاجعل حظك من دنياك الاشتغال بطاعة مولاك والسلام.
قال وكتب بهذا الشعر إلى بعض إخوانه:
تحب الصالحين بزعم قلبكوتخلو إن فقدتهم بذنبك
فمن حب الخليل تفر منهوهذا كله من كذب حبك
ستندم حين لا ندم بمجدوتعلم ما يحل غدا بجنبك
قال مالك بن دينار مات بعض قراء البصرة، فخرجنا في جنازته، فلما انصرفنا من دفنه صعد سعدون تلا ونادى:
إلا يا عسكر الأحياءهذا عسكر الموتى
أجابوا الدعوة الصغرىوهم منتظروا الكبرى
يقولون لكم جدوافهذا غاية الدنيا
سلمة بن عقيل قال كتب سعدون إلى بعض إخوانه: جعلنا الله وإياك من الذين ادبوا أنفسهم بدرة الجوع وردموا خندق الأحزان وجاوزوا عقاب الشدائد وقطعوا جسر الأهوال ثم كتب عنوانه ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
إبراهيم بن سعيد النجيبي قال: كتب المتوكل إلى عامله بالبصرة إن قبلك رجلاً أديباً ظريفاً ذا حكمة فوجه به إلي على أحسن صفة غير مروع. فحمله إليه فلما ورد الباب قال له الحاجب سلم على الخليفة سلامك على الخلفاء، فدخل، ثم سلم عليه وقال: أنت المتوكل؟ قال نعم، قال فلم سميت بالمتوكل ولم تسم بالمتواضع؟ ثم قال: للهوى كأني السلام عليك يا من استوى على سرة الغنى وتقمص بقميص الخيانة متبعاً مقاصير علائك فلم يوقد أتاك فظ غليظ فجذبك عن سرير بهائك وأخرجك عن اللحد وفراق الأهل والولد، فلو عليك حاجباً ولا قهرمانا حتى أخرجك إلى ضيق في صحيفة بطالتك، يا من احتوى على
أموال الضعفة بظلمه، غداً تبكي سرائرك بين يدي من لا تخفى عليه السرائر فتحمل على دقيق المسئلة جواباً وعلى الصراط جوازاً فستعلم وتستقرئ كل ما قد أحصى عليك بالتحقيق.
قال: فغاظه ذلك، فأمر بحبسه، فلما كان في اليوم الثاني أمر بإخراجه، فلما وقف بين يديه قال: بلغني أنك قدري تقايس في العظمة وتداخل في التكوين، فقال: يا متوكل يا من له عقل موجود وفهم غير مفقود إن مثلي لا يتكلم في القدر قال فنظر إليه مغضباً ورده إلى السجن.
فلما كان في اليوم الثالث أخرجه، فوقف بين يديه وقال: يا سعدون أنك ثنوي تقول السماء خالية بلا مدبر. فقال له: يا متوكل أسألك عن شيء تخبرني به؟ قال: نعم، قال: من جعل سطح الهامة منبت الشعر وسقاها من حرارة الدماغ؟ قال: الله، قال: أخبرني من مد حاجبيك فأنبت عليهما الشعر؟ قال: الله تعالى، قال: فأخبرني من فتق العينين وجعل للحدقة بياضاً وجعل وسطها سواداً؟ قال: الله، قال: فمن جعل فيهما ماء عذباً ولحا؟ قال الله، قال: فأخبرني من خرق السمعين فجعل فيهما سماعا قال الله، قال: فمن ألزم القدم من الساقين فجعلهما اسطوانة للركبتين؟ قال الله، قال فمن شد الحقوين بالوركين؟ قال، الله قال: فمن عرفك أن تقول الله؟ قال الله، قال: فكيف أقول السماء بلا إله؟ قال المتوكل: بلغني أنك تقول القرآن مخلوق، قال يا متوكل ارض عن الله وثق بالله وكل شيء بقضاء الله ما يبلغ الفطنة كنه الله ولا يفوت الخلق رزق الله، الله لا يشبه خلق الله، القبض والبسط فعال الله، والجود والفخر أيادي الله، يا أيها القائل بالله بالحق والصدق عرفت الله، فلا تكن مبتدعاً في الله، ارض بدين الله، عبد الله لا شيء أحلى من كلام الله، يكون مخلوقاً كلام الله يقولها؟ مبتدع والله!
قال: فأمر به إلى الحبس ثم اتخذ مقصورة وأمر بفرش الزرابي من الحرير
الأخضر والخز والديباج ثم دعا به، فلما نظر إليه ضحك، ثم قال: يا متوكل هذا ملكك الدنيء الحقير الفاني، فقال المتوكل بلغني أنك حروري تطعن في السلطان، فقال إني لست كذلك ولكنني أصف لك مرجا أحسن من مرجك وقصراً أحسن من قصرك، قال هات، قال في الجنة مرج من ورق الآس في وسط المرج قصر من درر وشقائق وفي وسط القصر قبة من ورق السوسن والقصر والقبة مبنيان على نبات القرنفل لها حدود أربعة الحد الأول ينتهي إلى ناحية الوجلين والحد الثاني ينتهي إلى نعيم المشتاقين والحد الثالث ينتهي إلى طريق المريدين والحد الرابع ينتهي إلى غرف مملوءة بتحف وصنائع ووصائف ورفارف وإلى خيام وخدام وإلى ميدان يطوف في ساحته الولدان، أرضها من الفضة ورمالها من اللؤلؤ وقضبانها من العنبر وشرفها من الياقوت الأحمر، العرش سقفها والرحمة حشوها والأنبياء سكانها والملائكة عمارها والولدان خدامها، الزعفران حشيشها والقرنفل نباتها والسندس ثيابها، مطردة أنهارها دائمة ظلالها دانية قطوفها مطهرة أزواجها خضر رياضها لذيذ عيشها ذكي مسكها وكافورها، فهي دار العيش والنعيم المقيم، فساكن هذه الدار في نعيم لا يزول، لا غل في صدور سكانها، قد رفعت عنهم الأسقام وزالت الآلام وصاحب هذه الدار أبداً معانق الأبكار في مرافقة الأخيار وجوار الملك الجبار.
ثم قام يخطر في مشيته ويقول:
قبة من جواهر الخاد بالدر رصعت
جوف قصر من الزبيرجد بالنور وشعت
مذ بناها الجليل فيداره ما تزعزعت
لو عليها تساقطتأرضها ما تصدعت
حجبت كاعب من الحور فيها فابدعت
عجب الحسن والجمال إذا ما تطلعت
منع الحب بالحبيبكما قد تمنعت
قال المتوكل أحسنت بارك الله فيك، من زعم أنك مجنون؟ ثم أمر له
بجائزة، فردها وقال حبي الله الذي جعل خزائن عطائه مفتوحة لمؤمليه وحسبي من جعل مفاتيحها حجة الطمع فيه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع